مقالاتالسودان

السودان والنفق المظلم .. إلى أين يتجه السودان بعد 1200 يوم من الحرب؟

لم يعد السؤال من انتصر ومن انهزم.. ما الذي تبقى من الأحلام .. وما هو السودان الذي يستحقه السودانيون ؟

 

د. عادل سهل

أستاذ في جامعة قطر:

في اليوم الألف والمئتين للحرب، يستيقظ السوداني كل صباح على السؤال نفسه: إلى متى؟ ويستقبله الخبر نفسه: قتيلٌ جديد، ونازحٌ جديد، ومدينةٌ تُفرَّغ من أهلها، كأن الزمن توقّف عند لحظة الانفجار الأولى، ولم يتحرّك بعدها.

بين طلقةٍ وأخرى، وبين بيانٍ وآخر، تآكلت الخرطوم وكل مدن السودان، وتفتّتت الأسر على طرقات النزوح، حتى اختصر الوطن نفسه في حقائب صغيرة يحملها المتعبون على ظهورهم، وصار الليل أطول من أن يُقاس بالساعات، بينما ينام أكثر من ثلث السودانيين اليوم بين خيمةٍ مؤقتة، وحدودٍ مفتوحة، ومجهولٍ لا ينتهي.

أنا هنا اليوم لا أكتب باسم الجنرالات، ولا باسم البيانات العسكرية، ولا أدّعي امتلاك الحقيقة الكاملة؛ فالحقيقة الكاملة دفنتها هذه الحرب مع كثيرٍ من أبنائها. بل أكتب بصوت مواطنٍ سودانيٍ شريف، يحب السِّلم قبل الشعارات، ويحلم بوطنٍ آمن قبل الكراسي والمناصب؛ مواطنٍ يؤمن أن الدم السوداني أغلى من كل “مشروع” سياسي، وأن الوطن لا يُبنى على جثث أبنائه، ولا على أنقاض الطفولة والجوع والدمار.

هذا ليس مقالاً عن الحرب، بقدر ما هو شهادة ضمير إنساني بعد 1200 يوم من النار؛ شهادةٌ عن الثمن الذي دفعناه، وعن الإنسان الذي قاوم فينا كي يبقى إنساناً، وعن السودان الذي ضاع من بين أيدينا، والسودان الذي ما زلنا نستحقه إذا اصطففنا حول السلام والعدالة والوحدة، واخترنا أن نقف في صف الحياة… لا في صف البنادق.

ثمن الــ 1200 يوم:

بعد ألفٍ ومئتي يوم، لم تعد الحرب حدثاً سياسياً يُتابَع في نشرات الأخبار، بل أصبحت أسلوب حياةٍ فرض نفسه على ملايين السودانيين. وطنٌ كاملٌ تعلّم أن يحصي أيامه بعدد الغائبين، لا بعدد الساعات، وأن يقيس الزمن بمواسم النزوح، لا بتقويم الأعوام.

خلال هذه الأيام الألف والمئتين، لم يخسر السودان مبانيه وحدها، بل خسر شيئاً أشد قسوةً: الإحساس بالأمان. صار الخوف رفيق الصباح، والقلق ضيف المساء، وأصبحت أبسط تفاصيل الحياة اليومية ــ ماء، ودواء، ورغيف، ومدرسة ــ أحلاماً مؤجلةً عند ملايين الأسر.

في 1200 يوم فقط، تحوّل السودان إلى واحدةٍ من أكبر ساحات الألم في هذا العالم؛ حربٌ بدأت كاشتباكٍ مسلح، ثم تحولت إلى حرب استنزافٍ طويلة، يدفع المدنيون كلفتها كاملةً، بينما توزّع آلاف القتلى والجرحى بين مقابر جماعية، ومستشفياتٍ متهالكة، وطرقاتٍ لا تصلها سيارات الإسعاف.

لم تكن الحرب معركةً على الأرض فقط، بل كانت أكبر عملية اقتلاعٍ للناس من بيوتهم في تاريخ السودان الحديث؛ إذ اضطر نحو ثلث السودانيين إلى النزوح داخل البلاد أو خارجها، فتحوّل أكثر من تسعة ملايين إنسان إلى نازحين في الداخل، بينما عبر ملايين آخرون الحدود، يحملون معهم ما تبقّى من ذكريات وطن، ويتركون خلفهم بيوتاً لا يعلمون إن كانوا سيعودون إليها يوماً.

وأصبح عشرات الملايين محتاجين إلى المساعدة الإنسانية، يعيشون بين خيمةٍ مؤقتة، وطريق هجرة، وطوابير غذاءٍ لا تنتهي، بينما تُقصف البنية التحتية، وتُنهب المستشفيات، وتُغلق المدارس أو تتحول إلى مراكز إيواء، ليصبح العام الدراسي عنواناً مفقوداً في حياة جيلٍ كامل.

أما النظام الصحي، فيكاد يلفظ أنفاسه الأخيرة؛ مستشفيات خرجت من الخدمة، وأوبئةٌ تتفشى في المعسكرات، ونساءٌ حوامل يُنجبن الحياة على حافة الموت، في بيئةٍ بلا حدٍ أدنى من الأمان الطبي، حتى بدا أن كل ولادةٍ معركة، وكل حبة دواءٍ غنيمة، بينما تُترك الأمراض القابلة للعلاج لتفعل ما تشاء بأجساد الفقراء. وفي وطنٍ يمرض كله، تصبح النجاة امتيازاً، لا حقاً.

والاقتصاد، الذي كان مثقلاً بالأزمات قبل الحرب، سقط هو الآخر على ركبتيه؛ مزارع بلا موسم، ومصانع بلا كهرباء، وأسواق بلا أمن، ووظائف تقلّصت، ودخول انهارت، لتنزلق البلاد من لغة الخطط والبرامج إلى لغة النجاة اليومية. ترتفع الأسعار كأنها جزءٌ من ترسانة الحرب، ويتراجع الجنيه، وتتسع أنشطة البقاء على حساب أنشطة التنمية. وحين تتحول ميزانية الدولة إلى ميزانية حرب، تصبح التنمية أول الضحايا، ويصبح الفقر هو الجنرال الذي لا ينهزم.

هذا الثمن الفادح لم يدفعه طرفٌ عسكري بعينه، بل دفعه المواطن الأعزل؛ الأمهات في طوابير الخبز، والأطفال في طوابير المياه، والشيوخ في طوابير الدواء، والشباب بين خيار الهجرة، أو حمل السلاح، أو العطالة في بلادٍ ضاق أفقها. ثمنٌ لا يمكن أن يُسجَّل في دفاتر المحاسبة، لأنه كُتب في قلوب الأمهات، وعيون الأطفال، وذاكرة وطنٍ أنهكته الحروب أكثر مما يحتمل.

بالأرقام…

القتلى والجرحى:

تشير تقديرات منظماتٍ دولية إلى أن عدد القتلى، بعد عامٍ واحد فقط من اندلاع الحرب، ربما بلغ نحو  150 ألف قتيل، إضافةً إلى آلاف الجرحى الذين فقد كثيرٌ منهم أطرافهم أو أصيبوا بإعاقاتٍ دائمة، ما يعني جيلاً كاملاً يحمل آثار الحرب في جسده وروحه.

وفي المقابل، تحدثت تقديراتٌ أخرى عن أرقامٍ أكبر بكثير، بسبب صعوبة التوثيق وانهيار مؤسسات الإحصاء في مناطق القتال. لكن الجميع يكاد يتفق على حقيقةٍ واحدة: أن العدد الحقيقي للضحايا أكبر بكثير مما استطاعت الأرقام أن توثقه حتى الآن.

الأطفال:

كان الأطفال هم الخاسر الأكبر في هذه الحرب.

فقد خرج ملايين الأطفال من مدارسهم، وتحول كثيرٌ منهم إلى نازحين أو لاجئين يعيشون في معسكراتٍ تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة والتعليم، حتى وُلد ما يمكن أن نسميه جيل المخيمات؛ جيلٌ لم يعرف من الوطن إلا الخيمة، والطابور، وصوت الإغاثة.

كما ارتفع عدد المحتاجين إلى المساعدة الإنسانية من نحو 16  مليوناً قبل الحرب إلى حوالي   28  مليوناً، يشكل النساء والأطفال النسبة الأكبر منهم، لتصبح الطفولة هي التي تدفع الفاتورة الأفدح.

النزوح واللجوء:

وصفت الأمم المتحدة أزمة النزوح في السودان بأنها الأكبر في العالم حالياً؛ إذ اضطر نحو 14 مليون شخص إلى الفرار من ديارهم، بينهم قرابة 9  ملايين نازح داخل البلاد، وأكثر من  4.4 ملايين لاجئ عبروا الحدود إلى دول الجوار.

ولم يكن النزوح مجرد انتقالٍ من مكانٍ إلى آخر، بل كان اقتلاعاً للحياة نفسها؛ أسرٌ تمزقت، وقرىً فرغت من أهلها، ومدنٌ تحولت إلى أشباح.

التعليم:

توقفت الدراسة في عددٍ كبير من المدارس والجامعات، وضاعت سنواتٌ كاملة من عمر مئات الآلاف من الطلاب، لتنشأ فجوةٌ تعليمية ستظل آثارها تمتد لعقود.

وفي كثيرٍ من المناطق، تحولت المدارس إلى مراكز إيواء، فأصبح الفصل الدراسي سريراً، والسبورة بطانيةً معلقة، والمعلم متطوعاً يبحث عن لقمة العيش.

الصحة:

تعرضت المرافق الصحية لمئات الهجمات، وخرج عددٌ كبير من المستشفيات عن الخدمة، بينما ارتفعت الحاجة إلى الرعاية الطبية بصورة غير مسبوقة.

وأصبح المرض الذي كان يمكن علاجه سبباً في الموت، وأصبحت الولادة مغامرةً، والجراحة رفاهيةً لا يملكها إلا القليل.

الاقتصاد:

عطلت الحرب قطاعات الإنتاج الرئيسة، من الزراعة إلى الصناعة والطاقة، وألحقت بالاقتصاد خسائر بمليارات الدولارات، مع تراجعٍ كبير في الإيرادات والصادرات.

وارتفعت معدلات الفقر والبطالة بصورةٍ حادة، وتحولت كثيرٌ من الأسر إلى أنشطةٍ هشة للبقاء، بينما انهارت مؤسسات، وتوقفت “مشروعات حلم” كان السودانيون يعقدون عليها آمال الخروج من أزماتهم.

الإنسان السوداني:

لو كانت الحروب تُقاس بما تهدمه فقط، لكان السودان قد خسر كل شيء. لكن الحروب تُقاس أيضاً بما تعجز عن هدمه، وهنا تبدأ حكاية الإنسان السوداني.

فعلى امتداد ألفٍ ومئتي يوم، وبين الدخان والركام وصفارات الإنذار، ظل السوداني يحاول أن ينتصر لإنسانيته قبل أن ينتصر لنفسه. لم ينتظر مؤسساتٍ غابت، ولا دولةً أنهكتها الحرب، بل ابتكر من قلب المحنة أشكالاً جديدةً للحياة، كأن الفطرة السودانية كانت تقول في كل صباح: إذا تعثرت البلاد، فلا ينبغي أن يتعثر الإنسان.

في المدن والقرى والأحياء البعيدة، وُلدت آلاف القصص الصغيرة، لكنها كانت أكبر من الحرب نفسها؛ قصصٌ لم تتصدر نشرات الأخبار، ولم تُوثقها كاميرات الفضائيات، لكنها حفظت ما تبقى من روح السودان، وأثبتت أن القيم قد تنحني تحت القصف، لكنها لا تنكسر.

تحولت بيوت السودانيين إلى وطنٍ مصغر. ينام أصحاب الدار في غرفةٍ واحدة، ويتركون بقية الغرف لأسرٍ نزحت من الجحيم، وتقاسمت العائلات اللقمة، والبطانية، والماء، والمساحة الضيقة، حتى صار الغريب فرداً من الأسرة، وصار البيت السوداني أكبر من جدرانه. وكأن السودان، في غياب الدولة، أعاد اكتشاف نفسه بوصفه بيتاً كبيراً يسع الجميع.

وفي الأحياء، أعاد الناس تنظيم حياتهم بأيديهم. اجتمع الجيران ليقسموا الخبز والماء، وينقلوا المرضى تحت أصوات الرصاص، ويقيموا مطابخ جماعية، ويبتكروا “دكاكين الثقة”، حيث تُكتب الديون بأسماء الناس لا بأسماء الحسابات. هناك، لم تكن الثقة ضماناً مالياً، بل كانت رأس المال الحقيقي، وبقي معنى “الجار” أقوى من معنى “السلطة”.

وفي معسكرات النزوح، حيث كان البرد يسبق الليل، حمل بعض الشباب سبورةً قديمة، وجلسوا تحت ظل شجرةٍ يعلمون الأطفال الحروف، كأنهم يعلنون للحرب أن المستقبل لا يزال يستحق المحاولة. وعلى الجانب الآخر، وقفت النساء في الصف الأول للصمود؛ يطبخن لمئات النازحين، ويخطن الملابس من بقايا الأقمشة، وينظمن حملات التوعية الصحية، ويصنعن من أقل الإمكانات حياةً تحفظ للناس شيئاً من الكرامة.

لم تكن تلك المواقف أعمالاً بطوليةً استثنائية، بل كانت السلوك اليومي لإنسانٍ رفض أن تسمح الحرب له بأن يفقد مروءته. وحين غابت مؤسسات الدولة، قامت منظومةٌ أخرى أساسها التكافل، لا القوانين؛ دولةٌ غير مكتوبة، دستورها الشهامة، وعملتها الثقة، وحدودها كل بيتٍ فتح بابه لمحتاج.

وهكذا أثبت الإنسان السوداني أن البلد لا يُقاس فقط بما تهدمه الحرب من مبانٍ، بل بما يبقى فيه من أخلاق. فطالما بقيت هذه القيم حيّة، فإن في السودان متسعاً لسلامٍ عادل، ولنهضةٍ جديدة، مهما طال ليل الحرب.

قصص الصمود:

لم تتوقف الحياة رغم القصف. ففي مدنٍ وقرى كثيرة، أعاد الناس فتح الأسواق، وأقاموا الأعراس، وودعوا موتاهم، واستقبلوا مواليدهم، وأصروا على أن تستمر الحياة، كأنهم يقولون للحرب: لن نؤجل الحياة حتى تنتهي البنادق.

وفي دارفور، وكردفان، والجزيرة، وولاياتٍ أخرى، ظهرت حكايات رجالٍ ونساءٍ خاطروا بحياتهم لحماية جيرانهم، وأخفوا أسراً مهددةً بالقتل أو الانتهاكات، بعيداً عن الأضواء، ومن دون انتظار شكرٍ أو تكريم.

التكافل:

اتسعت شبكات التكافل الشعبي بصورةٍ لافتة؛ أقارب يرسلون المال من المنافي، وجيران يجمعون الطعام والدواء ويوزعونه على الأسر الأشد حاجة، ومساجد وكنائس ومدارس فتحت أبوابها لتكون مراكز دعمٍ إنساني قبل أن تكون دور عبادة وتعليم.

ولم يكن التكافل مادياً فقط، بل كان عاطفياً أيضاً؛ اقتسام البيوت، ورعاية الأطفال، واحتضان الغرباء، حتى أصبح كثيرٌ من النازحين يشعرون أنهم بين أهلهم، لا في منفى داخل وطنهم.

المبادرات الإنسانية:

ومن قلب الأزمة، ولدت عشرات المبادرات الشبابية؛ فرقٌ لإجلاء العالقين، وأطباء متطوعون أقاموا عياداتٍ ميدانية، ومعلمون أعادوا فتح فصولٍ دراسية تحت الأشجار، بلا كتبٍ ولا مقاعد، لكن بإيمانٍ عميق بأن التعليم مقاومة، وأن المعرفة شكلٌ آخر من أشكال حماية الوطن.

وكانت المرأة السودانية، كما كانت دائماً، في مقدمة الصفوف؛ تدير المطابخ الجماعية، وتقود حملات التوعية، وتخيط الملابس، وتنظم قوافل الإغاثة، وتمنح المجتمع قوةً هادئةً لم تكن تقل أهميةً عن أي جهدٍ آخر.

النماذج المضيئة:

وبرزت نماذج تستحق أن تُروى للأجيال؛ طلابٌ وشباب تطوعوا في المشافي وفي مواقع القصف والضرب لم يخيفهم الرصاص ولم تكسرهم البندقية، ومهندسون أعادوا تشغيل محطات المياه والكهرباء في ظروفٍ شديدة الخطورة، ورجال آمنوا بان هذه الحرب عبثية، فكل سوداني اخ للسودان فوقفوا ضد خطاب الكراهية، وأصروا على أن يبقى الوطن جسراً للمحبة، لا وقوداً للصراع.

السودان الذي ضاع:

في كل يومٍ من الأيام الألف والمئتين، لم يكن السودان يخسر أرواحاً فقط، بل كان يخسر فرصةً جديدة. مشروعٌ يتوقف، ومدرسةٌ تُغلق، وموسمٌ زراعي يُجهض، واستثمارٌ يرحل، وجسرٌ كان يمكن أن يصل بين الأقاليم يتحول إلى خط نار.

لم تكن السنوات الثلاث الماضية مجرد زمنٍ للحرب، بل كانت زمناً ضاع فيه مستقبلٌ كامل. كان يمكن أن تُبنى خلالها مئات المدارس والمستشفيات، وأن تُشق الطرق، وتُستصلح الأراضي، وتُخلق فرص العمل، ويُستكمل الانتقال نحو دولة القانون والمؤسسات. لكن البنادق اختارت طريقاً آخر، فجمّدت مشاريع التنمية.

وفي الاقتصاد، ضاعت فرصة تحويل الموارد الهائلة إلى تنميةٍ حقيقية. كان يمكن للزراعة والصناعة والطاقة أن تصبح محركاتٍ للنمو، لكن الموارد استُنزفت في الحرب، فتحول ملايين السودانيين من منتجين إلى محتاجين، ومن بناة مستقبلٍ إلى باحثين عن قافلة إغاثة.

أما السياسة، فقد أهدرت فرصةً نادرةً لبناء عقدٍ اجتماعي جديد بعد ثورة ديسمبر، وتحولت الآمال بدولةٍ مدنيةٍ عادلة إلى واقعٍ يطغى عليه السلاح، والاستقطاب، وتعدد مراكز القوة.

وعلى المستوى الإنساني، كانت الخسارة أكثر إيلاماً؛ شابٌ كان ينتظر شهادة تخرجه أصبح ينتظر تأشيرة خروج، وفتاةٌ كانت تحلم بوظيفة أصبحت تحلم بسريرٍ آمن، وأمٌ كانت تخطط لمستقبل أبنائها صارت تحصي مرات نجاتهم من الرصاص والجوع.

إن السودان الذي ضاع ليس مجرد مبانٍ مهدمة أو مؤسساتٍ متوقفة، بل هو مجموع الأحلام التي تأجلت، والثقة التي تكسرت، والإحساس الذي فقده المواطن بأن دولته قادرة على حمايته.

ومع ذلك…

فإن هذا الفصل ليس مرثيةً للوطن، بل شهادةٌ على حجم ما فقدناه، حتى ندرك حجم ما ينبغي أن نبنيه. فمن يعرف قيمة ما ضاع، سيكون أقدر على حماية ما سيولد من جديد.

1200  يوم… كان يمكن أن تصنع وطناً آخر:

لو لم تُستهلك هذه الأيام الألف والمئتان في الحرب، لكان السودان اليوم يقف في مكانٍ مختلف تماماً. لم يكن الوقت قليلاً، ولم تكن الإمكانات معدومة، بل كانت البلاد تملك من الموارد الطبيعية، والثروات، والطاقات البشرية، ما يكفي ليجعل هذه السنوات بداية نهضةٍ حقيقية، لا بداية واحدةٍ من أكبر المآسي في تاريخها الحديث.

كان يمكن خلال هذه السنوات أن تُبنى مئات المدارس، وأن تُؤهَّل المستشفيات، وأن تُشق الطرق، وأن تعود المشاريع الزراعية الكبرى إلى الحياة، وأن يجد الشباب فرصاً للعمل والإبداع بدل أن يجدوا أنفسهم بين خنادق القتال، أو في معسكرات النزوح، أو على طرقات الهجرة.

وكان يمكن أن تتحول موارد السودان الهائلة إلى مصانع، ومزارع، وجامعات، ومراكز أبحاث، وأن يصبح اقتصادنا واحداً من أكثر اقتصادات المنطقة قدرةً على النمو، لو أن المال الذي أُنفق على الحرب أُنفق على الإنسان.

“عندما فازت إسبانيا بكأس العالم… بكيت على السودان “

هذا كان عنوان لمقال كتبته قبل عدة أيام، عندما انتهى مونديال كأس العالم، والآن أعلن مجدداً أنه لم يكن بكائي على فوز إسبانيا، بل على ما كان يستطيع ان يفعله السودان إذا تفرغ للبناء، ليبلغ ما بلغته الأمم التي انتصرت للتعليم، والرياضة، والبحث العلمي، والاستقرار، بدل أن تُستنزف في الحروب.

واليوم، بعد مرور ألفٍ ومئتي يوم على هذه الحرب، أعود إلى الفكرة نفسها، ولكن بوجعٍ أكبر. لقد سرقت منا هذه الحرب أكثر من الأرواح؛ سرقت الزمن نفسه. ولو لم تكن هذه الأيام الألف والمئتان كئيبةً وبغيضةً على كل السودانيين، لفرحنا، نحن أيضًا، أضعاف الفرح الذي غمر السودانيين وهم يشاهدون إسبانيا تتوج بكأس العالم.

ولعل بين أطفال السودان، الذين مزقت الحرب دفاترهم وشتتت مدارسهم، من كان يمكن أن يصبح لاعباً يقود منتخب بلاده إلى منصات التتويج، أو عالماً يرفع اسمها في مختبرات العالم، أو طبيباً، أو مهندساً، أو أديباً، أو مخترعاً يغيّر حياة الملايين. فما تصنعه الحروب ليس قتل الحاضر فقط، بل اغتيال المستقبل قبل أن يولد.

ولربما، لو كُتبت لهذه السنوات وجهةٌ أخرى، لرأينا السودان حاضراً في مثل تلك المحافل العالمية، لا متفرجاً يصفق لنجاحات الآخرين، بل منافساً بينهم، يحمل علمه بثقة، ويقف بين الكبار بما يملكه من عقولٍ لا تقل ذكاءً، ولا مواهب تقل إبداعاً، ولا موارد تقل غنىً عن كثيرٍ من الأمم التي سبقتنا لأنها اختارت البناء، بينما فرضت علينا السياسة والحروب أن نظل نطارد البدايات.

إن أكثر ما يؤلم في هذه الحرب أنها لم تسرق ما كان بين أيدينا فحسب، بل سرقت أيضاً ما كان يمكن أن يكون. والتاريخ لا يكتب فقط ما وقع، بل يكتب أيضاً الفرص التي أضاعتها الأمم بأيديها؛ فبعض الأمم خسرت حروباً ثم ربحت المستقبل، أما نحن فما زال أمامنا الوقت حتى لا نخسر الاثنين معاً.

“فحقاً، حين بكيت يوم فازت إسبانيا بكأس العالم، لم أبكِ لأن إسبانيا رفعت الكأس، فقد استحقتها بعملها وكدها وجهدها، لكني بكيت لأن السودان، بكل ما يملكه من إنسانٍ ومواردٍ وتاريخ، ظل يرفع قوائم الضحايا، بينما كانت أممٌ أخرى ترفع كؤوس الإنجاز.”

السودان الذي يستحقه السودانيون:

بعد ألفٍ ومائتي يومٍ من الحرب، لا يعود السؤال: من انتصر؟ بل يصبح السؤال الوحيد الذي يستحق أن نجيب عنه هو:

أيُّ سودانٍ نريد؟

ليس السودان الذي انتصر فيه طرفٌ على آخر، بل السودان الذي ينتصر فيه الجميع على الحرب نفسها.

فنحن لا نكتب عن الخراب لنُقيم فيه، ولا نستعرض المأساة لنعتادها، وإنما نكتب لأننا نؤمن أن الشعوب التي تعرف حجم خسارتها، تكون أقدر على معرفة الطريق إلى نهوضها.

إن السودان الذي يستحقه السودانيون لا يبدأ من توقيع اتفاقٍ سياسي، بل يبدأ من إعادة الاعتبار للإنسان السوداني نفسه؛ للطفل الذي حُرم من مدرسته، وللأم التي فقدت أبناءها، وللشاب الذي استبدل أحلامه بحقيبة نزوح، وللمزارع الذي ينتظر أن يعود إلى أرضه أكثر مما ينتظر أيَّ خطابٍ سياسي.

نستحق دولةً لا تكون فيها البندقية الطريق الأقصر إلى السلطة، ولا الحرب الوسيلة الوحيدة لحل الخلافات، ولا القبيلة بديلاً عن المواطنة، ولا الجهة بديلاً عن الوطن.

نستحق دولةً يحكمها القانون، ويحتكم الجميع فيها إلى صندوق الاقتراع لا إلى فوهة السلاح، ويصبح الجيش فيها حارساً للحدود، لا طرفاً في صراعٍ سياسي، وتكون كل قوةٍ مسلحة جزءاً من مؤسسات الدولة، لا بديلاً عنها.

نستحق سلاماً لا يقوم على هدنةٍ مؤقتة، وإنما على مصالحةٍ شجاعة تعترف بالضحايا، وتنصف المظلومين، وتحاسب المجرمين، وتُغلق باب الثأر حتى لا يرث الأبناء حروب الآباء.

ونستحق اقتصاداً يجعل الزراعة مشروعاً وطنياً، لا مجرد قطاعٍ إنتاجي؛ فهذه الأرض التي أكرمها الله بالنيل والأمطار والمراعي والذهب والثروة الحيوانية، لا يجوز أن يبقى أهلها في طوابير الإغاثة، بينما يستطيع السودان أن يكون واحداً من أهم المنتجين للغذاء في إفريقيا والعالم.

ونستحق تعليماً يُعيد تشكيل الإنسان السوداني من جديد؛ مدارس تُفتح بدلاً من المعسكرات، وجامعات تُخرّج العلماء بدل أن تُخرّج دفعاتٍ جديدة من النازحين، ومناهج تُعلّم أبناءنا كيف يختلفون دون أن يكرهوا بعضهم، وكيف يتنافسون دون أن يقتتلوا.

ونستحق أن يكون الشباب وقود التنمية لا وقود الحرب؛ أن يجد الشاب فرصته في مصنعٍ أو مزرعةٍ أو شركةٍ أو مختبرٍ أو جامعة، لا في خندقٍ أو نقطة تفتيش أو معسكر نزوح.

ونستحق إعلاماً يصنع الأمل أكثر مما يصنع الكراهية، وسياسةً تُدير الاختلاف ولا تُدير الأزمات، وثقافةً تعيد للسودانيين صورتهم التي عرفهم بها العالم: شعباً مضيافاً، متسامحاً، كريم الخلق، واسع القلب.

لقد علّمتنا الحرب أن الأوطان لا تُحفظ بالقوة وحدها، وإنما تُحفظ أيضاً بالعدالة، وبالثقة، وبالشعور المشترك بأن لكل مواطن مكاناً محترماً تحت راية الوطن.

ولهذا فإن السودان الذي نستحقه ليس حلماً مستحيلاً، بل مشروعاً ينتظر شجاعة البداية.

ولعل أكبر درسٍ بعد ألفٍ ومائتي يوم من الحرب، أن الشعوب لا تُقاس بعدد معاركها، وإنما بعدد المرات التي استطاعت فيها أن تنهض من تحت الركام.

ولذلك فإن أكبر انتصارٍ يمكن أن يحققه السودانيون اليوم، ليس أن يكسب فريقٌ الحرب، وإنما أن يكسب السودان السلام.

فالأوطان العظيمة لا تُبنى حين يسكت الرصاص فقط، وإنما حين تعود القلوب لتؤمن أن الغد يستحق أن نعيش من أجله.

سلامٌ يعيد للوطن روحه:

السلام الذي يستحقه السودانيون ليس مجرد وقفٍ لإطلاق النار، ولا هدنةٍ مؤقتة تنتظر أول شرارة لتنهار، بل عقدٌ اجتماعي جديد يعترف بكل مكونات السودان، ويُخضع السلاح لسلطةٍ سياسيةٍ مدنيةٍ منتخبة، ويجعل حماية المدنيين وكرامتهم أساساً لأي مشروع وطني.

إنه سلامٌ يحوّل تنوع السودان من سببٍ للصراع إلى مصدرٍ للقوة، ومن لعنةٍ استغلها السياسيون إلى ثروةٍ تبني التعايش والازدهار.

تنمية تُداوي ما هدمته الحرب:

لن يكون الإعمار الحقيقي في إعادة بناء الجدران وحدها، بل في جبر ضرر الإنسان أولاً؛ بتعويض المتضررين، وإعادة الخدمات الأساسية إلى المدن والقرى، وإحياء ما انقطع من حياة الناس.

ثم تأتي التنمية المستدامة التي تعيد الاعتبار للريف والمناطق المهمشة، وتربط الاقتصاد الوطني بمصالح المواطنين اليومية، لا بأرقام الموازنات وحدها.

عدالةٌ تُغلق أبواب الثأر:

ولا يمكن لوطنٍ أنهكته الحروب أن ينهض فوق ذاكرةٍ تنزف.

فالعدالة الانتقالية ليست انتقاماً، وإنما كشفٌ للحقيقة، ومحاسبةٌ للمسؤولين عن الجرائم، وإنصافٌ للضحايا، حتى لا تبقى جراح الحرب مفتوحة، وحتى تنكسر أخيراً دائرة الإفلات من العقاب التي جعلت السودان يدور في الحلقة نفسها جيلاً بعد جيل.

التعليم… السلاح الوحيد الذي نريده لأطفالنا:

إذا كانت الحرب قد حطمت الإنسان خلال ألفٍ ومائتي يوم، فإن التعليم هو المشروع الأكبر لإعادة بنائه.

مدارسٌ آمنة، وجامعاتٌ مفتوحة، ومناهجُ تُعلّم أبناء السودان كيف يبنون الجسور لا الخنادق، وكيف يحترمون اختلافهم قبل أن يتنافسوا عليه.

ولعل الاستثمار في تعليم الأطفال، ولا سيما البنات في الأرياف والمناطق المتأثرة بالحرب، سيكون أعظم مشروعٍ لحماية السودان من عودة المأساة.

الزراعة… طريق السودان إلى الكرامة:

هذا الوطن لا يستحق أن يقف في طوابير الإغاثة، وهو يمتلك من الأراضي الخصبة والمياه والثروة الحيوانية ما يجعله قادراً على إطعام نفسه، بل والإسهام في إطعام المنطقة بأسرها.

ولهذا فإن إعادة تأهيل المشروعات الزراعية، وتطوير التقنيات، وربط المزارعين بسلاسل إنتاجٍ عادلة، ليست قضيةً اقتصادية فحسب، بل قضيةُ كرامةٍ وطنية.

الشباب… من وقود الحرب إلى صُنّاع المستقبل:

لقد دفعت الحرب آلاف الشباب إلى الخنادق، بينما كان مكانهم الطبيعي في الجامعات، والمصانع، والمزارع، ومراكز الابتكار.

والسودان الجديد لن يُبنى إلا إذا أصبح الشباب شركاء في القرار، يحصلون على التدريب، والتمويل، وفرص العمل، ومساحات المشاركة السياسية، حتى يصبح البقاء في الوطن حلماً ممكناً، لا عبئاً يدفعهم إلى الهجرة أو حمل السلاح.

وحدةٌ وطنية لا تُقصي أحداً:

والوطن الذي يستحقه السودانيون هو وطنٌ تُبنى وحدته على المواطنة، لا على القبيلة أو الجهة، وعلى الشراكة، لا الهيمنة.

وطنٌ يعترف بالمظالم التاريخية، ويواجهها بشجاعة، ويكتب عقداً وطنياً جديداً يشعر فيه كل سوداني بأن له مكاناً محفوظاً تحت راية السودان.

كلمة الختام…

ليست ألفٌ ومائتا يومٍ من الحرب مجرد رقمٍ في تقويم السودان، بل صفحةٌ كاملة من الألم، لا يليق بوطنٍ عظيم أن يكررها مرةً أخرى. وهي جرسُ إنذارٍ أخير، يذكّرنا بأن الأوطان لا تُدار بالرصاص إلى الأبد، وأن الدم إذا سال أكثر مما ينبغي أغرق الجميع بلا استثناء.

في هذه الأيام الألف والمئتين دفع السودان ثمناً باهظاً في الأرواح، والاقتصاد، والتعليم، والصحة، والروح المعنوية. لكنه اكتشف في المقابل أن في هذا الشعب إنساناً عنيداً لا يعرف الاستسلام، وأن في ذاكرة السودانيين رصيداً عظيماً من التكافل والمروءة والقيم، يصلح لأن يكون أساس مشروعٍ جديد للسلام والوطن.

واليوم يقف السودان عند مفترق طريقٍ واضح: إما أن نبني السودان الذي نستحقه؛ سلاماً يُطفئ البنادق، وتنميةً تُعمّر ما تهدّم، وعدالةً تُنصف الضحايا، ووحدةً تقوم على المواطنة لا على السلاح، وإما أن نترك أبناءنا يرثون الخراب، ويقرأون أسماءنا في كتب التاريخ بوصفنا الجيل الذي رأى جرس الإنذار يُقرَع ألفاً ومائتي يوم، ثم مضى كأن شيئاً لم يكن.

ليست هناك وصفةٌ سحرية، ولا طريقٌ معبّد، لكن هناك بوصلةٌ واحدة لا تُخطئ: أن نقف، كمواطنين سودانيين شرفاء، في صف الحياة لا في صف البنادق، وأن نعيد تعريف الشجاعة، فلا تكون القدرة على إشعال الحرب، بل القدرة على إيقافها.

فربما كان أعظم انتصارٍ يمكن أن يحققه السودانيون، بعد ألفٍ ومائتي يومٍ من الألم، ألا ينتصر جيشٌ على جيش، ولا قائدٌ على قائد، بل أن ينتصر السودان على الحرب نفسها، وأن يعود الوطن وطناً يتسع للجميع، ويليق بجميع أبنائه.

ولعل التاريخ، بعد سنواتٍ طويلة، لن يسأل: من ربح هذه الحرب ومن خسرها؟ بل سيسأل: من امتلك الشجاعة ليوقفها؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: النص محمي