مقالاتالسودان

الحرب السودانية: الرؤى المتباينة.. المصالح المتقاطعة.. وممسكات الوحدة الوطنية

ما هي المُمسكات الخمسة التي يمكن ان تحول دون تفكك السودان ؟

بشير محمد إبراهيم

ناشط مجتمعي –

لم تعد الحرب السودانية مجرد مواجهة عسكرية بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع؛ فقد تحولت إلى أزمة مركبة تتداخل فيها صراعات السلطة والثروة والهوية، وتتقاطع معها مصالح إقليمية ودولية عديدة، الشئ الذي يعرض المجتمع السوداني لخطر التفكك السياسي والاجتماعي.

 ومع دخول الحرب عامها الرابع، أصبح السؤال المركزي لا يقتصر على من ينتصر عسكرياً؟ بل على أي سودانٍ سيخرج من الحرب، ومن يملك حق صياغة مستقبله؟.

ومما لا شك فيه أن الدعم الخارجي بالسلاح والتكنولوجيا والمقاتلين أصبح عاملاً مهماً في إطالة الحرب، فقد أدت هجمات الطائرات المسيّرة إلى اتساع نطاق استهداف البنية التحتية والمدنيين.

عند الحديث عن الرؤى المتباينة للسودان بعد الحرب، نجد أن هناك أكثر من تصور لمستقبل الدولة السودانية.

الرؤية الأولى ترى أن الأولوية هي الحفاظ على الدولة ومؤسساتها، ومنع تفكك السودان، مع اعتبار أن الجيش هو المؤسسة الوحيدة القادرة على حفظ وحدة البلاد. وهذه الرؤية نجد تعبيرها في الخطاب الذي يضع استعادة الأمن والسيادة وإنهاء التمرد قبل الانتقال السياسي، وما يزال قادة الجيش يصرحون بهذا الخطاب.

 ولكن المشكلة أن الدولة ليست هي السلطة العسكرية. فالخلط بين الدولة ومؤسسة بعينها يجعل الدفاع عن وحدة السودان يتحول إلى دفاع عن استمرار ترتيبات سياسية وعسكرية أثبتت التجربة أنها عاجزة عن إنتاج الاستقرار، بل نجد مآلات ذلك شاخصة أمامنا اليوم.

الرؤية الثانية ترى أن الحرب نفسها نتيجة لأزمة الدولة وليس مجرد تمرد مسلح، وأن إنهاء الحرب يتطلب تفكيك بنية الحكم العسكري وإقامة سلطة مدنية ديمقراطية. وتدعو القوى الدولية والإقليمية الداعمة للمسار المدني إلى عملية سياسية سودانية شاملة ومستقلة وشفافة تقود إلى حكومة مدنية.

أما الرؤية الثالثة فتتمثل في قوى اجتماعية وسياسية ومسلحة ترى أن الأزمة أعمق من صراع البرهان وحميدتي، وأن جذورها تعود إلى التهميش التاريخي، وعدم العدالة في توزيع السلطة والثروة، واختلال العلاقة بين المركز والأقاليم.

وعليه فإن أي تسوية تختزل السودان في اتفاق بين القيادات العسكرية قد تنجح في إيقاف إطلاق النار مؤقتاً، لكنها لن تعالج أسباب الحرب.

ثانياً: المصالح المتقاطعة؛

الحرب السودانية أصبحت أيضاً ساحة لمصالح تتجاوز حدود السودان. فالذهب، والموانئ، والموقع الجغرافي على البحر الأحمر، والحدود الطويلة مع سبع دول، والموارد الزراعية والحيوانية، كلها تجعل السودان دولة ذات أهمية استراتيجية. ولذلك فإن استمرار الحرب لا يرتبط فقط بحسابات القوى السودانية، بل أيضاً بشبكات إقليمية ودولية تستفيد من استمرار النفوذ أو من اقتصاد الحرب.

والتطور الأخطر هو تحول الحرب إلى اقتصاد سياسي قائم بذاته، فالسلاح يحتاج إلى المال، والمال يأتي من الموارد وشبكات التجارة والتهريب، واستمرار السيطرة العسكرية على الأراضي والموارد يمنح الأطراف مصادر تمويل تساعدها على مواصلة القتال.

هنالك تقارير أممية تتحدث عن شبكات خارجية تمد أطراف الحرب بالسلاح واللوجستيات والتدريب والتكنولوجيا العسكرية، بما في ذلك منظومات الطائرات المسيّرة. وهذا يؤكد أن الحرب لم تعد شأناً سودانياً داخلياً خالصاً.

لكن اختزال الصراع في “مؤامرة خارجية” لا يقل خطورة عن تجاهل العامل الخارجي. معلوم للجميع أن التدخلات الخارجية تجد أرضيتها دوماً في الانقسامات الداخلية، وفي ضعف الدولة، وفي قابلية النخب العسكرية والسياسية لعقد تحالفات خارجية من أجل البقاء.

ثالثاً: أزمة الوحدة الوطنية، مع استمرار الحرب باتت المشكلة الأكثر خطورة ليست فقط في احتمالية تقسيم السودان جغرافياً، وإنما تفكك فكرة السودان نفسها.

فالحرب عمّقت الانقسامات الجهوية والإثنية والمناطقية، وأعادت إنتاج خطاب التخوين والكراهية، وربطت الانتماء السياسي بالانتماء الإثني أو الجغرافي. وكلما طال أمد الحرب أصبح من الصعب إعادة بناء الثقة بين المجتمعات السودانية.

 ولهذا فإن الوحدة الوطنية لا يمكن أن تعني فقط مجرد إبقاء الحدود الجغرافية كما هي.

فالوحدة الحقيقية هي أن يشعر السوداني في دارفور، وكردفان، والشرق، والشمال، والوسط، والعاصمة، بأنه شريك متساوٍ في الدولة.

فإذا بقيت الدولة مركزية بصورة تنتج التهميش، فإن الحديث عن الوحدة سيظل شعاراً. وإذا تحولت الأقاليم إلى كيانات عسكرية متنافسة، فإن وحدة السودان ستصبح مجرد وحدة جغرافية بلا مضمون سياسي واجتماعي.

رابعاً: ما الذي يمكن أن يمسك السودان من التفكك؟

هناك، في تقديري، خمسة ممسكات أساسية:

  1. أولوية المواطنة على الانتماءات الفرعية.

لا يمكن بناء دولة مستقرة إذا ظل السوداني يُعرّف سياسياً باعتباره من منطقة أو قبيلة أو جماعة، قبل أن يكون مواطناً.

  1. الاتفاق على دولة مدنية ديمقراطية.

ليس المطلوب إقصاء المؤسسة العسكرية من الدولة، وإنما إعادة تعريف دورها بحيث تكون مؤسسة وطنية خاضعة للسلطة المدنية والقانون.

  1. معالجة جذور التهميش.

السلام الذي لا يعيد توزيع السلطة والثروة والفرص بين المركز والأقاليم سيعيد إنتاج الحرب في صورة جديدة.

  1. العدالة والمساءلة.

لا يمكن بناء سلام دائم على قاعدة النسيان الكامل للانتهاكات. وفي الوقت نفسه، يجب أن تكون العدالة جزءاً من بناء الدولة لا أداة للانتقام السياسي.

  1. حوار سوداني واسع ومستقل.

المطلوب ليس حواراً بين النخب الموجودة في الخرطوم أو عواصم الإقليم فقط، وإنما عملية سياسية تمثل النساء والشباب والنازحين والمجتمعات المحلية والقوى المدنية والأقاليم المختلفة. وهذا يتوافق مع المبادئ التي طرحتها القوى الدولية والإقليمية في 2026 بشأن حوار سوداني شامل تقوده عملية مدنية مستقلة وشفافة.

خامساً: الوحدة لا تعني العودة إلى ما قبل الحرب

ربما يكون أهم درس من الحرب أن إعادة السودان إلى وضعه السابق ليست حلاً. فالنظام السياسي الذي سبق الحرب أنتج ازدواجية عسكرية وأمنية، واقتصاداً سياسياً منحازاً، وتهميشاً للأطراف، وأزمة عميقة في العلاقة بين المدنيين والعسكريين.

 وبالتالي فإن السلام الحقيقي لا ينبغي أن يكون مجرد عودة إلى نقطة الصفر.

المطلوب هو إعادة تأسيس الدولة على عقد اجتماعي جديد، كما دعا  وطالب بذلك الإمام الصادق المهدي قبيل وفاته. ايضا ضرورة الإجابة علي السؤال المفتاحي، وهو، كيف يُحكم السودان بحيث لا يستطيع حاكم أو جيش أو مليشيا من إعادة إنتاج الحروب والأزمات؟

وهنا تبرز أهمية الفصل بين السلام العسكري والسلام السياسي. فالهدنة يمكن أن توقف القتال، لكنها لا تنهي أسباب الصراع. وحتى لو توصل الجيش والدعم السريع إلى وقف إطلاق النار، ستبقى أسئلة السلطة والتمثيل وشكل الدولة والعلاقة بين المركز والأقاليم قائمة.

السودان يقف أمام مفترق تاريخي: إما أن تتحول الحرب إلى فرصة لإعادة بناء الدولة، بمفاهيم وأسس جديدة، أو تتحول إلى بداية تفكك طويل الأمد.

 فالخطر لا يأتي فقط من انتصار طرف عسكري على آخر، وإنما من استمرار منطق الغلبة المسلحة باعتباره الوسيلة الطبيعية والوحيدة للوصول إلى السلطة.

أما المخرج، فلا يكمن في انتصار الجيش على الدعم السريع أو العكس فحسب، ولا في صفقة بين النخب، ولا في تسوية تفرضها القوى الخارجية. المخرج الحقيقي هو بناء توافق سوداني جديد يقوم على المواطنة، والعدالة، والدولة المدنية، والتوزيع العادل للسلطة والثروة، وإعادة بناء المؤسسات العسكرية والأمنية على أساس وطني مهني.

إن ممسك الوحدة الوطنية ليس الخوف من الانقسام، بل العدالة التي تجعل الوحدة جاذبة وذات معنى.

فالسودان لن يبقى موحداً بمجرد الدفاع عن حدوده، وإنما عندما يشعر السودانيون بأن هذه الدولة دولتهم جميعاً، لا دولة مركز ضد أطراف، ولا دولة مؤسسة عسكرية ضد مجتمع، ولا ساحة نفوذ لقوى خارجية.

وهنا تحديداً تكمن المعركة الأكبر بعد إسكات البنادق؛ معركة بناء سودان جديد يستطيع أن يختلف فيه المختلفون باللسان، دون أن يحتاج أي طرف إلى السلاح لكي يثبت أنه جزء من الوطن.

الأراء الواردة في المقالات التي تنُشر في ” إطلالة”  تُعبّر عن آراء الكتاب ولا تعبر بالضرورة عن رأي ” إطلالة”)

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: النص محمي