د. حامد البشير
أستاذ جامعي وخبير دولي –
في زمان مضى، في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، كانت قرى ومحلية القوز في الجزء الشمالي من ولاية جنوب كردفان (الدبيبات، الحاجز والحمادي وما حولها) يزورها نوعٌ من اللصوص الحرامية لا يسرقون البيوت ولا الدكاكين، وإنما يسرقون الماشية.
يأتون في الليل، حين تهدأ البادية والقرى وتخفت الأصوات، فيسوقون الأبقار أو الضأن شمالاً، بعيداً عن مراعيها وأهلها. وكان مقصدهم في الغالب أسواق شمال كردفان، وربما الأبيض، وأحياناً يختارون سوقاً صغيراً بعيداً عن أعين الشرطة والسلطات الإدارية.
لكن سرقة البهائم لم تكن نهاية الحكاية، بل بدايتها.فمع الصباح ينتشر الخبر:
[بهائم فلان وفلان إنسرقت]
فيقوم الفَزْع (الفزعة) والمكوَّن من الرجال والشباب تدفعهم أغاني الحماسة، فبعضهم يحمل عصاه وآخر يحمل “فرار” أو فأس أو حربة او سيف اوسلاحاً نارياً ( وهذا ما ندر)، وآخرون يحملون خبرتهم في معرفة الأرض وتفاصيلها. وفي مقدمتهم يكون أهل قصّ الدرب؛ أولئك الذين يقرأون الرمل كما يقرأ غيرهم الكتاب:
أثر قدم هنا، غصن مكسور، تراب تحرك حديثاً… ومن هذه العلامات الصغيرة يعرفون إلى أين سار اللصوص. وكان الحرامية يعرفون ذلك أيضاً.
ولهذا ابتكر بعض الحرامية حيلة ماكرة. كان الواحد منهم يخلع نعله ثم يرتديه بالمقلوب: يجعل مقدمة الحذاء إلى الخلف، ومؤخرته إلى الأمام. فإذا وصل أهل الفَزْع إلى الأثر، قالت لهم آثار القدم إن الرجل الحرامي جاء من الشمال وذهب جنوباً، بينما هو، في الحقيقة، يمضي شمالاً، إلى الأمام، لكن أثره يقول إنه يمشي إلى الخلف.
وكلما أسرع أهل قصّ الدرِب وراء الأثر الكاذب، ازداد اللص ابتعاداً في الاتجاه الصحيح.
وكان كبار السن، حين تُروى مثل هذه الحكايات، لا يرونها للتسلية وحدها. كانوا يضعون فيها حكمة البادية والريف ولسان حالهم يقول:
يا ولدي، ما كل دَرَب في الرمل بقول الحقيقة.
تذكرت هذه الحكاية وأنا أنظر إلى حال السودان اليوم…وأخشى أن تكون في السياسة السودانية أحذية مقلوبة أيضاً.
إذ بعد كل ما جرى للبلاد، وكل ما تكشف من تجربة الحكم السابقة، يبرز السؤال: هل خرجت بالفعل شبكات النظام القديم والحركة الإسلامية والمؤتمر الوطني من المشهد، أم أن بعضها يحاول العودة إليه بوجوه وأسماء وتحالفات وخطابات جديدة؟
هذه ليست مسألة تُحسم بالاتهامات أو الظنون؛ وإنما بالشفافية، وكشف شبكات المصالح والنفوذ، ومساءلة من شارك في تقويض الدولة أو الفساد أو الانتهاكات وفق القانون، وبناء مؤسسات تمنع أي تنظيم من السيطرة الخفية على الدولة.
فالخطر الآن ليس في أن يعود شخص إلى السياسة؛ فالمشاركة السياسية حق ينظمه القانون.
ولكن الخطر الحقيقي أن يعود النظام القديم من دون أن يقول إنه عاد، وأن تتغير اللافتات بينما تبقى طرق إدارة السلطة ومؤسساتها كما كانت. وهنا تصبح حكاية أهلنا في ريف وبادية كردفان أبلغ من كثير من كتب السياسة والمبادرات الدولية التي تشغل الساحة والأحزاب.
فقد تنظر إلى الأثر فتظن أن صاحبه ذاهب بعيداً عنك، بينما يكون قادماً نحوك.
وقد ترى وجهاً جديداً، بينما المنهج قديم.
وقد تسمع حديثاً عن المستقبل، بينما الأقدام تسير بالبلاد نحو الماضي.
ولهذا يحتاج السودان اليوم إلى «قصّاصي أثر» من نوع آخر يتمثلون في: صحافة حرة وأمينة، وقضاء مستقل، ومؤسسات رقابية، ومجتمع مدني يقظ، وذاكرة وطنية لا تنسى، ومواطن لا يكتفي بما تقوله آثار الأقدام على سطح الرمل.
فأهل البادية تعلموا مع الزمن أن الحذاء يمكن قلبه، ولذلك لم يعودوا ينظرون إلى شكل القدم وحده؛ بل ينظرون إلى اتجاه القطيع، وإلى الرمل، والشجر، والحوافر، وكل العلامات حول الطريق.
وهكذا ينبغي أن نفعل في السياسة.
لا تسأل فقط: ماذا يقولون؟
اسأل أيضاً:
ماذا يفعلون؟ ومن يملكون؟ وأين توجد مراكز النفوذ؟ ومن يتخذ القرار؟ وإلى أي إتجاه تسير الدولة فعلا؟ً
الحرامي القديم كان يستطيع أن يقلب حذاءه…لكنه لم يكن يستطيع أن يقلب اتجاه البهائم والسعِية…
وتلك ربما هي حكمة الحكاية كلها:
لا تتبع أثر الحذاء وحده؛ إتبع اتجاه القطيع.

