مقالاتالسودان

اختزال مشكلة وطن في العقل الرعوي

العالم أحمد دقاش

مترجم وباحث في الآثار وتاريخ الحضارات

د. النور حمد بتأهيله الاكاديمي العالي، ماجستير ودكتوراه في التربية الفنية من الجامعات الامريكية، إضافة الى لونيته السياسية في كونه من تلاميذ وتربية الشهيد محمود محمد طه له الرحمة، له مؤلفات وكاتب مقالات رصينة في الصحف والدوريات ومراكز الأبحاث، بل أكثر من ذلك له مواقفه الوطنية الراكزة في مختلف محطات العمل السياسي.

 كل ذلك أكسبه احتراماً وتقديرا ًكبيرا ًلدى الكثيرين رغم الاختلاف في التوجهات السياسية. عجبت للبروف النور حمد الذي نحبه ونقدره جدا لروحه الوطنية الغير منحازة اجتماعياً أن يحلل المشكلة السودانية بتبسيط مخل وتسطيح شديد، باختزالها في العقل الرعوي الذي هو أصلاً هارب ويكره أن يجاور السلطة والمدينة أو يمارس ويستفيد حتى من منجزات الحداثة من خدمات ناهيك عن ممارسة الحكم واتخاذ القرار.

وكلامه د. حمد يذكرني بأحد الشيوخ من علماء السلطان وهو يتحدث وكأنه أكتشف ووصل إلى كوكب الزهرة حيث قال بشأن الحرب الدائرة وهو يسجل أقوالاً للتكسب والتقرب بأن المواطن هو سبب الحرب!! يا عجبي.. غاضاً الطرف عن ترتيبات التعبئة التي سبقتها في الافطارات الرمضانية التنظيمية والتهديدات التي أطلقت في الهواء ووثقتها الفديوهات واللايفات !! يا ناس اطعنوا الفيل مباشرة.

هؤلاء الأشخاص والذين نعتبرهم علماء وصفوة أمثال د. النور حمد يفترض إتباعهم علمية المنهج  والإحاطة والكياسة في تناول المشكلة السودانية. لكن للأسف البعض باختياره يكشف الستار عن نفسه فيعبرعن فهمه متغافلاً للتاريخ  وأنثروبولوجيا وطنه المتنوع. مما يجعلنا نتساءل أي متعلمين ومستنيرين نحن السودانيين ؟

 الوطن في مراحله السابقة لم يبخل علي مواطنه بشيء حسب الإمكانيات والفهم المتاح. فالبعض نال حظاً من التعليم وصعد سلالمه حتى الوصول الى الجامعات الأجنبية في اوروبا وأمريكا وغيرها. لكن للأسف كان مردود ذلك لصالح الوطن دون المستوى. وفي الغالب كان عطاء هذه الفئه من المتعلمين للآخر الأجنبي أكبر مما قدم للوطن . لذلك يتفاخر البعض أننا بنينا تلك الدولة أو غيرها، ومعروف أن ذلك لم يكن مجاناً بل كان تبادل منفعة ومصلحة، فيه اعطينا وأخذنا. ولماذا لم تبن وطنك يا هداك الله؟

يلاحظ  أن أغلب الذين نالوا الشهادات والمؤهلات العليا من مؤسسات تعليمية حول العالم باستثناء ممارسي العمل الطبي أو التدريس في الجامعات والمعاهد العليا، فإن الغالبية يرجع الوطن ولم يضف له جديداً مما تعلمه عند الآخرين مع استثناءات بسيطة.

 فهو قد شاهد التقدم والتطور والنماء وعرف فنون الإدارة الناجحة في تلك  البلاد. لكنه مع ذلك يعود لوطنه ليعمل أفندياً في مكتب وثير  ليدير مؤسسة أو وزارة بالحد الأدنى من الابداعات، ليكون  قوام عمله الاستمتاع  بالتوقيع على أوراق التصديقات وأوامر الصرف وإجازات الموظفين وترأس اجتماعات غير منتجه حتى وإن كان مؤهله العالي في مجال فني دقيق.

 وعند الحديث عن مشاكل الوطن و تحديات التنمية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، فإنه لا يغوص إلى جذور المشكلة بحثاً عن الحل بل يبرأ نفسه ليكون شاهد ملك وفي حالة بروف النور حمد فإن كبش الفداء هو العقل الرعوي. وعند دكتور الدرديرى أحد منظري الإنقاذ أنهم عرب الشتات. بأن هذه الفئة هي التي  دمرت مدنيات في شمال أفريقيا ومناطق أُخرى، ونسي أنهم هم الذين بنوا دولة الاندلس التي يتغنون بمجدها ويفخرون بتطورها في أنظمة الحكم والعلوم والثقافة والتي بناها ذات البدو الذين نعتوا بلقب البرابرة السراسنة                 (saracen    المستلف من كتابات المستشرقين أمثال شاخت بوزورت الألماني في كتابه  (The legacy of Islam ).

خرج بروف النور حمد في  كتابه ” العقل الرعوي” لينسب سوءات الحكم والفشل في السودان  إلى تمكن صفة الحيازة والانانية في العقل الرعوي من قيادات الحكم في البلاد بتملك ذلك المسؤول حيازة أرض بمساحة دولة في الخليج ،على قاعدة وردت في الشعر الجاهلي  ” نشرب الماء صفوا إذا وردنا ويشرب غيرنا كدراً و طينا”.

 هل يدري دكتور حمد أن الحيازة واحتكار التملك ليست من صفات العقل الرعوي أو البدوي. فالبدوي الرعوي يختلف سلوكه تماماً عما ذكرت، فهو منتشر في فضائه الجغرافي والمكاني وليست له ديمومة العلاقة مع الأرض ويتنقل خلف سوامه من البهم، فتجده في مروره بدياره القديمة يقول “هاي فلان ديك ما لدايا  نار فلانة في سنتنا الفلانية” فهو قد يحن لكن لا يحب التملك. وهذه من مشاكله في تفسير الآخر لعلاقته مع الأرض التي يغشاها عابراً ولا يحوزها ولابد من معالجة هذا الفهم بمنظور أنثروبولوجي اجتماعي وتاريخي وقانوني لإنصافه.

اذاً أين علاقة التحيز وأنانية التملك التي يستشهد بها بروف النور حمد، ويسقطها على العقل البدوي اختزالًا لمشكلة وطن هي أوسع وأعقد من ذلك، وفيها الجانب السياسي والاجتماعي وعقلية الهيمنة والتعالي الثقافي لفئة دون أخرى.

آسف ربما كنت قاسياً في نقد كتاب بروف النور حمد الذي أحترمه و اقدر مواقفه الوطنية وكتاباته تماماً كما الكاتب الباقر العفيف له الرحمة المتصالح مع نفسه والمعتز بسودانيته بعيدا ًعن المفاخرة الزائفة بالأسلاف. كما التحية لبروف على إبراهيم على غزارة معلوماته وفهمه العميق لمكونات الشخصية البدوية ونقده اللطيف لمسألة العقل الرعوي التي حُمل أكثر مما لا يحتمل ولماذا قررت أن لا تكون رعوياً.

حقيقة أن المشكلة ليست في نظرية العقل الرعوي وحدها بل أيضاً هناك آخرون وإن لم يفصحوا كتابة ، ذهبوا أيضاً في هذا الاتجاه في ارجاع المشكلة السودانية إلى فئة دون أُخري. ولست منحازاً للعقل الرعوي أو مدافعاً عن العقول الأخرى المتهمة من شاكلة تحميل مسؤولية الوطن لعقلية العسكر. ومرة لعقلية الافندي/ واحياناً لعقلية الجلابي/ أو العقلية الداعشية التي تريد أن تفرض الوصاية على البلاد. وفي بعض الأحيان يتم ارجاع الأمر للاستعمار والاختراق والتدخل الأجنبي والطمع في موارد البلاد. صحيح قد يكون لكل فئة مساهمة سالبة، لكن الأمر ليس على أطلاقه هكذا.

 ضحكت مرة وانا استمع لشخص وهو يتحدث بجدية عن الاطماع الأجنبية في موارد السودان مع تأكيده بقوة أن بعض الدول الأجنبية تسيل لعابها  لرمال صحراء السودان التي يصلح استخدامها في الصناعات الالكترونية. فتساءلت في نفسي ولماذا لا يحتلون صحراء الربع الخالي في الجزيرة العربية الأغنى رمالا ًمن السودان. وقس على ذلك الكثير من الأوهام التي غزت عقول الناس والمبالغة في موارد البلاد التي نتفق على تعددها.

نعم قد يكون لجميع العقول المشار اليها أعلاه (عسكر/أفندية /جلابة/ دواعش/ الاستعمار وأخيراً العقل الرعوي ) مجتمعة دور في فساد حال البلاد مع اختلاف نسبة التحمل.  لكن لا يمكن أن تُحمل فئة منفردة مسؤولية ما حدث. فحضارة روما العريقة بتاريخها الممتد وعظيم إنجازاتها الإنسانية، سقطت على أيدي البرابرة من القبائل الجرمانية البدوية( القوط الغربيين والشرقيين) التي أحرقت العاصمة روما تماماً وبالكامل، السؤال لماذا حدث ذلك.؟ فالكون محكوم بناموس كوني يقدره الخالق. وعلى الأرض ينبغي علينا قراءة أفعالنا وقانون قيام وسقوط الحضارات.

 نعم أن الحضارات والمدنيات، تنمو وتزدهر بتصدي فئة الاقلية المبدعة للتحديات، فتؤسس ثقافة الحلول والبناء وحسن الادارة ، التي تصنع الإنجازات المادية قوام الحضارات. لكن لابد من حراستها بالشوكة العادلة المتمثلة في القوة التي تحمي المكتسبات.

 لكن متي فسد الاباطرة والحكام ومضوا في ظلم وإذلال الرعية مع َضعف شوكة القوة العادلة. ستجد أن أطراف الإمبراطورية قد تآكلت، وزحفت إلى المركز قبائل  المنسيين الحاقدين اجتماعياً علي المركز، ليدمرون ويحرقون كل شيء.

 وهكذا فعلت القبائل الجرمانية المسماة بأفعالها بريرية، لتقضي على روما الحضارية بثقافتها وعلمائها ومنجزاتها المدنية التي لم تنفعها في غياب العدالة. هكذا يقول تاريخ الحضارات في قاعدة صعودها وسقوطها (Rise and fall of Civilization)  لولا أنني لا أود أن أثقل على القارئ بإطالة المقال لأوردت أمثلة من أثينا وبيزنطة وبغداد وسقوط الاندلس.

 كل ذلك يعني أننا اليوم في السودان أمام حتمية تاريخية وعلينا أن نتفهم ذلك. فقد عاشت شعوب أخرى من قبل نفس المراحل في التطور، لكننا لم نفهم ذلك وظل الاعلام الموجه يضللنا، أن ما حدث في المركز الخرطوم لم يحدث في التاريخ وإنه ليس من إخلاق السودانيين ودون تعامل موضوعي مع ما حدث بحثاً عن المخرج.

في رأيي أننا يجب أن نقرأ تاريخ الشعوب التي استجابت لمثل هذه التحديات بإيجابية متسامية عن المرارات في التوافق على ميثاق اجتماعي سياسي تشاركي لكل العقليات المتهمة بدمار الوطن واضافة آخرين منسيون لتأسيس وطن جديد تتساوى فيه مكوناته الاجتماعية في المواطنة العادلة للجميع في الحقوق والواجبات والتنمية المتوازنة المحمية بالدستور والقانون العادل وبخلاف ذلك سيستمر تطاول الصراعات الدامية وكلُ سيستدعي المظالم والمرارات التي تغزي كل مراحل الصراع.    

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: النص محمي