د. الطيب حاج مكي
باحث في دراسات التنمية والقيادة*:
للفقر وجوه كثيرة، منها الوجه الذي وصفه زهير بن أبي سلمى (وَما الحَربُ إِلّا ما عَلِمتُم وَذُقتُمُ. وَما هُوَ عَنها بِالحَديثِ المُرَجَّمِ.) ولكنه في حرب السودان لم يعد وجهًا للذل فحسب، بل أصبح وطنًا كاملًا. صار الناس يستيقظون على أسعار جديدة، وينامون على أحلام أقل. وصارت الحرب، التي يرجح أنها معركة من أجل السلطة، ولكنها صارت معركة ضد رغيف، وضد الوقود، وضد مقعد الدراسة، وضد سرير المستشفى، وضد المستقبل نفسه.
والمأساة ليست في الفقراء الذين يزدادون عددًا، بل أن الفقر نفسه أصبح نظامًا للحياة، يعيد إنتاج نفسه كل صباح، بينما تتراجع الدولة خطوة، وتتقدم الأزمات عشر خطوات.
فقد اشار تقرير نشره راديو دبنقا إلى أن 82.8% من السودانيين يعيشون تحت وطأة الفقر، وهذا الرقم ينبغي لا يُقرأ باعتباره إحصائية جامدة، بل باعتباره شهادة ودليل مرعب على انهيار العقد الاجتماعي بين الدولة ومواطنيها.
وحين يضيف التقرير أن 58% من السكان يعانون من الحرمان متعدد الأبعاد، فإن الأمر لم يعد عن نقص في المال فقط، بل عن غياب التعليم والرعاية الصحية والسكن والعيش الكريم وفرص الحياة نفسها.
لا شك أن كثيرين يحاولون تفسير هذا المشهد بالسياسات الاقتصادية في زمن الحرب، وهذا صحيح جزئيًا. لكن الحقيقة الأكبر أن الحرب هي الاقتصاد الوحيد الذي يحقق نموًا في السودان. إنها المصنع الذي لا يتوقف عن إنتاج الفقر، والبطالة، والنزوح، واليأس.
فكل طلقة تُطلق من مُسيّرة او مدفع، تُغلق مدرسة. وكل مدينة تُدمَّر، تُفلس سوقًا. وكل أسرة تُهجَّر، تضاف إلى قوائم الفقراء. في هذا الإطار يقول الدكتور وائل عبد الحميد لراديو دبنقا إن السياسات الجبائية، وضعف الاستثمار، والتضخم، واستمرار تقليص الإنفاق على الخدمات الأساسية، كلها عوامل صنعت هذا الواقع. وهو تشخيص دقيق، لكنه يقود إلى سؤال أكثر إلحاحًا: كيف يمكن لاقتصاد أن يتعافى بينما تلتهم الحرب موارده قبل أن تصل إلى المزارع والمصنع والمدرسة؟ إن أخطر ما يفعله الفقر أنه لا يسرق المال فقط، بل يسرق الخيارات.
فالطفل الذي يترك المدرسة لا يختار الجهل، والشاب الذي ينزل إلى مناجم التعدين العشوائي لا يعشق المخاطرة، ومن يحمل السلاح لا يولد مقاتلًا. إنها خيارات يفرضها اليأس حين تضيق الحياة بكل أبوابها.
ولذلك ليست مصادفة أن كشفت ورقة علمية نُشرت في سبتمبر 2019 أن 17% فقط من الطلاب في بعض الولايات، ومنها شمال وجنوب كردفان، يصلون إلى الجامعات أو المعاهد الفنية العليا. أما بقية 83%، فإن السؤال عن مصيرهم ليس سؤالًا تعليميًا، بل سؤال عن مستقبل السودان كله. فمن لا يجد جامعة، قد يجد بندقية. ومن لا يجد وظيفة، قد يجد منجمًا عشوائيًا أو طريقًا للهجرة أو ساحة حرب. والمفارقة التي يصعب على العقل استيعابها أن السودان ليس بلدًا فقيرًا، بل بلد “أُفقر”. فهو يمتلك ملايين الأفدنة الصالحة للزراعة، وثروة حيوانية هي الأكبر في أفريقيا، وموارد معدنية هائلة، وموقعًا استراتيجيًا استثنائيًا. لكن الدول لا تبنى بالموارد وحدها، وإنما بكيفية إدارتها.
وللتدليل اشير إلى تقارير منشورة تفيد أن 90% من إنتاج الذهب السوداني يهرب إلى خارج البلاد، بينما يقف المواطن في طوابير الخبز والدواء والوقود وتتوقف المستشفيات عن استقبال المصابين والمرضى بسبب نقص الكهرباء.
أي مفارقة أشد قسوة من أن يخرج الذهب من الأرض، ويبقى أهل الأرض تحت خط الفقر؟ إن الاقتصاد لا ينهار لأن موارده قليلة، وإنما لأن مؤسساته ضعيفة، وحوكمته مختلة، وأولوياته مقلوبة.
فلا يمكن لدولة تنفق على الحرب أكثر مما تنفق على الإنسان أن تنتظر سلامًا اجتماعيًا أو نموًا اقتصاديًا. ولا يمكن لبلد يطرد المستثمر المحلي، ويثقل المنتج بالرسوم، ويترك موارده تنزف عبر التهريب، أن يطالب شعبه بالصبر إلى ما لا نهاية.
إن السودان اليوم لا يحتاج إلى مسكنات اقتصادية، بل إلى قرار تاريخي يعيد تعريف أولويات الدولة. فإيقاف الحرب ليس مطلبًا إنسانيًا فحسب، بل هو أكبر مشروع اقتصادي يمكن أن تبدأ به البلاد. فكل يوم يتأخر فيه السلام، تتسع فيه دائرة الفقر، ويصبح إصلاحها أكثر كلفة وتعقيدًا.
في السياسة قد تنتصر الأطراف بالسلاح، لكن الأوطان لا تنتصر إلا بالمواطن. وحين يصبح أكثر من أربعة أخماس الشعب فقراء، فإن الخسارة لا تكون خسارة حكومة أو معارضة، بل خسارة وطن بأكمله.
فالدول لا تسقط يوم تتوقف خزائنها عن الامتلاء، وإنما يوم يفقد مواطنوها الإيمان بأن الغد يمكن أن يكون أفضل من الأمس. والسودان، بكل ما يملكه من تاريخ وموارد وإنسان، لا يستحق أن يبقى أسير معادلة قاسية مفادها “الحرب تُنتج الفقر، والفقر يُطيل عمر الحرب”. على أن كسر هذه الدائرة ليس مهمة الاقتصاديين وحدهم، بل مسؤولية سياسية ووطنية وأخلاقية، لأن مستقبل الأمم لا يُبنى فوق ركام المدن، ولا فوق بطون الجائعين.
*(الكاتب يحمل دكتوراة في التنمية ودكتوراة في القيادة)

