صلاح أمبدة:
ثقافتنا السياسية التي تربينا عليها، ان المشكلة ليست في أن يختلف الناس في قراءة التاريخ أو تفسير الوقائع، فذلك من طبيعة العمل السياسي، وإنما تكمن المشكلة حين تتحول الرغبات الأيديولوجية إلى حقائق مصنوعة، ويصبح الخيال السياسي بديلاً للوقائع، وتتحول نظرية المؤامرة إلى عقيدة لا تحتاج إلى دليل.
وهذا بالضبط ما يقدمه مقال الدكتور أحمد عثمان عمر (تسوية شعبية أم هبوط ناعم) الذي نشر في ” إطلالة” ، وهو نص يفيض باليقين ويعاني في الوقت نفسه من فقر شديد في الوقائع.
فمقالة الدكتور احمد تبدو أقرب إلى مرافعة محامٍ يحاول تبرئة رواية سياسية منهارة، أكثر من كونه قراءة موضوعية لتاريخ السودان الحديث. ولعل السودانيين لم يطلقوا نكاتهم الشهيرة عن قدرة بعض المحامين على تحويل “الفسيخ إلى شربات” من فراغ.
كلنا نذكر الرجل الذي قال لكاتب “العرضحالات” لم اكن أعرف نفسي مظلوما الى هذا الحد. فالمرافعة التي قدمها نجحت في تحويل الخيال إلى وقائع، والاتهامات إلى مسلمات، حتى يكاد القارئ يصدق أنه عاش تاريخًا آخر غير الذي عاشه بالفعل. اذ يزعم الكاتب أن هناك مؤامرة دولية استهدفت اليسار الثوري، او ربط بين التآمر على السودان وهذا الطرح. وأن المجتمع الدولي كان يعمل على دمج قوى نداء السودان داخل نظام الإنقاذ، وأن ثورة ديسمبر هي التي أفسدت هذا المخطط.
ولو كانت السياسة تُبنى على الأمنيات لربما بدا هذا السيناريو مقنعًا، لكنه يصطدم مباشرة بالوقائع. فهل نسي الكاتب أن رئيس نداء السودان ( الراحل الإمام الصادق المهدي) كان ممنوعًا من الدخول او الاقامة فى بعض الدول بسبب مواقفه السياسية؟
وهل تجاهل أن نظام الإنقاذ ( نظام عمر البشير) فتح ضده عشرات البلاغات، واعتُقل لمدة أربعين يوماً في سجن انفرادي وواجه اتهامات كان أقلها يقود إلى الإعدام؟ كيف يصبح من يطارده النظام ويسجنه ويلاحقه ، شريكًا في مشروع تعويمه؟.
إنها معادلة لا تستقيم إلا إذا كان المنطق قد تقاعد مبكرًا. والأغرب من ذلك أن الكاتب يتحدث وكأن نظام الإنقاذ سقط من تلقاء نفسه، أو أنه استيقظ صباحًا فقرر أن يغادر السلطة. وكأن عقودًا من المقاومة، والسجون، والتشريد، والنضال السياسي، والعمل الجماهيري، والإضرابات، والاحتجاجات، لم تكن سوى تفاصيل هامشية لا تستحق الذكر.
إنها قراءة تختزل تاريخًا كاملًا في رواية مريحة لأنصارها، لكنها شديدة القسوة على الحقيقة. ولهذا فإن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: ماذا قدم محامو“التغيير الجذري” أنفسهم في مواجهة الإنقاذ غير الخطابات الثورية العالية السقوف ؟ وأين هي إنجازاتهم العملية التي تؤهلهم لتوزيع صكوك الثورة والخيانة؟
لقد عقدوا مؤتمراتهم في قاعة الصداقة التي سمح بها النظام الذي يتهمون الآخرين بالسعي إلى تعويمه، ثم انشغلوا بعد الثوره بتخوين كل من يختلف معهم، حتى تحولت الثورة بالنسبة لهم إلى ساحة لتصفية الحسابات مع الحلفاء قبل الخصوم. ولم يكن غريبًا بعد ذلك أن تنشغل بعض مكونات هذا التيار بتفتيت لجان المقاومة، وإشعال الخلافات داخل الصف الثوري، وهي خدمة مجانية لم يكن نظام الإنقاذ يحلم بالحصول عليها بهذا القدر من السخاء. ثم تأتي المفارقة الأكثر إثارة للسخرية.
فالتيار الذي يرفع شعار “الجذرية” ويحتكر لنفسه حق توزيع شهادات الثورية، وجدنا بعض أبرز رموزه أو المحسوبين عليه يشاركون مبكراً في “تحالف الخط الوطني” (تخطّي) الذي دُشّن في بورتسودان في مارس 2024، وقدمت الدكتورة ساندرا كدودة إعلانه السياسي من داخل المدينة التي تعتبر مقر السلطة التي يقودها الفريق عبد الفتاح البرهان، وعُقد المؤتمر الصحفي في ظل سيطرتها الكاملة على المجال السياسي، ونُقلت فعاليات المؤتمر عبر وسائل الإعلام التي تبث من هناك وهي مملوكة بالكامل للكيزان. ( الاخوان المسلمين السودانيين) فإذا كان مجرد الوجود والعمل السياسي تحت سلطة قائمة يُعد عند هؤلاء “هبوطًا ناعمًا” و”تعويمًا للنظام”، فلماذا يصبح الأمر مشروعًا عندما يتعلق بهم؟ ولماذا تُكال الاتهامات بمكيالين؟.
إن من يرفع شعار الطهر الثوري لا ينبغي أن يمنح نفسه استثناءً من المعايير التي يحاكم بها الآخرين، وإلا تحول الخطاب كله إلى مجرد أداة للتخوين السياسي لا أكثر. وأما حديث الكاتب عن أن المجتمع الدولي كانت استراتيجيته تقوم على حماية الإسلاميين من التفكيك، فهو من أكثر أجزاء المقال هشاشة. فلو كان هذا صحيحًا، فلماذا خاضت القوى السياسية المسماة بجماعة الهبوط الناعم ممثلة في “لجنة إزالة التمكين” معاركها المعروفة؟ ولماذا تعرضت لكل ذلك الهجوم والمقاومة؟ .
ولو كانت قد أُتيح لها أن تكمل مهمتها بعيدًا عن التدخلات والانقلاب عليها، لما أبقت للمؤتمر الوطني ( حزب عمر البشير) ظهرًا يستند إليه ولا مؤسسات يتسلل عبرها من جديد. ولهذا فإن مثل هذه المزاعم لا تحتاج إلى حماسة في إطلاقها، وإنما إلى أدلة، وهي للأسف غائبة تمامًا. وغني عن القول أن السياسة لا تُكتب بالرغبات، والتاريخ لا يُعاد تشكيله وفق احتياجات المعارك الأيديولوجية. ومن المؤسف أن بعض الأقلام لا تزال تُصر على مخاطبة ذاكرة السودانيين وكأنها صفحة بيضاء يمكن الكتابة عليها من جديد. لكن ذاكرة الشعوب ليست سبورة تُمسح كل صباح، بل سجل حيّ لا يمحوه الإنكار ولا تعيد صياغته المقالات.
ويبقى أخطر ما في هذا النوع من الخطاب أنه لا يناقش الخصوم، بل يخترع لهم مواقف لم يتبنوها، ثم ينتصر عليها في معركة وهمية. وهذه ليست كتابة سياسية، وإنما تمرين طويل على صناعة “رجل القش”. ولهذا السبب ولغيره، إذا كانت الجذرية تعني القطيعة مع الواقع، وإنكار الوقائع، واستبدال التاريخ بالخيال، فلا عجب أن يلتبس الأمر على الناس بين “الجذري” و”الجدري”. فالأول كان يفترض أن يكون مشروعًا للتغيير، أما الثاني فلا يعرف إلا العدوى والانتشار. وبين الجذرية التي تبني الأوطان، و”الجدري” الذي يترك الندوب، تبدو المفارقة أبلغ من أي تعليق.
(الآراء الواردة في المقالات تُعبّر عن آراء الكتاب ولا تُعبّر بالضرورة عن وجهة نظر “إطلالة” )

