العالم أحمد دقاش
مترجم وباحث في الآثار وتاريخ الحضارات –
عند وقوع انقلاب” الإنقاذ” ( في السودان ) على الديمقراطية الثالثة عام 89م ، كان كل شيء غريباً وأنتظر الناس والمراقبون بعض الوقت لمعرفة هوية الانقلابيين. حتى مخابرات جارنا الشمالي تم تضليلها فصفقوا في البداية مهللين للانقلاب وقالوا ” ديل بتُوعنا “.
لكن سرعان ما بدأت الملامح تتكشف رويداً رويداً بعد رواية ارسين لوبين التي سمعناها والتي تقول ” أذهب إلى السجن حبيساً وأنا إلى القصر رئيساً ” إمعاناً قي التضليل.
نظام “الإنقاذ” أفرزته ظروف اقتصادية واجتماعية وسياسية معقدة. حرب في الجنوب حيث بدأ الجيش يفقد فيها حامياته العسكرية واحدة بعد أُخرى وصراعات عبثية بين القوى السياسية في الخرطوم لم تكن من أولوياتها حياة المواطن والوطن. ونشأ رأي عام متصاعد أن ما يحدث كان بسبب ضعف شوكة الحكومة الديمقراطية والفوضى وعدم المسؤولية.
لذلك كانت قراءة “الاسلاميين” هي لابد من انقلاب عسكري يحمل رؤيتهم ،يفرض الانضباط بصرامة مع أقصاء الأحزاب السياسية ورفع الشعارات الإسلامية المثيرة لعواطف البسطاء.
وللأسف بدلاً من الصدق في النوايا الاصلاحية والالتزام بالشعارات المرفوعة، بدأت “الإنقاذ” بالتصفيات السياسية لكوادر منافسيها، فكان ما سمي بقانون الصالح العام في الخدمة المدنية واعتماد سياسة التمكين، ثم تأسيس بيوت الاشباح، وقمع الحريات أهم قيم الانسانية، وشراء الذمم التي حولت حتي بعض اليساريين المختلفين معهم فكرياً وأصحاب المصلحة الشخصية إلى إنقاذيين متطرفين تحت شعار ” روسيا أمريكا قد دنا عذابها “.
ومضوا في تصنيف المواطن بين مسلم قوى خير من كافر لا داعي لوجوده أو حياته في هذا الوطن . فانطلقت الكتائب الجهادية التي استهدفت أهل الجنوب والنوبة في كردفان وهما من الأصول الاجتماعية الراسخة في السودان المختطف، وقالوا أنهم لا يشبهوننا. ثم ارتد ليطال بأس جهادهم مؤخراً أهلنا في دارفور، حفظة القرآن، الذين لم يشفع لهم اسلامهم، فأضاع” الانقاذيون” فرصة، كان يمكن تقديم نموذج الإسلام هو الحل.
في ظل هذه الممارسات الطاردة لأبناء الوطن الذين ركبوا البحار إلى المنافي ، أستعصى على الناس التوفيق بين الشعارات في كون الإسلام هو دين الرحمة والعدالة والمساواة مع ما يحدث على أرض الواقع.
فكان أول تساؤل عن هوية هؤلاء الإنقاذيين من الاديب الطيب صالح الذي قال متسائلاً ” من اين جاء هؤلاء الناس ؟”.وتفرعت بعد ذلك توصيفاتهم. فقال بعض العارفين بتاريخ الشعوب أنهم البناؤون القادمون من المغرب بشمال أفريقيا.
وفي ذلك روايات عديدة لا يسعها هذا المقال. البعض ذهب ليقول أنهم من سلالة أفكار الأسود العنسي باليمن الذي أدعى النبوة موازياً لرسالة نبينا محمد (ص). وآخرون قالوا أنهم من سلالة عبد الله ابن سلول زعيم الأوس والخزرج ،الذي كان على وشك أن يتوج ملكاً على أهله قبيل ظهور الإسلام ، فبقي في نفسة حقد ونفاق على الإسلام، لم تفلح محاولات رسولنا الكريم في معالجاتها.
فقد قال عقب غزوة بني المصطلق لخلاف بين بعض المسلمين على الماء ” لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الاذلُ ” ويقصد في ذلك نبينا الكريم .ودونكم قصة الصلاة عليه عند وفاته وموقف سيدنا عمر الفاروق الصارم الذي ايده القرآن.
ولكن بعيداً عن كل هذه الاسقاطات فقد تأكد للجميع أن جماعة انقلاب” الانقاذ” هم أبناء الشيخ الترابي الذين رباهم ثم تآمروا عليه حتى أدخلوه السجن. فقال عنهم في آخر أيامه ” تعلموا منا كل شيء إلا الأمانة والوفاء”وتبرأ منهم.
وهكذا تعددت مسميات هذه الجماعة التي سميت ايضاً بالدواعش انتساباً الي جماعات مماثلة لهم في التفكير والممارسة.
لكن في اطار استمرارية البحث عنهوية هذه الجماعات، جاء مؤخراً ما سميناه مجازا ًالرحالة الكاتب فتحي الضو على غرار الرحالة ُوالجُغرافيين الذين ينقلون اخبار زياراتهم للبلدان والشعوب. حيث صدر له مؤخراً كتاب عن دولة الواق واقيون الذي ينسب هذه الجماعة إليها . وفيه نقل أوصافاً وصفات عن طير الوقواق والروايات شبه الخرافية عنه،وكانت لهم من صفاته نصيب.
عن بلاد الوقواق رجعت إلى ما افاد عنها الرحالة الحمّيري والقزويني في كتب رحلاتهم فوجدت أنها تقع في مجاهل أفريقيا من سواحلها الجنوب شرقية عند بلاد الزنج (زنجبار الحالية ).
وقالوا أنها بلاد حقيرة وأن قومها أصلاً من أرخبيل في شرق آسيا ،جاءوا على سفن“السيرافيون” رواد البحار واستقروا في شرق أفريقيا ،ربما كان محكوم عليهم بالنفي والابعاد أو كانوا في هجرات عادية.
لكن اجمع الرواة انها بلاد الغرائب. ففي بلاد الواق واق، تغيب سلطة الرجال لينهض مكانها حكم النساء. يكثر فيها الذهب، الناس يمشون عرايا وكلابهم وقرودهم على رقابها سلاسل من الذهب.
و طير الواق واق الذي أشار إليه الكاتب، فتحي الضو ،بأنه يتصيد اعشاش غيره من الطيور ليضع بيضه شراكة معها في هذا العش، ثم يتخلص من البيض الآخر، فيفس بيضه ويتربى فراخه تحت رعاية الطير صاحب العش الأصيل ،حتي يكبرون ويطيرون دون أن يكون لهم ولاء لمن رعاهم بالإطعام، وهكذا يعيش حياته بلا التزام ، وهذا ما تؤكده ممارسات هذه الجماعات.
الم يكونوا يوماً في عش حزب الامة مبكراً قبل الطيران. بل كانوا شركاء في حكومة الديمقراطية الثالثة التي انقلبوا عليها. وسوّقهم الشيخ الترابي داخلياً وخارجياً، ثم انقلبوا عليه وأفكاره الاجتهادية فادخلوه السجن وأعترف بخطئه السياسي في الانقلاب وندم وقال ” تعلموا منا كل شيء إلا الامانة والوفاء ” وقد صدق رحمه الله فتلك تربيته.
وأزيدكم علماً، يقال أن طائر الوقواق شبيهم هو ذات الطائر صاحب بيضة ” أم كتيتي” التي إذا عثرت عليها فأنت في ورطة. فالأسطورة تقول أنك أذا اخذت البيض يموت ابوك وإذا تركته تموت أمك.
فهذا هو خيارنا اليوم امام الجماعة الداعشية الواقواقية فإذا عارضتهم أدعى إعلامهم المنتشر أنك ضد الإسلام واذا صمت فهم سيسومونك شر العذاب مع الفساد..
لكن نقول أنتهى زمن التضليل الإعلامي والشعب السوداني بعد 15/ ابريل اصبح أكثر وعياً بدينه الذي يقوم على اركان الإسلام والايمان وما عداه فهو اجتهاد يقوم على التراضي والتعايش بسلام على فقه ومعنى الآية الكريمة في قوله تعالى “إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون” سورة الحجر الآية (9). وقاعدة لكم دينكم ولي دين، ولا وصاية من جهة أو أحد على دين الله بعد أن تبين الرشد من الغي.

