مقالاتالسودان

الانهيار الاقتصادي في السودان وفشل شبه الدولة!!

لماذا انتظار الخروج من المأزق الذي أدخلتنا فيه سلطة راس المال غير الشرعية مجرد وهم وما المطلوب؟

د. أحمد عثمان عمر

محامٍ ومستشار قانوني

منذ فشل انقلاب اكتوبر 2021م في السودان ، وعجز طرفي الحرب قبل الانقسام واشعال الحرب، في توطيد سلطتهما او حتى تكوين حكومة تكرس محاولة تصفية الثورة وشرعنة الانقلاب برغم تعاون (المؤسس) وقبوله ان يصبح رئيسا ً لوزراء الانقلاب، بدأت نذر الانهيار الاقتصادي بعد عودة العزلة الدولية مع تحكم الاقتصاد الموازي في النشاط الاقتصادي والعودة النشطة لتمكين النشاط الطفيلي.

لكن الأزمة الاقتصادية توطدت اقدامها، عند اشتعال الحرب وعسكرة الاقتصاد ليصبح اقتصاد حرب، يلبي احتياجات الجيش المختطف والمليشيات المتحالفة معه ، واجهزة الحركة الإسلامية المجرمة الأمنية. فمجمل الاقتصاد الرسمي، تم توجيهه لتمويل الحرب وتوفير السلاح وشراء ولاء المليشيات وصنع مليشيات اخرى، وتوقفت الدولة عن تقديم الخدمات التعليمية والطبية توقفا شبه تام، وفشلت حتى في تسديد مرتبات موظفيها في القطاعات الخدمية وخصوصا في قطاع التعليم، بمستوى اضطرّ المعلمين للإضراب عن العمل.

المؤشرات الاقتصادية المعلنة توضح ان الاقتصاد تعرض لانكماش بنسبة 43%، والعملية الانتاجية انهارت في معظم مواقع الإنتاج لأنها أصبحت ساحة حرب، ولعدم توفر مدخلات الإنتاج والتمويل اللازم للعملية مع استحكام أزمة الطاقة.

أكثر من 83% من السكان يعيشون تحت خط الفقر، والنظام المصرفي منهار ومنقطع الصلة بالنظام العالمي، والسلعة الريعية الأساسية (الذهب)، أكثر من 56 طن منها هربت ولم تدخل حصيلتها الخزينة العامة، وميزان المدفوعات يعاني عجزا بمليارات الدولارات، ومرتب المعلم الادنى مثلا لا يتجاوز دولارين في الشهر، والسيولة النقدية منعدمة وتطبيق بنكك للدفع الإلكتروني يعاني من التوقف والانقطاع عن العمل، والجبايات غير المنطقية تثقل كاهل التجار والمنتجين وتدفع الاوائل للإضراب وإغلاق المتاجر.

الدولار تجاوز حاجز الثمانية آلاف جنيه، والمواطن بصورة عامة لا يملك قوت يومه، والاقتصاد الموازي الذي تسيطر عليه الحركة الإسلامية المجرمة عبر المؤسسات العسكرية والأمنية، يتضخم كل يوم ويسيطر على كافة النشاط الاقتصادي ويدمره بتطفله ومعاداته للعملية الانتاجية، والمساعدات الدولية المالية توقفت تماماً، عدا الأموال التي تدعم المجهود الحربي والتسليح، التي تضخها بعض الدول الداعمة للسلطة غير الشرعية في حربها على الوطن والمواطن.

كذلك لا تملك شبه الدولة المنهارة حاليا اي احتياطي ذو قيمة من النقد الأجنبي، وليس لديها اي مخزون استراتيجي من الغذاء، وهي لا تملك من المال ما يسير المرافق العامة او حتى يوفر الطاقة الكهربائية.

والغريب والمدهش ان البعض يحاول ان ينسب كل هذا الفشل لوزير المالية ، في محاولة فاشلة لتبرئة سلطة الأمر الواقع غير الشرعية من المسؤولية الجماعية، عن السياسة الاقتصادية التي تتبناها، وبالتبعيّة تبرئة الحركة الإسلامية المجرمة من المسؤولية عن الانهيار الاقتصادي. وفي هذا تناسي متعمد لحقيقة ان إضعاف النشاط الاقتصادي المنتج وصنع الدولة الجابية، وبناء اقتصاد مواز، وتعميم حالة الفساد المنهك للاقتصاد، جميعها من انتاج سلطة الرأسمال الطفيلي منذ عهد الإنقاذ المكرس للتمكين والصانع لاقتصاد دولة غير مسؤولة سعت بجد لافقار مواطنيها، وتضخيم ثروات منسوبيها من الطفيليين الإسلاميين.

هذه الدولة أسست لاقتصاد التجنيب، ولا معقولية الجبايات ، ولفساد معمم وغياب الحساسية تجاه المال العام.
والان في ظل اقتصاد الحرب، انهار النظام التعليمي والنظام الصحي، وفشلت شبه الدولة في توفير الأمن للمواطن كذلك، وأصبح النهب حالة معممة، وواكب ذلك تضخم ثروات أمراء الحرب، المستفيدين من استمرارها بالسيطرة على مقدرات الدولة، والاشتراك الفاعل في الاقتصاد الموازي بالسيطرة المشتركة على الثروة المعدنية والشراكة في تهريب الذهب. فاقتصاد الحرب لا يخدم المواطن بل يعاديه حتما، لأنه يخدم المستفيدين من الحرب من الجنرالات والقوى المرتبطة بهم وتلك التي توظفهم.

والنتيجة اليقينية هي ان الإفقار سيستمر في ظل اقتصاد حرب موجه لدعم استمرارها وتعميق معاناة المواطن ، وان الانهيار الاقتصادي سيتسع مداه ويتأكد عبره عدم قدرة سلطة الأمر الواقع على تمويل الحرب من اقتصاد منهك بلا موارد ومنهوب من قبل الطفيليين، مما يحتم توسيع دائرة الجبايات والانسحاب التام من كل جبهات تقديم الخدمات، بمستوى قد يقود إلى ثورة جياع.

فالسلطة بالرغم من أنها اجبرت المغتربين على تحويل أموالهم عبر النظام المصرفي لعدم توفر تسهيلات السوق الموازي للعملة، لم تستطع تقديم اي خدمة للمواطنين لأنها وجّهت كل ما حصدته للمجهود الحربي ولم تستطع ان تحقق انتصاراً ذي قيمة عسكرية حاسمة في ساحات القتال او ان تحسم المعركة عسكرياً كما كانت ومازالت تدعي.

الانهيار الاقتصادي الشامل الحالي، مدخل معالجته سياسي، يتم عبر إيقاف الحرب ، وبناء سلطة من القوى المدنية الثورية، عبر صعود الجبهة القاعدية العريضة للسلطة، بعد استبعاد طرفي الحرب وإسقاط سلطتهما، وإعادة ممتلكاتهما وشركاتهما لولاية وزارة المالية وتدمير الاقتصاد الموازي، وإعادة بناء العملية الانتاجية وسلاسل إمدادها، والسيطرة على تجارة الصادر والوارد وضبطها بقوانين تنظيمية صارمة، ومعالجة الخلل المزمن في السياسات المالية والنظام المصرفي ، وإعادة التواصل مع المجتمع الدولي وفك العزلة الاقتصادية، واستعادة الأموال المنهوبة والمتحصل عليها بطرق غير مشروعة، والعودة الفاعلة لإزالة وتفكيك التمكين.

وبدون ذلك فان الانهيار الاقتصادي الشامل حتمي، ولا يمكن تفاديه، وانتظار الخروج من هذا المأزق الذي أدخلتنا فيه سلطة راس المال الطفيلي غير الشرعية، مجرد وهم لن يصمد طويلا أمام حقائق الواقع التي تؤكد أن الطريق الحالي يؤدي إلى موت الاقتصاد بالسكتة الاقتصادية.

المطلوب هو عدم الانتظار ، وفرض إرادة الجماهير لصنع التغيير.
وقوموا إلى ثورتكم يرحمكم الله!!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: النص محمي