مهدي داود الخليفة:
بينما يخوض السودان حرباً مدمرة تدخل عامها الرابع، ويواجه ملايين المواطنين الجوع والنزوح وانهيار الخدمات، اختارت رئاسة مجلس الوزراء أن تجعل من قضية راتب رئيس الوزراء أولوية تستحق بياناً رسمياً مطولاً، وأن تعلن في ختامه اللجوء إلى القضاء ضد إحدى المواطنات بسبب انتقاد وجهته لرئيس الوزراء.
كان السودانيون ينتظرون بياناً عن وقف الحرب، أو خطة عاجلة لإنقاذ الاقتصاد المنهار، أو معالجة الانهيار المتسارع للجنيه السوداني، أو رؤية واضحة لإعادة مؤسسات الدولة إلى مسارها الطبيعي. لكن يبدو أن معركة الحكومة اليوم لم تعد مع الحرب أو الفقر، وإنما مع مواطنة انتقدت رئيس الوزراء.
وهنا تكمن المفارقة.
فالدولة الواثقة من نفسها لا تدخل في معارك شخصية مع مواطنيها، ورئيس الوزراء الحقيقي لا يجعل من الدفاع عن سمعته الشخصية أولوية تتقدم على الدفاع عن وطن ينهار أمام أعين الجميع.
لقد حاول بيان مجلس الوزراء أن يبرر الإجراءات المتعلقة بتبرع الدكتور كامل إدريس براتبه، وهو أمر يظل شأناً شخصياً إذا تم وفق القانون. غير أن البيان أغفل حقيقة سياسية أكثر أهمية، وهي أن المسؤول العام لا يُقاس بما يتبرع به من راتبه، وإنما بما ينجزه في إدارة الدولة.
فالراتب لا يوقف حرباً، ولا يعيد نازحاً إلى منزله، ولا يثبت سعر العملة، ولا يوفر الدواء، ولا يفتح مدرسة أغلقت أبوابها بسبب القتال.
وإذا كانت رئاسة مجلس الوزراء قد اختارت أن تفتح ملف المرتبات والشفافية، فمن حق الرأي العام أن يطرح أسئلة أخرى لا تقل أهمية.
هل يتقاضى السيد رئيس الوزراء نثريات ومخصصات مالية خلال زياراته الخارجية؟
وما هي قيمة تلك النثريات؟
وهل تُعاد المبالغ غير المصروفة إلى خزينة الدولة؟
إن هذه الأسئلة ليست تشهيراً بأحد، ولا اتهاماً لأحد، وإنما تتعلق بإدارة المال العام، وهو حق أصيل للمواطنين في أي دولة تحترم مبادئ الشفافية والمساءلة.
لقد عرف السودانيون نماذج في إدارة المال العام، وكان من أشهرها الإمام الصادق المهدي، الذي كان يُعرف بإعادة ما يتبقى من نثريات السفر إلى خزينة الدولة، انطلاقاً من قناعته بأن المال العام ليس ملكاً للمسؤول، وإنما أمانة في عنقه. وإذا كانت الحكومة الحالية ترفع شعار النزاهة، فلا يوجد ما يمنعها من نشر تفاصيل استحقاقات كبار المسؤولين ونفقات سفرهم، حتى يكون الاحتكام إلى الحقائق لا إلى البيانات.
لكن القضية، في جوهرها، ليست قضية راتب ولا نثريات.
القضية هي أن رئيس الوزراء يبدو وكأنه انشغل بإدارة صورته الإعلامية أكثر من انشغاله بإدارة الدولة.
فمنذ تعيينه، لم يسمع السودانيون مشروعاً متكاملاً لإيقاف الحرب، ولم يروا مبادرة سياسية قادرة على جمع الفرقاء، ولم يلمسوا برنامجاً اقتصادياً يعالج الانهيار المتسارع، بينما توالت البيانات التي تدافع عن شخص رئيس الوزراء أو ترد على منتقديه.
وهذا يعيدنا إلى ما كتبناه عند تعيين الدكتور كامل إدريس، حين قلنا إن هذا المنصب أكبر من قامة الرجل السياسية.
لم يكن ذلك حكماً على سيرته الأكاديمية، وإنما توصيفاً لطبيعة المرحلة. فالسودان اليوم لا يحتاج إلى إداري ناجح فحسب، وإنما إلى رجل دولة يمتلك رؤية وطنية، وشرعية سياسية، وقدرة على إدارة التوافقات المعقدة في بلد تمزقه الحرب والانقسامات.
فالمنصب لا يصنع القائد، وإنما القائد هو الذي يمنح المنصب قيمته.
ولعل أكثر ما يثير القلق أن الحكومة أصبحت تنظر إلى النقد باعتباره خصومة، وإلى المساءلة باعتبارها إساءة، وإلى الأسئلة المشروعة باعتبارها قضية أمام المحاكم.
وهذه ليست لغة الحكومات الواثقة، وإنما لغة الحكومات التي تبدأ في الانشغال بالدفاع عن نفسها أكثر من انشغالها بالدفاع عن المواطنين.
إن رئيس الوزراء الذي يجد الوقت لإصدار البيانات دفاعاً عن راتبه، ولا يجد الوقت لإعلان برنامج واضح لإنهاء الحرب، إنما يرسل رسالة سياسية لا تخطئها العين: أن ترتيب الأولويات قد اختل.
ولذلك فإن السؤال الذي ينبغي أن يطرحه كل سوداني اليوم ليس: هل تبرع رئيس الوزراء براتبه؟
بل: ماذا قدم رئيس الوزراء للسودان منذ توليه المنصب؟
فالأوطان لا تُقاس بما يتبرع به المسؤولون من مرتباتهم، وإنما بما يحققونه من إنجازات لشعوبهم.
إن السودان لا يحتاج إلى حكومة تخوض معارك إعلامية مع المواطنين، بل يحتاج إلى حكومة تخوض معركة السلام، ومعركة الاقتصاد، ومعركة استعادة الدولة.
فالمنصب العام ليس وساماً للدفاع عنه، وإنما مسؤولية ثقيلة تُقاس بقدرة صاحبها على خدمة الوطن، لا بقدرته على الانتصار لنفسه.
ولهذا نكرر ما قلناه منذ اليوم الأول، و قد أثبتت الأيام انه لم يكن مجرد توصيف عابر:
حينما يكون اللقب أكبر من الحلم، وأصغر من الوطن، تصبح البيانات أكثر حضوراً من الإنجازات، ويصبح الرد على المواطنين أسهل من مواجهة أزمات البلاد.

