محمد المكي أحمد-
يعاني أهلنا في مدبنة بارا بولاية شمال كردفان في السودان من مواجع لا حصر لها في زمن الحرب..
الحرب قضت على حيوية مدينة جميلة، خضراء، وقتلت شبابا ورجالا ونساء.
حرائق الحرب التي اشتعلت نيرانها في 15 أبريل 2023 ما زالت مستمرة..
شردت الحرب أناسا مسالمين، وبينهم أهلنا في بارا..
شتت شملهم في مواقع عدة.. أذلتهم، وهم أهل نخوة، عُرفوا بالشهامة والمروءة و” الفزع ” كما يقول أهلنا أي ( الفزعة أو النجدة ) وإغاثة المنكوب.
الحرب أذلت شعب السودان ، المقهور، المغلوب على أمره، بأشكال وأساليب وحشية ، لا نظير لها في حروب العالم.
ضغوط الحرب وكوارثها دفعت أهل بارا، المدينة الهادئة، الجميلة، قبل أن تحرقها آلة الحرب،إلى مغادرة بيوتهم الآمنة إلى مدن وقرى سودانية، قريبة وبعيدة.
بارا كانت قبل الحرب وديعة، هادئة، لا تعرف صخب المدن، وتتسم ببساطة العيش، والترحيب بالضيف.
الآن، تحولت إلى ساحة قتال شرس، وكر وفر بين طرفي الحرب ( الجيش وحلفاؤه وقوات الدعم السريع وشركاؤها).
النازحون من بارا قسرا وقهرا هم رجال أفذاذ، و نساء فضليات وشباب حيوي من الجنسين، تربوا على احترام الكبير والصغير.
لم يخطر ببال أهلنا الموجوعين يوما أن يشدوا الرحال ويغادروا مدينة اشتهرت في أوساط السودانيين بنبض انساني واجتماعي شفيف ، احتضن قادمين من كل فروع الشجرة السودانية.
مأساة الرحيل الإضطراري تعكس يوميا أخبار الوجع السوداني في زمن الحرب.
اليوم ساد حزن شديد أوساط أبناء بارا وبناتها برحيل رجل وأخ عزيز.
كان وسيبقى ملء السمع والبصر، إذ تميز بنبض اجتماعي، إنساني متميز.
رحل في مستشفى بأم درمان، الرجل الشهم، النبيل، الذي كان علما من أعلام بارا، محمد يحيى محمد موسي.
غادر بارا في زمن الحرب، ورحل خارج مدينته ، بعد علة لم تمهله ، حتى يرى عودة الدفء والحياة الطبيعية الى محبوبته ،
محمد يحي ليس اسما عابرا في تاريخ بارا، هو كتاب مفتوح وسجل تاريخ ناصع ، يستمد بريقه من شخصيته الرصينة، الوقورة ، التي تحب عمل الخير .
كان (سليم الذوق) كما كان يوصف بين أهله، هاديء الطبع ، مطمئن النفس ومصدر اطمئنان ، وصاحب روح لطيفة، وطبع مُسالم.
طبعه هو طبع أهلنا في بارا ، وقد استمدوه من نضار وجدان أخضر..
إنه طبع من عاشوا مناخ ” السواقي” ( المزارع) وأجوائها ، وما تحتويه من ثمار، وتعكسه من لون أخضر.
المياه التي كانت تنساب قبل الحرب، لتسقي الخُضروات وأشجار الليمون وغيرها من أنواع الفواكه، وتبعث فيها الحياة ، كانت تسقي أيضا القلوب العطشى ، المشتاقة للرَّوَاء .
تلك القلوب تنبض ، وتهيم إيمانا ،ورحمة، وشوقا، ولهفة ، وحنينا، وحباً، للناس والأرض الخضراء التي حرقتها نيران المدافع والمُسيّرات.
قلوب أهلنا في بارا مجروحة بشدة، وحزينة ، ويعتصرها ألم دفين، يمزق الأعماق..
قلب فقيدنا محمد يحي كان يتصدر تلك القلوب، التي ما زالت تأمل في العودة إلى الحضن الدافيء في مدينة الدفء ..كي ترتاح النفوس من رحلة البحث عن مأوى ، ويعود الاطمئنان المفقود ، ويسود الأمان.
محمد يحي كان في الظروف الطبيعية يغادر بارا ليعود اليها ..
هو انسان اجتماعي من طراز فريد..
كان يتمتع بمهارات تواصل إنساني استثنائي نادر..
الرحيل خارج الحضن الذي أحب سيسجله تاريخ بارا ضمن سجلات مرحلة الحرب المأساوية ،التي لم تدمر البنيان فحسب، بل دمرت الانسان وشردت كل الناس وجميعهم كرام قوم ذلوا .
الحقيقة المُرّة ستطارد إلى أبد الآبدين من أشعلوا الحرب، وسكبوا ويسكبون الزيت على نيرانها حتى اليوم، من دون أي وازع من ضمير.
اليوم ودع رجال بارا ، وودعت نساؤها، وشبابها من الجنسين، محمد يحيى، بما يستحق من نبض محبة واحتضان في لحظة فراق مريرة، وبتفاعل شعوري عميق الدلالات.
إنه وداع وجداني ، وايماني، نابع من أعماق نفوس تربت في مناخ المحبة وتكره الشر والأشرار.
لو حدثت الوفاة في ظروف طبيعية لامتد موكب التشييع من بيت الراحل في قلب مدينة بارا إلى مثواه الأخير.
أين أطلت أروع مشاهد التأبين والتشييع؟
كتب أبناء بارا وبناتها في وسائل التواصل الاجتماعي عن رحيل محمد يحيى حروفا، تستحق التنويه ..
وصفوه بأوصاف مستحقة، بينها ما كتبه الأخ العزيز عادل ميرغني أودو ..
قال عادل إن الراحل “علم من اعلام بارا ..محبوب الكبير والصغير.. ونعم الجار والصاحب.. هو صاحب خصال وأخلاق حميده .. رحيم كريم .. يعطى في الخفاء ولو به خصاصه يعرف فضله الكثير من اهل بارا .. إنه شخصية اجتماعية وصاحب رأي سديد.. لا تراه الا باسما هاشا باشا متماسكا“
وخلُص إلى أنه برحيل محمد يحيى “انكسرت جُبارة ثالثة من جبارات حى السوق وزادت الحزن والحرقة“.
كُتبت حروف كثيرة بدم القلب ، وجاء في نعي كتبه الأخ العزيز ياسر علي معروف :”رحل عمنا وشيخنا وأستاذنا الخليفه ميرغني أدو وتبعه عمنا الجيلي محمد دوليب، وتبعه القامه، الخير أحمد دوليب. واليوم لحق بهم الزعيم ،الحريف الظريف، الرجل الكريم. السمح.. طويل البال كريم الخصال ( سليم الذوق ) اخونا محمد يحي. ( ود يحي ) صاحب الرأي والفهم والكلام الحلو، والأسلوب الرنان في كل المحافل، الرجل المجامل، المسامح الكريم”
شهادة الجار والجارة هي دوما من أنصع واصدق الشهادات عن سيرة الناس في أي مكان ، وكما كتب عادل ميرغني أدو كتبت شقيقته الأخت العزيزة عائدة هذه السطور النابعة من قلبها وعقلها:
رحم الله محمد المحمود
نعم الأخ نعم الجار
هادي رزين في
كل الاحوال سمح الخصال
ادب وزوق واحترام
مع الصغار والكبار
وحشاه ما ازعج جار
بوالدته وخالته بار
لاخوانه وأخواته كان دليل
وللامانة والعهد صان
ابوي يحي اخو اخوان
ديوانه مفتوح للضيفان
ذو خلق وكثير إحسان
مؤدب حافظ اللسان
للرحم واصل وللجيران
جزاءك الله أعلى الجنان
بتفقدك بارا وقبيلة الرياضة
في كل عام
ما انت للمريخ وسام
بنفقدك كثير يا حسن الجوار
يا سند لاخوانك والجيران
لعثمان الفكي وأولاد مكي وعمار
الله يغفر ليك ويحسن ليك يا المحمود سمح الذوق
نم قرير العين في أعلى الجنان
والبركة في حسن والاخوات
والاحفاد
والإخوان جميعا
ومحمد ويحي والسر كمان
وكتب الأخ العزيز الأستاذ الفاتح فضل المولى بخيت نعيا مؤثرا في وفاة “شقيقنا محمد يحي محمد موسى” وكشف سمات شخصيته، وقال :” لقد سجلت نفسك في سجل الخالدين بمواقفك الشجاعة وفي أحلك الظروف”.
وأضاف “لقد أغروك بالمناصب المرموقة، فأوقفتهم بابائك وشممك، وكم حاولوك بالمال فأوضحت لهم أنكم من ادخلوا صناعة الذهب والحلي في بارا، ،هددوك بالاعتقال فما وهنت ولالنت ولاجبنت”.
وتابع الفاتح في نعيه :” لله درك، والوطن ارثك، فماعرفوك لتواضعك، فكم حللت عقد مظاليم، وماكشفت الستر، وكم اطعمت جائعين، وكم كسوت عرايا، وما افصحت، طاحونتك تشهد والساقية( المزرعة) واملاكك من الدكاكين ( متاجر)”. ووصف الراحل بأنه ” بحر من أي شط جئته” واختتم نعيه بقوله:” فقدناك، وأي فقد ذاك، لك الرحمة يا الأرباب“
يُشار إلى أن جثمان الراحل ووري الثري بمقابر البكري في التاسعة صباح اليوم ، الإثنين، 17/8/2026.
وجاء في النعي أن محمد يحيى محمد موسي (سليم الذوق) هو زوج آمنة الشيخ والد كل من يحيى ويسرا، شقيق حسن وعواطف وعلوية وفاطمة، والمرحوم يوسف.
الراحل خال أولاد الأستاذ الفاتح شيخ أحمد عبدالرحمن، وأولاد مولانا (القاضي والمستشار القانوني) محمد أحمد عبدالرحمن، وأولاد المرحوم محمد نور عبدالله، وعم أولاد المرحوم الشاذلي الشيخ الريح، وصهر خالد تاج السر الشيخ النور .
نسأل الله أن يتغمد الفقيد بواسع رحمته ويسكنه فسيح جناته مع الصديقين والشهداء.
أعزي زوج الفقيد آمنة الشيخ وابنه يحيى وابنته يسرا وكل أفراد الأسرة والأهل داخل السودان وخارجه.
( إنا لله وإنا إليه راجعون )

