مهدي داود الخليفة:
بينما تتواصل الحرب السودانية للعام الرابع، وتتعثر كل المبادرات الرامية إلى وقف إطلاق النار، يبرز سؤال سياسي مشروع: هل أصبحت وحدة السودان مرة أخرى رهينة لحسابات بقاء السلطة؟
ليس هذا السؤال وليد اللحظة، وإنما تفرضه تجارب الماضي، والوثائق السياسية المنشورة، والتطورات الجارية داخل معسكر السلطة، وما يثار عن مراجعات تجريها قيادات “الحركة الإسلامية” بشأن مآلات الحرب التي اندلعت في 15 أبريل 2023.
عندما وقعت اتفاقية السلام الشامل (نيفاشا) عام 2005، قدمت “الحركة الإسلامية” الاتفاق باعتباره ثمناً لا بد منه لإيقاف الحرب. لكن السنوات اللاحقة كشفت أن خيار الانفصال لم يكن مجرد نتيجة للاستفتاء، بل جاء أيضاً في سياق رؤية سياسية اعتبرت أن الاحتفاظ بالسلطة في الشمال أقل كلفة من تقديم تنازلات جوهرية تعيد بناء الدولة السودانية على أسس جديدة.
وقد بقيت العبارة المنسوبة للرئيس السابق عمر حسن أحمد البشير بعد انفصال الجنوب حاضرة في الذاكرة السياسية السودانية:
“انتهينا من الشريعة المدغمسة.”
ومهما اختلفت التفسيرات حول هذه العبارة، فإنها عكست قبولاً عملياً بانفصال ثلث مساحة السودان مقابل استمرار المشروع السياسي لـ “الحركة الإسلامية” في الشمال.
أعادت الحرب الحالية إلى الواجهة ورقة وزير المالية الأسبق عبد الرحيم حمدي التي قدمها عام 2005، والتي عرفت لاحقاً بـ”ورقة مثلث حمدي”.
ورغم أن الورقة قُدمت باعتبارها رؤية اقتصادية واستثمارية، فإنها تضمنت فرضيات سياسية لافتة، من بينها التركيز على محور يمتد من دنقلا إلى سنار مروراً بكردفان باعتباره المجال الأكثر قدرة على استمرار الدولة حتى إذا انفصل الجنوب أو “ابتعدت دارفور سياسياً”.
وقد أثارت هذه الفرضيات منذ صدورها اتهامات بأنها تؤسس عملياً لدولة أصغر تقوم على اعتبارات سياسية وثقافية واقتصادية محددة، وهو ما نفاه بعض قادة المؤتمر الوطني آنذاك، إلا أن الجدل حولها لم يتوقف حتى اليوم.
أدخلت الحرب السودان في أكبر أزمة وجودية منذ الاستقلال.
فقد انهارت مؤسسات الدولة، وتوسع نطاق السيطرة العسكرية المتعددة، وأصبحت البلاد تواجه احتمالات التفكك أكثر من أي وقت مضى.
وفي ظل تعثر المفاوضات وتعدد المبادرات من جنيف إلى أديس أبابا ثم نيروبي، يبرز تساؤل آخر:
هل أصبح إطالة أمد الحرب جزءاً من حسابات بعض القوى انتظاراً لفرض واقع جديد على الأرض؟
لا توجد أدلة قاطعة تثبت أن أي طرف يتعمد إطالة الحرب بغرض تقسيم البلاد، لكن استمرار التعثر السياسي يمنح الوقت لترسيخ مناطق النفوذ، ويجعل الوقائع العسكرية تتحول تدريجياً إلى وقائع سياسية يصعب تجاوزها في أي تسوية مستقبلية.
إذا افترضنا أن بعض دوائر “الحركة الإسلامية” خلصت إلى أن استعادة السيطرة على كامل السودان لم تعد هدفا قابلا للتحقيق في ظل موازين القوي الراهنة ، فقد تتجه الي تبني استراتيجية بديلة تقوم علي الحفاظ على نفوذها داخل نطاق جغرافي أصغر يمثل خياراً أقل كلفة سياسيا و عسكريا من فقدان السلطة بالكامل مع السعي الي ترسيخ هذا النفوذ بوصفه قاعدة يمكن الانطلاق منها للحفاظ علي مصالحها و اعادة ترتيب اوراقها في المستقبل.
وهنا يعود الحديث مجدداً عن “مثلث حمدي” باعتباره الإطار النظري الأكثر تداولاً لهذا الاحتمال.
غير أن مثل هذا السيناريو ستكون له كلفة سياسية وتاريخية باهظة، لأنه يعني عملياً انتقال السودان من تجربة انفصال الجنوب إلى احتمال فتح الباب أمام مزيد من التشظي الجغرافي والسياسي.
ويبقي السؤال الأصعب: أين تقف الحركات المسلحة المتحالفة مع الجيش؟ إذا افترضنا جدلاً أن أي مشروع لإعادة رسم حدود النفوذ أصبح مطروحاً، فإن أول المتضررين سيكونون الحركات المسلحة الدارفورية التي اختارت القتال إلى جانب القوات المسلحة ضد قوات الدعم السريع.
فقيادات مثل مني أركو مناوي، وجبريل إبراهيم، ومصطفى تمبور، وغيرهم، بنت خياراتها السياسية والعسكرية على أساس الدفاع عن وحدة السودان والشراكة داخل الدولة السودانية.
أما إذا انتهت الحرب إلى واقع يعيد إنتاج دولة ذات مركز جغرافي محدود، فإن السؤال يصبح:
ما هو الموقع السياسي لتلك الحركات؟ وهل ستكون جزءاً من المشروع الجديد؟
أم أنها ستجد نفسها خارج المعادلة التي ساهمت في الدفاع عنها؟
إن هذا السؤال لا يتعلق بالأشخاص وحدهم، بل بمستقبل اتفاق جوبا للسلام، وبالعلاقة بين المركز والهامش، وبمصير عشرات الآلاف من المقاتلين الذين انخرطوا في هذه الحرب تحت شعارات مختلفة.
تكشف المبادرات الأخيرة، من جنيف إلى أديس أبابا ثم نيروبي، أن الأزمة السودانية لم تعد مجرد أزمة وقف إطلاق نار، بل أصبحت أزمة غياب مشروع وطني جامع.
فالخلاف لم يعد حول مكان انعقاد الحوار، وإنما حول سؤال أكثر عمقاً:
من يملك حق رسم مستقبل السودان؟ وهل تكون الأولوية لبناء دولة المواطنة والمؤسسات، أم لإعادة إنتاج موازين القوى العسكرية والسياسية؟
لقد دفعت “الحركة الإسلامية” ثمناً سياسياً باهظاً عندما انتهى مشروعها بانفصال جنوب السودان عام 2011، ولم يؤدِّ ذلك إلى استقرار نظامها، بل انتهى بسقوطه في ثورة ديسمبر 2018.
ومن هنا فإن أي رهان جديد على معالجة الأزمات عبر إعادة رسم الحدود أو تقليص الجغرافيا قد لا يحقق بقاء أي مشروع سياسي، بل قد يفتح الباب أمام سلسلة جديدة من الانقسامات يصعب إيقافها.
إن الحفاظ على وحدة السودان لا يتحقق عبر انتصار طرف على آخر، ولا عبر بناء دولة أصغر وأكثر تجانساً، وإنما عبر عقد اجتماعي جديد يقوم على المواطنة المتساوية، والعدالة، والتوزيع المنصف للسلطة والثروة، وإرادة سياسية تجعل الوطن أكبر من أي مشروع حزبي أو أيديولوجي.
ويبقى السؤال مفتوحاً أمام جميع القوى السودانية:
هل يتعلم السودانيون من درس انفصال الجنوب، أم أن التاريخ يستعد لكتابة فصل جديد من الجغرافيا الممزقة؟

