مهدي داود الخليفة:
تحول اللقاء الذي جمع عضو مجلس السيادة ونائب القائد العام للجيش السوداني الفريق أول شمس الدين الكباشي مع المبعوث الأمريكي إلى السودان مسعد بولس في القاهرة إلى مادة لسجال سياسي وإعلامي واسع، بعدما حاولت بعض المنابر تصويره باعتباره تحركاً منفرداً أغضب رئيس مجلس السيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان، بينما تشير الوقائع المتداولة إلى أن اللقاء جاء في إطار اتصالات رسمية سبقه لقاء وزير الخارجية السوداني مع المبعوث الأمريكي، كما أعقبه رد رسمي من الحكومة السودانية على المبادرة الأمريكية.
غير أن التركيز على سؤال: “هل كان البرهان يعلم؟” يصرف الانتباه عن السؤال الحقيقي: ماذا حمل اللقاء؟ وما الذي يمكن أن يفتحه من فرص لإنهاء الحرب التي أنهكت السودان؟
في الدول التي تعمل وفق مؤسسات الدولة، لا يمكن تصور أن يلتقي الرجل الثاني أو الثالث في المؤسسة العسكرية بالمبعوث الأمريكي المسؤول عن ملف السودان دون علم القيادة السياسية والعسكرية. والأمر يكتسب أهمية أكبر عندما يتعلق بمبعوث يمثل الإدارة الأمريكية، صاحبة المبادرة السياسية الأكثر جدية خلال الأشهر الأخيرة لإنهاء الحرب.
ثم إن الوقائع المعروفة تدحض رواية “اللقاء السري”. فقد سبق الاجتماع لقاء رسمي بين وزير الخارجية السوداني ومسعد بولس، حمل خلاله الوزير المقترح الأمريكي بتكليف من رئيس مجلس السيادة، ثم سُلِّم الرد الرسمي للحكومة السودانية إلى الجانب الأمريكي بعد أيام قليلة. فإذا كانت الدولة قد تعاملت مع المبادرة عبر قنواتها الرسمية، فمن الصعب منطقياً القول إن لقاء الكباشي كان خروجاً على السياسة الرسمية أو تمرداً عليها.
بل إن تاريخ الكباشي نفسه يؤكد أنه ليس لاعباً منفرداً داخل المؤسسة العسكرية. فقد كان رئيس الوفد العسكري الذي قاد الاتصالات مع قوات الدعم السريع في محادثات المنامة، ولم يكن ممكناً أن يقود تلك المفاوضات الحساسة دون تفويض مباشر من القيادة العليا. وتحركاته السابقة، سواء في الملفات العسكرية أو السياسية، كانت دائماً تتم ضمن السياسات العامة للدولة، وليس خارجها.
وحتى لو افترضنا – جدلاً – أن البرهان لم يكن على علم مسبق باللقاء، فهل يعقل أن يقدم الكباشي، وهو نائب القائد العام، على تبني رؤية سياسية تختلف عن رؤية رئيسه أو يفاوض باسم أجندة خاصة؟ الإجابة تبدو أقرب إلى النفي من أي احتمال آخر. فالمسؤول العسكري بهذا المستوى لا يمثل نفسه، وإنما يمثل الدولة التي أوفدته أو سمحت له باللقاء.
لهذا فإن الجدل الذي صاحب اللقاء يبدو أقرب إلى صراع داخلي حول مسار السلام منه إلى خلاف مؤسسي داخل قيادة الدولة. فبعض الدوائر المرتبطة بالحركة الإسلامية لا تخفي رفضها لأي مبادرة دولية يمكن أن تقود إلى وقف إطلاق النار، وهي تنظر إلى استمرار الحرب باعتباره وسيلة لإعادة تشكيل المشهد السياسي بما يخدم مصالحها. ومن هنا يمكن فهم الحملة الإعلامية التي حاولت تصوير اللقاء باعتباره خروجاً على القيادة، أكثر من كونه قراءة موضوعية للحدث.
ولا يمكن الجزم بمصدر التسريبات أو نسبتها إلى جهة بعينها دون أدلة قاطعة، لكن من الواضح أن أطرافاً سياسية وإعلامية تعارض أي مسار تفاوضي وجدت في اللقاء فرصة لإثارة الشكوك وإرباك أي حراك قد يقود إلى استئناف العملية السياسية.
وفي المقابل، فإن المؤسسة العسكرية السودانية، رغم ما يثار حول وجود نفوذ لبعض التيارات السياسية داخلها، تظل في جوهرها مؤسسة وطنية ذات تركيبة معقدة، وليس من السهل إخضاعها بالكامل لإرادة تنظيم سياسي واحد. وتجربة السودان خلال العقود الماضية، بما فيها سنوات حكم الإنقاذ ( حكم عمر البشير)، أثبتت أن العلاقة بين الجيش والتنظيمات السياسية لم تكن علاقة تطابق كامل، بل شهدت محطات عديدة من التباين والصراع، انتهت في بعض الأحيان إلى مواجهات مباشرة. ولذلك فإن اختزال الجيش في كونه أداة بيد أي تنظيم سياسي لا ينسجم مع طبيعة المؤسسة العسكرية ولا مع تاريخها.
الأهم من كل ذلك أن المبادرة الأمريكية نفسها تستحق الاهتمام. فوفق ما نشرته وكالة رويترز، فإن الخرطوم وافقت على معظم بنود المقترح الأمريكي، مع تمسكها بشرط انسحاب قوات الدعم السريع من جميع المدن التي تسيطر عليها، بدلاً من الانسحاب الجزئي الذي ورد في المبادرة. وهذا يعني أن الخلاف يدور حول آليات التنفيذ وترتيباته، وليس حول مبدأ البحث عن تسوية سياسية في حد ذاته.
وتتضمن المبادرة هدنة إنسانية لمدة تسعين يوماً، تعقبها مفاوضات لوقف دائم لإطلاق النار، ثم عملية انتقال سياسي بقيادة مدنية، مع إصلاح القطاع الأمني وتوحيد الجيش وتنفيذ برامج نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج. وهي ملفات ظلت تمثل جوهر أي عملية سلام مستدامة.
ومن اللافت أن هذه التطورات تتقاطع مع ما كشفته دراسة ميدانية واسعة شملت مختلف ولايات السودان ودول اللجوء، والتي أظهرت أن 93.2 في المائة من السودانيين يؤيدون مفاوضات السلام، وأن أكثر من 74 في المائة يطالبون بوقف فوري لإطلاق النار. وهذه الأرقام تؤكد أن المزاج الشعبي بات أكثر ميلاً لإنهاء الحرب من أي وقت مضى، وأن خطاب التعبئة العسكرية لم يعد يعبر عن تطلعات أغلبية السودانيين.
ومن هنا تبرز أهمية لقاء الكباشي مع مسعد بولس. فالقيمة الحقيقية لهذا اللقاء لا تكمن في معرفة من كان على علم به، وإنما في كونه يعكس استمرار قنوات الاتصال السياسية رغم استمرار العمليات العسكرية، ويؤكد أن باب الحلول الدبلوماسية لم يُغلق بعد.
إن السودانيين لا ينتظرون بيانات النفي أو التأكيد بقدر ما ينتظرون مؤشرات حقيقية على اقتراب نهاية هذه الحرب. وإذا كان الكباشي قد حمل إلى القاهرة موقف الدولة السودانية، فإن السؤال الذي يهم ملايين النازحين واللاجئين وأسر الضحايا هو: هل حمل أيضاً آمالهم في السلام؟
السودانيون، يعنيهم أن يخرج من تلك اللقاءات ما يوقف نزيف الدم، ويحفظ وحدة البلاد، ويفتح الطريق أمام دولة مدنية مستقرة، يكون الجيش فيها جيشاً للوطن، لا ساحةً لصراعات التنظيمات أو رهينةً لأجندات الحرب.
فالسلام لم يعد ترفاً سياسياً، بل أصبح ضرورة وطنية لإنقاذ ما تبقى من الدولة السودانية، والاستجابة لإرادة شعب تشير كل المؤشرات إلى أنه سئم الحرب، ويريد أن يرى مستقبله يُكتب على طاولة التفاوض، لا في ساحات القتال.
فإذا كان لقاء القاهرة قد أعاد السلام إلى طاولة النقاش، فإن ذلك وحده كافٍ ليمنحه أهميته التاريخية، مهما حاولت حملات التشكيك أن تصنع من الحدث أزمة، ومن الأمل تهمة.

