د. حامد البشير –
لقد قرأت قبل أيام بياناً للجنة المعلمين السودانيين حول دعوة وزارة التربية والتعليم إلى عقد مؤتمر عام لقضايا التعليم في السودان.
إن فكرة المؤتمر تبدو جيدة في مظهرها لكنها خاطئة في جوهرها. وقد أصاب بيان لجنة المعلمين السودانيين عبر طرحه للسؤال الجوهري:
هل يستطيع مؤتمر تنظمه سلطة تسيطر على جزء من البلاد، وفي ظل حرب مستعرة وانقسام مجتمعي ونزوح متواتر، أن يقرر مستقبل التعليم لكل أطفال السودان؟
الاعتراض هنا ليس على مبدأ الحوار حول التعليم، فالسودان أحوج ما يكون إلى مراجعة شاملة لنظامه التعليمي وانما يتعلق الاعتراض بتوقيت المؤتمر، والجهة المنظمة له، ومدى تمثيله لكل السودانيين، وشمولية القضايا التعليمية المطروحة والشرعية التي ستُمنح لمخرجاته.
مؤتمر مثل هذا حتماً لا يرى جميع الأطفال بمنظور واحد تعليمياً. إذ لم يعد السودان يعيش واقعاً تعليمياً واحداً. فهناك أطفال يدرسون في مناطق سيطرة الجيش، وآخرون في مناطق تسيطر عليها قوات الدعم السريع أو الحركة الشعبية، وملايين الأطفال في معسكرات النزوح ودول اللجوء، فضلاً عن أطفال انقطعت صلتهم بالتعليم تماماً، ومنهم ٢٨٠ ألفاً لم يجلسوا لامتحان الشهادة السودانية لثلاث سنوات.
وقد ورد في اجتماع مجلس الأمن بصيغة آريا في الأسبوع قبل الماضي في نيويورك أن ما لا يقل عن ثمانية ملايين طفل سوداني في سن الدراسة ما زالوا خارج المدارس.
والحرب مازالت تشتد في كردفان ودارفور والنيل الأزرق وأن مئات المدارس خارج الخدمة وكذلك حال آلاف المعلمين.
إذن كيف يمكن، في ظل هذا التشظي والانشطار، أن توصف مؤتمرات تُعقد في مناطق محددة وتحت إشراف جهة واحدة بأنها مؤتمرات قومية؟ ومن سيمثل أطفال دارفور وكردفان والمناطق المحاصرة؟ ومن سيتحدث باسم المعلمين النازحين واللاجئين والطلاب الذين فقدوا مدارسهم؟
إن غياب هؤلاء لا ينبغي أن يكون نقصاً إجرائياً يمكن تعويضه ببعض الدعوات الرمزية، بل خلل جوهري يُسقط عن المؤتمر صفته القومية من أساسها.
وقف الحرب هو القضية التعليمية الأولى. وقد أصابت لجنة المعلمين السودانيين حين وضعت وقف الحرب في مقدمة شروط إنقاذ التعليم. فلا يمكن إصلاح المناهج بينما تُقصف المدارس، ولا تدريب المعلمين بينما هم نازحون أو بلا أجور، ولا الحديث عن الجودة والعدالة فيما يواجه ملايين الأطفال الجوع والخوف والتشرد والفاقة والمرض.
الحرب ليست مجرد ظرف طارئ أو جانبي يحيط بالعملية التعليمية؛ إنها اليوم أكبر قوة لتدمير التعليم ولمستقبل الأطفال ولوحدة الوطن القومية. ولذلك فإن أي مؤتمر يتجاوز سؤال وقف الحرب وحماية المدارس وضمان وصول العون الإنساني، وينصرف إلى مناقشة إصلاحات بعيدة المدى، سيكون معنياً بترتيب أثاث البيت بينما النيران تلتهم ذات البيت.
وحتى وقف الحرب، على ضرورته، ليس كافياً وحده. فقد دخل السودان الحرب ونظامه التعليمي يعاني من تدهور المدارس، وضعف التمويل الذي قُدّر بنسبة ١٪ من الميزانية العامة للعام (٢٠٢٣)، وتردي أوضاع المعلمين، واتساع الفجوة بين المركز والأقاليم، وتحميل الأسر أعباء متزايدة، وغياب العدالة في الوصول إلى تعليم جيد.
ولذلك لا ينبغي أن تكون غاية ما بعد الحرب إعادة النظام القديم، بل المطلوب تأسيس تعليم جديد يقوم على العدالة والجودة والمواطنة واحترام التنوع، ويصبح أداة لبناء السلام بدلاً من إعادة إنتاج التهميش والصراع والحروب.
والسؤال الكبير: من يملك التفويض الآن لتحديد مستقبل التعليم السوداني؟ فالتعليم حق قومي طويل الأمد، وتتجاوز آثاره عمر الحكومات والتحالفات والسلطات المؤقتة. لا تملك أي سلطة أمر واقع، أياً كان موقعها، تفويضاً منفرداً.
المؤتمر العام للتعليم المزمع قيامه لا يمثل صفة قومية إذا غاب عنه أصحاب المصلحة الحقيقيون. فالشرعية تنشأ من المشاركة الحرة والمتوازنة للسودانيين.
إن إنقاذ التعليم يتطلب كذلك تحرير مؤسساته من التسييس والاستقطاب الأيديولوجي. فالمدرسة ليست منبراً لحزب أو جماعة، والمنهج ليس وسيلة لإعادة تشكيل المجتمع وفق رؤية سياسية أحادية.
وفي الختام: نعم للمؤتمر… لكن عندما تتوافر شروطه.
إن الموقف المسؤول هو: ليس رفض فكرة المؤتمر القومي من حيث المبدأ، بل المطالبة بمؤتمر حقيقي في الوقت والظرف المناسبين: مؤتمر يسبقه وقف للحرب وتهيئة بيئة آمنة، وتشترك فيه لجان المعلمين والنقابات والطلاب وأولياء الأمور والخبراء والجامعات والمجتمعات المحلية، مع تمثيل أصيل لدارفور وكردفان والنيل الأزرق، وللنازحين واللاجئين والأشخاص ذوي الإعاقة والتعليم غير النظامي في كل السودان كاملاً غير منقوص.
السودان الآن يحتاج إلى مؤتمر للتعليم لا يكتفي بمناقشة السلم التعليمي والمناهج، بل يجيب عن الأسئلة الكبرى: فلسفة التعليم في السودان بعد الحرب؟ كيف نحقق العدالة بين الريف والمدن؟ كيف نحمي لغات وثقافات المجتمعات السودانية؟ كيف نعيد للمعلم مكانته وحقوقه؟ وكيف نجعل المدرسة فضاءً للمواطنة والتعايش والتفكير، لا للحفظ والتلقين والانقسام؟
إن بيان لجنة المعلمين ليس دعوة إلى تعطيل إصلاح التعليم، بل تحذير من اختطافه. وهو يذكرنا بأن مستقبل أطفال السودان أكبر من وزارة، وأبقى من حكومة، وأخطر من أن تحدده سلطة مؤقتة في وطن منقسم.
الأولوية الآن واضحة: وقف الحرب، وحماية الأطفال والمعلمين، وإخراج السلاح من المدارس، وإتاحة التعليم في مناطق النزوح واللجوء، ثم إطلاق عملية وطنية شاملة لبناء نظام تعليمي جديد.
التعليم حق لجميع أطفال السودان، ولا يمكن أن تُبنى قوميته بإقصاء نصف الوطن.
من هو حامد البشير كاتب المقال ؟
الميلاد : في قرية الحاجز محلية القوز – الدبيبات ولاية جنوب كردفان.
تاريخ الميلاد : 1956
المراحل التعليمية:
-مدرسة ام حيطان الأولية ( الإبتدائية) في (غرب كادقلي). الدبيبات الأولية ( الإبتدائية) . الدلنج الريفية الوسطى .
– خورطقت الثانوية.
– جامعة الخرطوم –كلية الدراسات الاقتصادية والاجتماعية
– مرتبة الشرف في علم الاجتماع والانتروبولوجيا الاجتماعية (اغسطس 1980)
تم تعينه مساعد تدريس في مركز الدراسات والبحوث الانمائية , كلية الاقتصاد جامعه الخرطوم (اغسطس 1980) ثم مساعد تدريس في شعبة علم الاجتماع والانترولوجيا (1981)
– الدبلوم العالي في التنمية والتخطيط الاقليمي في مركز الدراسات والبحوث الانمائية ,جامعة الخرطوم (1982)
*الدبلوم العالي في الديموغرافيا وعلوم السكان
المركز الديمغرافي بالقاهرة 1983 (الامم المتحدة).
– ابتعث للولايات المتحدة الامريكية لنيل درجة الماجستير والدكتوراة في جامعة كونتكت –شمال شرق الولايات المتحدة الامريكية (1983- 1988).
في الفترة 1988-1995 .
عمل محاضرا بجامعة الخرطوم, كلية الدراسات الاقتصادية والاجتماعية وعمل محاضرا غير متفرغ بجامعة القاهرة (النيلين لاحقا) وجامعة الاحفاد للبنات.
وفي العام 1994 نال دبلوم حقوق الانسان (دراسة بعد الدكتوراة) في معهد الدراسات الاجتماعيه بلاهاي في هولندا.
العمل الاستشاري خلال الفترة 1988-1995.
– عمل مستشارا غير متفرغ لعدة برامج ومشروعات تنموية ومنظمات طوعية في السودان: برنامج الامم المتحدة الانمائي (UNDP), (UNICEF) منظمة (care) منظمة رعاية الطفولة البريطانية و رعاية الطفولة الامريكية , منظمة (CONCERN), منظمة (GOAL)-ايرلندا و منظمة الامم المتحدة للاجئين .
وشملت الدراسات والاستشارات قضايا البيئة , الأمن الغذائي و,نزاعات الارض , تطوير القطاع الرعوي بمافي ذلك تطوير التعليم والخدمات الاساسية المتنقلة , درء اثار الجفاف، اللاجئين في شرق السودان و جنوب السودان و دارفور و كردفان.
– شارك لصفة خبير استشاري باعداد العديد من الدراسات والخطط التنموية وتقييم مشروعات شملت دارفور , كردفان, القضارف, كسلا .
– تنمية المناطق المختارة في شمال كردفان
– مشاريع التنمية الزراعية في جنوب كردفان
– مشاريع الزراعة الالية ونزاعات الارض
– مشروع تنمية السافنا
– مشروع تنمية جنوب كسلا
-شارك في اعداد دراسات ومسح الموارد الطبيعية لعدد من الاقاليم السودانية دعما للتخطيط والتنمية الاقليمية وتقوية فعالية مؤسسات الحكم الاقليمي في التنمية الاجتماعية
– شارك في اعداد دراسات حول قضايا مياة الشرب وتطوير الخدمات الصحية الاولية وتطوير المجموعات البدوية
العمل بالامم المتحدة منذ العام 1995-
منذ العام 1995 عمل بعشر دول السودان, بنغلاديش , ارمينيا , جورجيا, ازربيجان, رومانيا, الهند, اريتريا, زامبيا, سيراليون, الاردن (10/ ٢٠١٩)
خلال الفترة 1995 – 2002
عمل في السودان ,بنغلاديش, ودول القوقاز الثلاث خبيرا ومسؤولا عن التعليم وحماية الاطفال و شمل العمل دعم التخطيط والسياسات التي تزيد من كفاءة القطاع التعليمي والرعاية الاجتماعية للاطفال والنساء وشمل ذلك ايضا بناء قواعد البيانات والتخطيط القطاعي وتحديث النظم الادارية والتنفيذية في هذة القطاعات بالاضافة الي تشجيع التجديد والابتكار في الاساليب والاستراتيجيات.
, وكان مشروع تعليم الرحل في السودان واحد ا من ثمرات ذلك الجهد حيث تم التأسيس كاملا لدمج اطفال البدو الرحل في النظام التعليمي الحديث منذ العام 1995 وفي خلال اقل من عشرة اعوام بلغت المدارس اكثر من الف مدرسة في معظم اقاليم السودان وبذات القدر احدثت الإصلاحات اثارا بعيدة المدي في قطاعات التعليم والرعاية الاجتماعية في دول القوقاز خلال الفترة 2001-2002.
في الفترة 2002-2006
عمل نائبا للممثل المقيم لليونيسيف في جمهورية رومانيا حيث كان العمل ينحصر بصورة اساسية في اعادة بناء القطاع الاجتماعي بصورة تستوفي شروط ومتطلبات الانضمام للاتحاد الأوروبي وقد تطلب ذلك تمثيل المنظمة دبلوماسيا في كثيرمن الفعاليات في حدود دول الاتحاد الاوروبي وفي رومانيا حيث كان يقود المنظمة فنيا في الحوارات الفنية في المشروعات الداعمة لهيكلة النظم وتطوير السياسات المناسبة حتي تم قبول رومانيا في الاتحاد الاوروبي بعد اكتمال المدة واستيفاء الشروط.
في الفترة 2006- 2009
عمل مديرا وممثلا لليونيسيف في ولاية ماديابراديش في شمال الهند والتي يبلغ تعداد سكانها(71 مليون نسمة) وقد ساهم بالاضافة للعمل التنفيذي والتمثيلي في بناء وزيادة فعالية وقدرات القطاع الاجتماعي في هذا الاقليم الاقل حظا بمعايير التنمية البشرية خاصة التعليم, الصحة, الرعاية الاجتماعية, مياة الشرب والصرف الصحي بهدف تخفيض وفيات الاطفال والامهات وتحقيق معدلات اعلي للتنمية البشرية وقد نال المكتب جائزة الانجازخاصة في خفض معدلات وفيات الاطفال والتصدي لكبري التحديات الوجودية للاطفال والنساء.
خلال الفترة 2009-2013 عمل ممثلا مقيما(بدرجة سفير) لمنظمة الامم المتحدة للاطفال لدولة اريتريا.
نتيجة للتعاون والقبول الواسع من الادارة الاريترية تم تحقيق انجازات معتبرة في اطار التنمية البشرية خاصة التعليم, الصحة, الرعاية الاجتماعية.
تم نقل تجربة تعليم الرحل الي اريتريا حيث تم في عام واحد فتح 67 مدرسة وسط البدو والرحل وحققت البلاد نجاحات معتبرة في القطاع الاجتماعي متمثلة في بعض اهداف الالفية كما وتم خلق شراكات مع المانحيين الدوليين رغم الحصار وشبة الحصار المضروب علي ذلك البلد لسنوات طويلة.
في الفترة 2013-2017
عمل ممثلا قطريا مقيما (بدرجة سفير) في جمهورية زامبيا، و. شهدت تلك الفترة تمتينا للعلاقات الثنائية بين منظمة اليونيسف ودولة زامبيا ودعمها في ذلك نمو العلاقات الدبلوماسية المتميزة مع المانحين والشركاء خاصة الاتحاد الاوروبي , المعونة الامريكية ودعم مكاتب اليونيسف الوطنية في اوروبا ..
يُشار إلى أن دكتور حامد البشير كان واليا لولاية جنوب كردفان في فترة الحكم المدني الانتقالي التي اطاح بها انقلاب 25 اكتوبر 2021 في السودان.
( الآراء الواردة في المقالات تُعبّر عن آراء الكتاب ولا تُعبّر بالضرورة عن وجهة نظر “إطلالة” )

