د. حامد البشير إبراهيم
أستاذ جامعي وخبير دولي –
يُحكى في قرية صغيرة نائية عن حوادث سرقة الدجاج؛ سرقة صغيرة في قيمتها، لكنها كبيرة في فضيحتها.
فإذا صاحت عجوز عند الفجر:
«يا أبو مُرُوَة… جدادتي الواحدة وسرقوها!»
هبَّ بعض أهل القرية في فزعة صغيرة، يتتبعون الأثر ودرب الحرامي؛ — وكما يقول أهلنا: الدم قَدْرْ الجِتّة.
والناس يعرفون أن دجاجة المسكين ليست مجرد دجاجة. قد تكون بيض أطفاله، أو ثمن دوائهم عند الحاجة، أو مدخراته الصغيرة ليوم الشدة؛ فهي، بلغة القرية، «الفَرُّوج الأبيض لليوم الأسود».
وتُنسب إلى الحكمة الإفريقية عبارة لطيفة تقول:
«حتى الدجاجة تعرف من يحمل السكين.»
فالمظلوم، مهما كان ضعيفاً، يعرف غالباً من ظلمه ومن يظلمه.
لكن المفارقة تبدأ عندما نغادر القرية الصغيرة إلى القرية الكبيرة التي اسمها الوطن.
سارق الدجاج يدخل الحوش ليلاً ويهرب قبل أن يصيح الديك. أما سارق المال العام فقد يدخل من الباب الكبير في وضح النهار، يسبقه الحرس وتُفتح له الأبواب!
الأول يحمل الدجاجة المخنوقة تحت ثوبه (خوفاً من الفضيحة)، والثاني يحمل ملفاً أنيقاً مليئاً بالأختام والتوقيعات.
وهنا تكمن المفارقة: قد يكون مجتمع القرية البسيط شديد الصرامة مع السرقة الصغيرة، بينما تكون مؤسسات الدولة أكثر ضعفاً أمام السرقة الكبيرة.
وعندها يصبح السؤال أكثر إيلاماً: ما معنى أن تخرج الثروة من أعماق الريف، بينما يظل أهلها يبحثون عن الماء والطريق والمدرسة والشفخانة والفكي؟ وما معنى أن تُرصد الأموال لمشروع فلا يكتمل، أو لخدمة فلا تصل إلى المواطن؟
وليس كل ذلك سرقة بالمعنى الجنائي المباشر؛ فقد يكون فساداً، أو هدراً، أو سوء إدارة، أو توزيعاً غير عادل للموارد. لكن النتيجة عند المواطن واحدة تقريباً: حق كان ينبغي أن يصل إليه، ولم يصل.
فالمال العام ليس مالاً بلا صاحب. إنه مال الطفل الذي ينتظر المدرسة، والمريض الذي ينتظر الدواء، والجائع الذي ينتظر الوجبة، والمزارع الذي ينتظر التقاوي والسلفية، والراعي الذي ينتظر الماء والتطعيم لماشيته.
وفي حكاية الدجاجة درس أكبر بكثير من الدجاجة نفسها:
إذا كانت القرية كلها تهبّ بحثاً عن دجاجة امرأة فقيرة، فمن باب أولى أن تهبّ لحماية أموال شعب كامل.
فالعدالة التي ترى الدجاجة المسروقة، يجب أن ترى الوطن أيضاً.
والمشكلة ليست في أن نطارد حرامي الجداد؛ فهذا واجب أهل القرية. المشكلة أن نطارده حتى نمسك به، ثم نخلع القبعة احتراماً لمن سرق بيت الجداد كله، بما فيه الجداد والبيض!
بل ربما أصبح، بمرور الزمن، مسؤولاً عن حماية بيت الجداد نفسه.
ولحرامي الجداد حِيَل أيضاً.
فقد كان بعضهم، في حرِّ الصيف، يجلس في راكوبة مهجورة بطرف القرية، حيث الظل والهدوء اللذان يجذبان الدجاج والحرامي معاً. ويحمل خيطاً طويلاً ينظم فيه شيئاً من حبات الفول، ثم يلقي الطُعم للدجاجة من بعيد.
تبدأ المسكينة تلتهم الفول حبةً حبة، ولا تدري أن وراء كل حبة خيطاً.
وحين تبتلع ما يكفي، يصبح الخيط في يد صاحبه، وتنقاد الدجاجة إليه بهدوء، بلا صياح ولا فزعة ولا أثر أقدام يقود إليه.
ذلك هو «أبو خيوط».
وربما كان «أبو خيوط» أذكى من حرامي الليل؛ فهو لا يحمل الدجاجة هارباً، وإنما يجعلها تمشي إليه برجليها!
وهنا تتجاوز الحكاية حدود القرية.
فليس كل من يريد الاستيلاء على حقوق الناس يحتاج إلى كسر باب. أحياناً يكفيه خيط طويل، وطُعم صغير، وصبر كثير.
والدجاجة المسكينة لا ترى الخيط؛ ترى حبات الفول فقط.
يا لكثرة حبات الفول… ويا لكثرة خيوط النصب في هذه البلاد.

