د. الطيب حاج مكي
رحل عنا اليوم إلى رحاب ربه العمدة فاروق أحمد إبراهيم زعيتير، نسأل الله أن يجعل قبره روضة من رياض الجنة ويسكنه فسيح جناته.
بعض الرجال لا تُختصر سيرتهم في المناصب التي شغلوها، ولا في السنوات التي جلسوا فيها على مقاعد المسؤولية، لأن حضورهم الحقيقي يتجاوز المنصب إلى ما يتركونه في نفوس الناس من أثر، وفي ذاكرة المجتمعات من سيرة.
ومن هؤلاء العمدة فاروق أحمد إبراهيم زعيتير، الذي رحل عن دنيانا ،اليوم، الاثنين 24 أغسطس 2026م، بمدينة الأبيض، بعد حياة امتدت منذ أوائل خمسينيات القرن الماضي، وكانت حافلة بالعطاء والمواقف والصلات الاجتماعية.
تولى العمدة فاروق الإدارة الأهلية عمدة لعشيرة النواهيه عام 1982م، خلفاً لعمه العمدة هاشم ود زعيتير، فكان امتداداً لتقاليد أهلية عريقة، لا مجرد وارث لموقع اجتماعي. وكان في مسيرته شيء من سيرة الرجال الذين سبقوه، أولئك الذين كانت العمودية عندهم مسؤولية قبل أن تكون مكانة، وخدمة للأهل قبل أن تكون وجاهة.
وعلاقتي بالعمدة فاروق ليست علاقة عابرة بشخصية عامة أو بأحد رجالات الإدارة الأهلية؛ فقد كانت علاقة قديمة لها صلة وثيقة بأسرتنا وبأعمامي وإخواني، فقد كان على صلة وثيقة بشقيقي خضر رحمه الله. ثم أتيح لي أن أتعرف عليه عن قرب في وقت مبكر من حياتي، حين كنت في السنة الأولى من المرحلة الجامعية. كان ذلك في معسكر طلابي أقمناه في طيبة، للمشاركة في ضرب البلوك لبناء المجلس الريفي وبيت الضابط الإداري. واستمر المعسكر ثمانية وعشرين يوماً، وهي مدة كافية لأن تختبر فيها معادن الناس، وأن ترى الإنسان بعيداً عن الألقاب والمجاملات الرسمية.
وخلال تلك الأسابيع، لم ينقطع العمدة فاروق عنا قط. كان يحضر، ويؤانس، ويتابع، ويشاركنا الحياة اليومية للمعسكر بروح قريبة من الشباب. كان لطيف المعشر، كريماً، بشوشاً ومؤانساً، وترك لدى الطلاب انطباعاً جميلاً بقي في الذاكرة.
ولعل أجمل ما في تلك الذكريات أن الرجل، رغم مكانته الاجتماعية وموقعه كعمدة، لم يجعل بينه وبين الطلاب حاجزاً من الرسميات. كان قريباً منهم، يتعامل معهم ببساطة وتلقائية، وكأن ما يجمعه بهم أكبر من موقعه وموقعهم. واليوم، وأنا أستعيد تلك الأيام، يبدو الحزن أكثر حضوراً؛ فالرجل الذي كان يأتي إلينا في المعسكر، ويملأ المكان بأنسه وحديثه، أصبح الآن ذكرى نستعيدها بالكلمات، ونسأل الله أن يكون قد وجد عنده خيراً مما ترك خلفه.
لقد أتيحت لي فرصة أخرى لمرافقته في جولة انتخابية جابت منطقة غرب بارا من أقصاها إلى أقصاها. وكانت تلك الرحلة مدرسة أخرى في معرفة الرجل، وفي الاقتراب من الناس والمجتمع، ورؤية علاقاته بأهله ومعارفه ووجوه المنطقة. كانت الجولة تجمع أسماء كثيرة لها صيتها ومكانتها، وأذكرهم جميعاً، وأترحم على من غادر منهم دنيانا.
فقد كانوا جزءاً من زمن له مذاقه الخاص ورجاله الذين حملوا أعباء مجتمعهم بما لهم وما عليهم. وفي تلك الجولة رأيت جانباً آخر من شخصية فاروق: معرفته بالناس، وحفظه للأسماء والوجوه، وصلته بالأرض وأهلها. كان يعرف الناس ويعرفونه، وبينهما تلك المسافة القصيرة التي لا تصنعها المناصب وإنما تصنعها العشرة والثقة والتاريخ المشترك.
واليوم، حين أستعيد أسماء أولئك الذين رافقونا في تلك الرحلة، اذكرهم بإجلال علي ظلط وحمد السيد الجنيه والنور البني والجيلي ود الطيب من ام ضبان وعبد الرحمن حاج بشير وحاج إبراهيم ود الجنيه والعمدة دقاش والد ناظر العموم الحالي وأشعر أن السنوات تمضي بنا على عجل، وأن الذاكرة أصبحت تحمل اسماء قائمة طويلة من الراحلين. وها هو فاروق ينضم إلى من سبقوه، تاركاً وراءه أهلاً وأصدقاء وذكريات لا يعوضها غياب.
ومن الذكريات التي لا أنساها أنني عرفته أيضاً من خلال فترة رئاسته محكمة طيبة، وقد حدثت آنذاك مخاشنة بينه وبين عمنا عطية الله، رحمه الله.
ولم نكن وقتها مؤهلين للدخول في تفاصيل الموضوع أو مناقشته، فتركنا الأمر لأهله، ثم جاءت المصالحة وطويت صفحة الخلاف. وبعد المصالحة، وجدت المناسبة سانحة لأروي له قصة قديمة كانت متداولة في الأسرة، جمعت بين جدي مركز ود أحمد وجده العمدة إسماعيل زعيتير. وتقول القصة إن الشيخ إسماعيل ود زعيتير كان قد قصد الغياب من شقة أرض في الأصفر، لانه كان يعلم أن الخور وأرضه ملكاً لجدي مركز ود احمد ، إلا أن العمدة إسماعيل آثر الغياب لأن المفتش لديه رأي مسبق .
وكانت بين الرجلين مودة ومهابة واستقلال في الرأي. وفي سياق تلك الحكاية، نادى المفتش الإنجليزي جدي مركز، فلم يهرول إليه كما كان يفعل كثيرون. ولما وصل إليه، قال له المفتش مستنكراً: كل الناس نناديهم يأتون جرياً، وأنت تأتيني “بتقدّل” او كما قال. فرد عليه جدي، بتلقائيّته المعهودة :”لأن كرعيني ما بعرفن الجري!” والقصة أطول من ذلك، وفيها من روح ذلك الزمن وشخصياته ما يستحق أن يُروى في موضع آخر. لكن شاهدنا هنا هو تعليق العمدة فاروق عندما سمعها. فقد قال لي عبارة ما زالت عالقة في ذاكرتي: ديل أهلي وأنا بعرفهم… والتاريخ بتكرر في الرجال. يقولها وهو يشرق بابتسامته الجاذبة. وكانت عبارة عفوية، لكنها بقيت في الذاكرة، ولعلها اليوم، بعد رحيله، تبدو أكثر دلالة مما كانت عليه يوم قالها.
أعتقد أن عبارة العمدة فاروق التاريخ بتكرر في الرجال تنطبق عليه بقدر كبير. فقد تكرر فيه شيء من سيرة أجداده: الاستقلال في الرأي، الشجاعة والاعتزاز بالكرامة، والقدرة على اتخاذ الموقف، والارتباط الوثيق بالأهل، مع تلك العاطفة القوية تجاه الجماعة التي ينتمي إليها.
لم يكن زعيماً صاحب ورجغة وكثير القول، ولا ممن يحتاجون إلى رفع الصوت لإثبات حضورهم. كان زعيماً بلا قولة “لو” صاحب موقف ورأي، يعرف ما يريد، ويقول ما يعتقد، ويتحمل تبعات ما يقول. وهذه صفة مهمة في القيادة الأهلية، لأن العمدة في المجتمع التقليدي لم يكن مجرد صاحب لقب أو واسطة اجتماعية، بل كان عنواناً للتماسك، وموضعاً للرجوع في الخصومات، وحاملاً لذاكرة الجماعة، ومعيناً على حفظ التوازن بين الناس. وقد كان العمدة فاروق شديد العاطفة تجاه أهله، وربما كانت هذه العاطفة جزءاً أصيلاً من تكوينه. كان يرى أهله امتداداً للذات وللتاريخ والذاكرة، ولذلك كان يشعر بقضاياهم، ويفرح لفرحهم، ويحزن لحزنهم. ولد المرحوم فاروق في أوائل خمسينيات القرن الماضي، في زمن كانت فيه المجتمعات أكثر قرباً من بعضها، وكانت الكلمة تُسمع لصاحبها لا لقوة منصبه، وكانت الإدارة الأهلية جزءاً من نسيج المجتمع وتاريخه. ثم جاء زمن تغيرت فيه أشياء كثيرة. تغيرت السياسة، وتغيرت المدن، وتبدلت وسائل التواصل، وتراجعت بعض أدوار الإدارة الأهلية، وغاب كثير من الرجال الذين كانوا يمثلون ذاكرة تلك المجتمعات. واليوم برحيل العمدة فاروق، وكأن صفحة أخرى من ذلك الزمن تُطوى. والأنكى أن رحيل العمدة فاروق لا يأتي في زمن عادي، وهذه الحقيقة تجعل الفقد أثقل وأعمق.
يرحل والسودان نفسه يمر بواحدة من أقسى لحظاته، ويفقد، مع اشتداد الحرب وتصدع الدولة والمجتمع، شيئاً من ركائزه وأوتاده. فالبلاد التي تتعرض لزلازل السياسة والحرب والانقسام تحتاج، أكثر من أي وقت مضى، إلى رجال يشكلون في مجتمعاتهم نقاط اتزان، يحملون الذاكرة، ويحفظون الصلات، ويصلون ما انقطع بين الناس.
وإذا كانت الزلازل تكشف قوة الأبنية، فإن الأزمات الكبرى تكشف كذلك معدن الرجال. والسودان اليوم يتعرض لزعازع تشبه الزلازل؛ هزّت الدولة، وأثقلت المجتمع، وأوهنَت الروابط التي ظلت تجمع الناس جيلاً بعد جيل. وفي مثل هذا الظرف، لا يكون فقد رجل من طراز العمدة فاروق مجرد فقد شخصي لأسرته وقبيلته وأصدقائه، وإنما هو، في معنى أوسع، نقص في أحد الأوتاد التي تحفظ توازن المجتمع الأهلي وتختزن جانباً من ذاكرته. ويزداد وقع الفقد حين نستحضر أن هذا الرحيل يأتي بعد شهور قليلة من غياب زميله ورفيق دربه في الإدارة الأهلية، المرحوم العمدة السني حاج الطيب. رحم الله ابن الخال والخالة العمدة السني حاج الطيب، ورحم الله اخي العمدة فاروق أحمد إبراهيم زعيتير. فغياب رجلين من رجالات الإدارة الأهلية في فترة قصيرة، وفي هذا الظرف الوطني العاصف، يجعل الحزن مضاعفاً. وكأن السودان يفقد، تباعاً، رجالاً كانوا ينتمون إلى جيل يعرف معنى المسؤولية الاجتماعية، ويعرف كيف يحمل هم أهله، وكيف يكون للزعامة معنى يتجاوز الاسم واللقب.
وليس المقصود أن نجعل من الراحلين أشخاصاً فوق النقد أو التاريخ، فكل إنسان ابن زمانه وتجربته، وإنما المقصود أن ندرك قيمة الذاكرة الاجتماعية التي يحملها هؤلاء الرجال، وأن ندرك أن موتهم لا يأخذ منا شخصاً فحسب، وإنما يأخذ معه شيئاً من الحكايات، ومن العلاقات، ومن مفردات مجتمع آخذة في التغير السريع. إنهم، بمعنى ما، أرشيف حي لمجتمعاتهم؛ وحين يرحلون، يرحل معهم جزء من ذلك الأرشيف إذا لم نجد من يحفظه ويرويه. واليوم، الاثنين 24 أغسطس 2026م، غاب فاروق أحمد إبراهيم زعيتير في مدينة الأبيض، وانتهت رحلة رجل عاش وسط أهله، وحمل مسؤولية الإدارة الأهلية، وعرفه الناس في مناسبات فرحهم وترحهم، وترك وراءه أسرة وأهلاً وأصدقاء ومحبين. وفي مثل هذه اللحظات لا يجد الإنسان ما يقوله سوى دموع وكلمات والدعاء.
فاللهم إن عبدك فاروق أحمد إبراهيم زعيتير قد أفضى إليك، فاجعل ما عندك خيراً مما عنده، وأكرم نزله، ووسّع مدخله، واغسله بالماء والثلج والبرد، ونقه من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس. اللهم اشمله برحمتك الواسعة، وعفوك ورضوانك، وأسكنه الفردوس الأعلى، واجعل قبره روضة من رياض الجنة، وأنر له فيه مد بصره، وآنس وحشته، وثبته عند السؤال. اللهم اجبر كسر أسرته وأهله وذويه، واجبر كسر أهله النواهيّة، واجبر خاطر عموم أهله في قبيلة دار حامد /فزارة، وألهمهم جميعا الصبر والسلوان، واخلف عليهم في مصابهم خيراً، واجعل ما تركه من مودة وسيرة طيبة شفيعاً له في ذاكرة الناس ودعائهم. اللهم ارحمه وارحم من سبقوه من أهله وأجداده، واجمعه بهم في مستقر رحمتك، واجعل البركة في ذريته وأهله، وألهمهم أن يحملوا من سيرته أجمل ما فيها: الموقف، والكرامة، والوفاء، ومحبة الأهل.
اللهـم اكرم ذلك الوجه الذي عرفناه في أيام الشباب، الرجل الذي كان يأتي إلى معسكر الطلاب فلا ينقطع عنهم، فيؤنسهم ويكرمهم ويترك في نفوسهم أثراً طيباً.
رحم الله الرجل الذي كان يعرف أهله ويعرفونه، ويعرف تاريخهم ويعتز به. ورحم الله رجلاً كان يقول: التاريخ بتكرر في الرجال)، فإذا بالتاريخ، بعد رحيله، يترك لنا في سيرته شاهداً على صدق ما قال.
“إنا لله وإنا إليه راجعون”.

