مهدي داود الخليفة:
يمر حزب الأمة القومي اليوم بواحدة من أدق المحطات في تاريخه الممتد منذ أكثر من ثمانين عامًا. وهي ليست أزمة تنظيمية عابرة، ولا خلافًا بين أشخاص، وإنما أزمة تمس طبيعة الدور الذي ظل الحزب يضطلع به منذ أن كان أحد أعمدة الحركة الوطنية، وشريكًا أصيلًا في صناعة استقلال السودان، وقائدًا لمسيرة النضال من أجل الديمقراطية والحريات.
لقد كان حزب الأمة، على امتداد تاريخه، أكبر من قياداته، وأوسع من تنظيمه، لأنه كان يمثل فكرة وطنية قبل أن يكون مؤسسة حزبية. فلم يكن تابعًا لحاكم، ولا ملحقًا بقوة عسكرية، ولا رهينة لمشروع خارجي، وإنما ظل يقود الركب الوطني، مستندًا إلى جماهيره وإرثه السياسي وإيمانه بالديمقراطية والتداول السلمي للسلطة.
واليوم، يجد أبناء الحزب أنفسهم أمام واقع مؤلم؛ فقد أصبح الحزب، في نظر كثيرين، مختطفًا بين قيادات اصطف بعضها مع هذا الطرف من أطراف الحرب، بينما اصطف البعض الآخر مع الطرف المقابل، حتى غاب الصوت الوطني المستقل الذي طالما ميّز حزب الأمة عن غيره من القوى السياسية.
إن أخطر ما أصاب الحزب ليس الانقسام في حد ذاته، وإنما اختزال الحزب في الأشخاص، وتحويل مؤسسة وطنية عريقة إلى ساحة للتنافس بين القيادات، بينما يدفع الوطن كله ثمن الحرب والانقسام.
لقد قدم حزب الأمة آلاف الشهداء والمعتقلين والمناضلين دفاعًا عن السودان، ولم يقدم تلك التضحيات حتى يصبح تابعًا لهذا المعسكر أو ذاك. فمن الاستقلال، إلى ثورة أكتوبر، إلى انتفاضة أبريل، ظل الحزب في مقدمة القوى الوطنية التي تؤمن بأن الشرعية تُستمد من الشعب، لا من فوهة البندقية.
ولذلك فإن انحياز أي قيادة حزبية إلى أحد أطراف الحرب لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره موقفًا للحزب كله، لأن الحزب أكبر من قياداته، ولأن إرثه السياسي أوسع من اجتهادات الأفراد، مهما علت مواقعهم.
إن السودان اليوم لا يحتاج إلى أحزاب تُضيف رقمًا جديدًا إلى معادلة الاستقطاب، وإنما يحتاج إلى أحزاب تستعيد دورها التاريخي في صناعة السلام، وجمع الصف الوطني، والبحث عن حلول توقف نزيف الدم وتحفظ وحدة البلاد.
لقد أخطأت القيادات التي جعلت خلافاتها الشخصية تتقدم على مصلحة الحزب، وأخطأت أكثر حين جعلت الحزب جزءًا من الاستقطاب العسكري، بينما كان الواجب الوطني يقتضي أن يبقى حزب الأمة على مسافة واحدة من جميع أطراف الحرب، وأن يكون منحازًا فقط إلى السودان وشعبه.
غير أن النقد، مهما كان مشروعًا، لا ينبغي أن يتحول إلى دعوة لمزيد من الانقسام، لأن ما تبقى من الحزب يجب الحفاظ عليه، وما تبقى من الوطن أولى بالحماية.
ولهذا، فإن الدعوة إلى عقد مؤتمر استثنائي شامل، رغم وجاهتها من الناحية الدستورية والتنظيمية، تبدو في الظروف الراهنة صعبة التنفيذ، في ظل الحرب، وتشتت عضوية الحزب بين الداخل والخارج، وتعذر انعقاد المؤسسات بصورة حرة وآمنة.
ومن ثم، فإن البديل الأكثر واقعية هو أن يتداعى أبناء الحزب المعروفون بالاستقامة، والنزاهة، والحكمة، والقبول الواسع داخل مؤسسات الحزب وخارجه، لتكوين مجلس للحكماء والإصلاح، لا يكون بديلاً عن المؤسسات الدستورية، ولا منافسًا لها، وإنما هيئة أخلاقية ووطنية تضطلع بعدة مهام أساسية.
أولًا، فتح قنوات الحوار مع جميع الأطراف داخل الحزب، بعيدًا عن لغة الإقصاء والتخوين.
ثانيًا، تقديم النصح الصادق للقيادات كافة، وتذكيرها بأن الحزب ملك لأجيال متعاقبة، وليس ملكًا لأشخاص مهما كانت مكانتهم.
ثالثًا، صياغة بدائل عملية تعيد الحزب إلى موقعه الطبيعي كحزب وطني مستقل لا ينحاز إلا لمصلحة السودان.
رابعًا، العمل على تهيئة الظروف لعقد مؤتمر عام جامع فور انتهاء الحرب أو توافر الظروف التي تسمح بمشاركة حقيقية لكل عضوية الحزب.
أما إذا أغلقت جميع أبواب الإصلاح، وأصرت القيادات المتنازعة على الاستمرار في احتكار القرار، فإن من حق قواعد الحزب، بل من واجبها، أن تبحث عن الوسائل التنظيمية المشروعة التي تحفظ الإرث التاريخي للحزب، وتصون استقلال قراره، وتمنع ضياع مؤسساته بين محاور الصراع.
إن الشرعية الحقيقية لأي قيادة لا تستمد من موقعها التنظيمي وحده، وإنما من قدرتها على حماية وحدة الحزب، وصيانة مؤسساته، والانتصار لمصلحة الوطن.
لقد أثبت تاريخ السودان أن الأحزاب التي تنحاز للوطن تبقى، أما التي تنحاز للأشخاص أو للسلاح فإنها تفقد رسالتها قبل أن تفقد جماهيرها.
ويبقى حزب الأمة القومي، رغم كل ما أصابه، أحد أهم ركائز الحياة السياسية السودانية، وقادرًا على استعادة مكانته متى ما عاد إلى المبادئ التي قام عليها، واستعاد استقلال قراره، ورفع راية السلام والديمقراطية فوق كل راية أخرى.
إن اللحظة الراهنة ليست لحظة انتصار فريق على فريق، بل لحظة إنقاذ حزب يمثل جزءًا من ذاكرة السودان الوطنية.
فحزب الأمة لم يكن يومًا حزبًا لطائفة أو لقيادة بعينها، بل كان مشروعًا وطنيًا كبيرًا، وسيظل كذلك ما دام فيه رجال ونساء يؤمنون بأن:
الحزب أكبر من الأفراد… والمؤسسات أبقى من القيادات… والسودان سيظل دائمًا فوق الجميع.
وفي ختام هذا المقال، يحسن بنا أن نستحضر إحدى القيم التي ظل الإمام الصادق المهدي يدعو إليها في مسيرته السياسية، ومؤداها أن مصلحة الوطن يجب أن تعلو على كل اعتبار حزبي أو شخصي، وهو ما يُلخَّص في المقولة التالية:
ًًًان هذا المعنى يجسد جوهر المدرسة الوطنية التي قام عليها حزب الأمة القومي، ويربط دعوة الإصلاح اليوم بإرثه الفكري والسياسي العريق، الذي جعل من الوطن البوصلة، ومن الديمقراطية والمؤسسية والسلام ركائز للعمل العام. فالأحزاب تبقى قوية بقدر وفائها لمبادئها، أما الأوطان فلا تُبنى إلا حين تتقدم المصلحة الوطنية على المصالح الشخصية والتنظيمية الضيقة.
ومن هنا، فإن المسؤولية التاريخية الملقاة على عاتق أبناء وبنات حزب الأمة المخلصين تقتضي العمل على استعادة الحزب لدوره الريادي كقوة وطنية مستقلة، تقف على مسافة واحدة من جميع أطراف الصراع، وتنحاز إلى السلام، ووحدة السودان، وإرادة شعبه، وفاءً لتاريخه، وصونًا لمستقبله، وإيمانًا بأن الحزب أكبر من الأفراد، وأن الوطن سيظل دائمًا فوق الجميع.

