مقالاتالسودان

هل يستطيع مجلس الأمن وقف حرب السودان؟

حظر السلاح والطيران بين قوة القرار الدولي وواقع اقتصاد الحرب

مهدي داود الخليفة –

تدخل الحرب السودانية منعطفًا دبلوماسيًا جديدًا مع الحديث عن تحرك أميركي داخل مجلس الأمن لبحث إجراءات تتعلق بوقف تدفق السلاح وتقييد استخدام الطيران في الحرب.

وإذا اتخذ هذا التحرك شكلًا رسميًا، فإن أهميته لا تكمن فقط في مضمون الإجراءات المقترحة، وإنما في أنه يطرح السؤال الأكثر صعوبة: هل يستطيع المجتمع الدولي الانتقال من مطالبة السودانيين بوقف الحرب إلى الضغط على البيئة الإقليمية والدولية التي تجعل استمرارها ممكنًا؟

فالحرب، التي دخلت عامها الرابع، لم تعد مجرد مواجهة بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، بل أصبحت شبكة معقدة من السلاح والتمويل والذهب والحدود المفتوحة والتهريب والمصالح الإقليمية. ومن ثم، فإن حظر السلاح والطيران يمكن أن يكون أداة مهمة، لكنه لن يكون وحده كافيًا لإنهاء الحرب.

حظر السلاح: القانون موجود، لكن المشكلة في التنفيذ.

من الناحية القانونية، يستطيع مجلس الأمن، إذا توافرت الإرادة السياسية، إصدار قرار ملزم بموجب الفصل السابع. لكن السودان يخضع أصلًا لنظام حظر سلاح في دارفور منذ 2004، جرى توسيعه وتعزيزه لاحقًا، مع وجود لجنة عقوبات وفريق خبراء لمراقبة التنفيذ. وقد جُدّد نظام العقوبات حتى 12 سبتمبر 2026. (United Nations⁠)

وهذا يكشف جوهر المشكلة: السودان لا يعاني أساسًا من غياب القواعد الدولية، وإنما من ضعف قدرتها على الوصول إلى مصادر السلاح والتمويل وشبكات الالتفاف عليها.

لذلك فإن السؤال الحقيقي ليس: هل يستطيع مجلس الأمن حظر السلاح؟ بل: هل يستطيع أن يجعل الدول والشركات والوسطاء الذين يساعدون على خرق الحظر يدفعون ثمن ذلك؟

فالقرار الملزم يحتاج إلى مراقبة الحدود والمطارات والموانئ والشحن والتأمين والتحويلات المالية، وإلى آلية قادرة على تحديد المسؤولين عن الخروقات ومعاقبتهم.

حظر الطيران أكثر تعقيدًا

أما حظر الطيران، فهو مسألة مختلفة. فإذا كان المقصود منع استخدام الطائرات والمسيّرات والأسلحة الجوية ضد المدنيين، فقد يكون بالإمكان وضع آليات للمراقبة والعقوبات. أما إنشاء منطقة حظر جوي فعلية، فإنه يتطلب قدرات استطلاع ومراقبة، وقد يستلزم استخدام القوة لفرض القرار.

وهنا يصبح السؤال سياسيًا أكثر منه قانونيًا: هل توجد دولة كبرى مستعدة لاستخدام القوة العسكرية لفرض حظر جوي في السودان؟

لا تبدو المؤشرات الحالية كافية للإجابة بنعم. ولذلك فإن الخيار الأكثر واقعية قد يكون فرض قيود وعقوبات على استخدام القوة الجوية، بدل الانتقال مباشرة إلى عملية عسكرية دولية واسعة.

المشكلة الأخطر: اقتصاد الحرب

حتى لو صدر حظر شامل للسلاح، فإن السودان يمتلك حدودًا طويلة ومناطق واسعة يصعب ضبطها، كما أن الحرب أوجدت شبكات تهريب ومصالح اقتصادية عابرة للحدود.

وقد يؤدي ارتفاع تكلفة السلاح الرسمي إلى زيادة أرباح السوق السوداء.

لهذا فإن حظر السلاح دون تجفيف اقتصاد الحرب قد يغيّر طرق وصول السلاح، لكنه لا يقطع بالضرورة تدفقه.

والأكثر تأثيرًا هو بناء منظومة متكاملة تشمل مراقبة تجارة الذهب، وتعقب التحويلات المالية، واستهداف الشركات والوسطاء وشبكات النقل والتأمين، وفرض عقوبات على الجهات التي تثبت مساعدتها في تمويل الحرب أو الالتفاف على العقوبات.

فالمعركة الحقيقية ليست فقط على الحدود؛ إنها أيضًا معركة على المال الذي يشتري السلاح.

هل يمكن مساواة الجيش والدعم السريع؟

سيكون هذا من أصعب الجوانب السياسية.

قد يرفض الجيش أي قرار يساوي بين تسليح القوات المسلحة، باعتبارها مؤسسة الدولة، وتسليح الدعم السريع بوصفه قوة مسلحة غير حكومية. وفي المقابل، قد يرحب الدعم السريع بأي إجراء يحد من التفوق الجوي للجيش، لكنه سيرفض على الأرجح أي حظر يقطع مصادر تسليحه.

وهنا يجب التفريق بين أمرين: الاعتراف بحق الدولة في الدفاع عن نفسها لا يعني منحها تفويضًا مفتوحًا لاستخدام القوة دون قيود؛ كما أن حماية المدنيين لا تعني نزع قدرة الدولة على حماية حدودها ومؤسساتها.

لذلك قد تكون الصيغة الأكثر واقعية هي وقف الدعم العسكري الخارجي للأطراف المسلحة، مع استثناءات محددة وشفافة للدولة السودانية، تخضع لرقابة دولية واضحة، بالتوازي مع منع أي دعم عسكري للدعم السريع وسائر التشكيلات المسلحة.

وماذا عن القوات المتحالفة والمجموعات المسلحة؟

الحرب السودانية أكثر تعقيدًا من طرفين فقط. فهناك حركات مسلحة وقوات مشتركة ومجموعات قبلية وقوات شعبية ومقاتلون أجانب وشبكات تعبئة محلية.

ولهذا فإن أي قرار يجب ألا يستهدف أسماء المؤسسات العسكرية فقط، بل شبكات الحرب بأكملها. وإلا فقد يُحظر السلاح رسميًا على طرف، بينما يستمر وصوله إلى حلفائه عبر قنوات أخرى.

هل يستطيع مجلس الأمن فرض القرار بالقوة؟

من حيث المبدأ، نعم، يمكن للمجلس أن يجيز استخدام القوة في إطار الفصل السابع. لكن السؤال الحقيقي هو: هل توجد إرادة دولية لاستخدام القوة في السودان؟

حتى الآن، يبدو ذلك احتمالًا ضعيفًا. فالتدخل العسكري المباشر قد يحول المجتمع الدولي من جهة ضاغطة إلى طرف مباشر في الحرب، وقد يخلق مخاطر سياسية وعسكرية هائلة.

ولهذا فإن المسار الأكثر واقعية هو الإنفاذ التدريجي: قرار ملزم، آلية مراقبة، عقوبات على المخالفين، مراقبة للحدود والتمويل والشحن، ثم الانتقال إلى إجراءات أقوى إذا استمرت الخروقات الجسيمة.

ماذا ينبغي أن تفعل القوى المدنية؟

لا ينبغي للقوى المدنية السودانية أن تتعامل مع أي تحرك دولي بمنطق التأييد المطلق أو الرفض المطلق. المطلوب دعم كل إجراء جاد لحماية المدنيين ووقف تدفق السلاح والتمويل، مع التأكيد أن العقوبات يجب ألا تتحول إلى أداة لترجيح كفة عسكرية على أخرى.

والأهم أن يكون الضغط الدولي جزءًا من مسار سياسي متزامن؛ لأن العقوبات وحدها لا تصنع السلام.

في تقديري، ينبغي أن تقوم الاستراتيجية الدولية على خمسة مسارات مترابطة: وقف الدعم العسكري الخارجي، حماية المدنيين من القصف والأسلحة بعيدة المدى، تجفيف مصادر تمويل الحرب، معاقبة شبكات التهريب والتمويل، وفتح مسار سياسي سوداني شامل يرتبط بوقف إطلاق النار.

الخلاصة

مجلس الأمن يستطيع إصدار قرار ملزم، لكنه لا يستطيع وحده إغلاق كل حدود السودان، أو وقف كل عمليات التهريب، أو السيطرة على تجارة الذهب، أو منع كل شحنة سلاح تمر عبر دولة ثالثة.

وتجربة حظر السلاح القائم في دارفور منذ أكثر من عقدين تقدم درسًا مهمًا: وجود الحظر لا يضمن فاعليته إذا ظلت آليات التنفيذ ضعيفة. (United Nations⁠)

لذلك فإن السؤال الأهم ليس: هل نحظر السلاح؟ وإنما: كيف نجعل استمرار الحرب أكثر كلفة من السلام؟

إن وقف حرب السودان لن يتحقق بقرار واحد، ولا بحظر جوي منفرد. لكنه قد يبدأ عندما تتكامل الضغوط على السلاح والتمويل، مع حماية حقيقية للمدنيين، وآليات إنفاذ قابلة للتحقق، ووقف لإطلاق النار، ثم عملية سياسية سودانية شاملة.

وهنا تكمن القيمة الحقيقية لأي تحرك داخل مجلس الأمن: ليس في قدرته على إنهاء الحرب فورًا، وإنما في قدرته على تغيير قواعد اللعبة التي جعلت استمرارها ممكنًا.

أما إذا بقي القرار مجرد نص جديد يضاف إلى القرارات السابقة دون آلية تنفيذ فعالة، فسوف يصبح السودان أمام حظر آخر على الورق، بينما تواصل الحرب البحث عن طرق جديدة لتمويل نفسها وتسليحها.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: النص محمي