مقالاتالسودان

الجنيه لم يقتله الدولار

د. الطيب حاج مكي

باحث في دراسات التنمية والقيادة –

ليس في السودان اليوم سؤالٌ أكثر إلحاحاً من ذلك الذي يخرج من أفواه الناس كل صباح: لماذا يواصل الجنيه السوداني انحداره؟ ومن الذي أطفأ بريق العملة الوطنية حتى غدا الدولار عند الناس ملاذاً، والجنيه عبئاً؟

غير أن الجنيه لا يسقط في فراغ، ولا تنهار قيمة العملة بقرارٍ منفرد أو بفعل مؤامرةٍ نقدية عابرة. إنما تهوي العملة حين تتهاوى الأسس التي تستند إليها؛ حين ينكمش الإنتاج، وتتراجع الصادرات، وتضطرب المالية العامة، وتُستنزف موارد الدولة، وتتسع الفجوة بين المجتمع والدولة، فتفقد العملة شيئاً من قيمتها، ثم تفقد شيئاً من الثقة بها.

لقد مزقت الحرب أوصال السوق السودانية، وقطعت طرق التجارة، وعطلت الإنتاج، وأخرجت مناطق واسعة من الدورة الاقتصادية الوطنية. ولهذا فإن مأساة الجنيه السوداني ليست معزولة عن مصائر عملات عانت اختلالات مشابهة في بلدان أنهكتها الحروب والأزمات، كالريال اليمني، والتومان الإيراني، والليرة اللبنانية، وغيرها.

وقد نُسب إلى وزير المالية تفسيرٌ للأزمة يقوم على ارتفاع الطلب على العملات الأجنبية. وهذا، وإن وصف وجهاً من وجوه الأزمة، لا يجيب عن السؤال الأعمق: لماذا ارتفع الطلب على الدولار، ولماذا شحّ المعروض منه؟

فالدولار لا يصبح عزيزاً لأن الناس استيقظوا ذات صباح على محبته؛ بل يصبح عزيزاً حين يعجز الاقتصاد عن توفير البديل. حين لا ننتج ما يكفي، ولا نصدر ما يكفي، ولا نجذب استثماراً كافياً، يصبح النقد الأجنبي سلعة نادرة.

وحين تهتز الثقة بالجنيه، تهرب المدخرات إلى الدولار والذهب، ويأتي التضخم ليأكل الدخول كما تأكل النار الهشيم، فيبحث الناس عن ملاذٍ آخر، وتتسع الدائرة حتى يصبح الخوف نفسه عاملاً اقتصادياً. والمفارقة الكبرى أن السودان ليس فقيراً في موارده؛ وإنما مبتلى بالعجز عن تحويل موارده إلى ثروة مستدامة وقوة اقتصادية.

خذ مشروع الجزيرة،انه القلب الزراعي الذي كان يضخ الحياة في شرايين الاقتصاد السوداني. فإن تعطله فانت ليس امام موسمٍ زراعي ضائع، ولا حقلٍ تركته يد الإهمال؛ انت امام سلسلة كاملة من الخسائر: إنتاجٌ يتراجع، وعمالةٌ تتعطل، وصادراتٌ تنكمش، وإيراداتٌ تتناقص، ووارداتٌ تتزايد. وفي نهاية المطاف، يصل خراب الحقل إلى سوق العملات الأجنبية، فيدفع الجنيه الثمن.

وكذلك الحال بالنسبة لكردفان ودارفور؛ فهما ليستا هامشاً جغرافياً على خريطة الاقتصاد، بل قلبٌ نابض بخزائن الصمغ العربي، والماشية، واللحوم، والسمسم، والفول السوداني وغيرها من الموارد.

فإذا انقطع الطريق بين المنتج والسوق، وبين السوق والميناء، لم تنقطع التجارة فقط ، بل انقطع شريان من شرايين النقد الأجنبي. وعندما تخرج هذه الموارد عن المظلة الاقتصادية الوطنية، يخسر المزارع والتاجر والخزينة والمستهلك، لكن الجنيه يخسر أولاً.

وهنا تفرض ازمة الجنيه سؤالاً قاسياً على ادارة المالية العامة وبنك السودان المركزي: عندما تكون الموارد شحيحة، والعملة تحت الضغط كما هو الحال اليوم، أيكون الأولى أن نوسع الإنفاق الاستهلاكي والإداري، أم أن نعيد أولاً بناء آلة الإنتاج؟ ليست القضية في حق الموظف في راتبه، وإنما في اقتصاد الأولويات حين تصبح كل وحدة نقدية معركةً بين الحاضر والمستقبل.

وفي هذا الموضع يبدو ابن خلدون أكثر معاصرة مما نظن. فالظلم لا يقتل العدالة وحدها؛ بل يقتل الحافز على العمل والاستثمار. والاستبداد لا يحتكر القرار فحسب؛ بل يضعف المؤسسات ويطرد أهل الخبرة والمشورة.

والفساد لا يسرق المال وحده؛ بل يسرق المستقبل. وسوء الإدارة، يستطيع أن يحول أمةً غنية بالموارد إلى دولةٍ فقيرة في النتائج. ثم تأتي الفلقة القاصمة ؛ انهيار المسؤولية العامة والثقة.

فإذا شعر المواطن أن الدولة لا تحمي إنتاجه ولا ماله ولا غده، انكفأ على نفسه، فادخر ما يستطيع، وهرب بما يملك، واستبدل عملته من السوق السوداء، وربما تهرب من الالتزام العام.

وهكذا يصبح المواطن، وهو يحاول حماية مصالحه، ترساً صغيراً في ماكينة إضعاف العملة.

لذلك، فإن الجنيه لا يحتاج إلى معجزة بقدر حاجته إلى اقتصادٍ يستعيد عافيته ودولةٍ تستعيد ثقة مواطنيها، سلامٌ يفتح الطرق، ودعم يجعل مشروع الجزيرة يعود إلى الإنتاج، وفهم وطني يدفع موارد كردفان ودارفور تعود إلى قلب السوق الوطنية، وموارد البلاد تتحول من صادرات خام إلى سلاسل قيمة مضافة، ومالية عامة منضبطة، ومؤسسات نقدية موثوقة، ومواجهة حقيقية للفساد.

فالجنيه لم يمت من تلقاء نفسه. وعلماء الاقتصاد يقولون حين تسقط العملة، لا تبحثوا عن قاتلٍ واحد؛ ابحثوا عن الإنتاج الذي غاب، والثقة التي تبخرت، والمؤسسات التي ضعفت، والأولويات التي اختلت. ما يعني أن الدولار، ليس قاتل الجنيه.إنه الشاهد الذي وقف في مسرح الجريمة طويلاً ، ورأى كل شيء، ثم جاء ليكشف ما حاول الجميع إخفاءه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: النص محمي