
محمد المكي أحمد _
شكّل تأبين حشد من السودانيين في المملكة المتحدة ، لـ ” الأحمدين” ، الأستاذ أحمد بدري ، والدكتور أحمد الضوي ، في لندن ، مساء السبت ، 19 سبتمبر 2026، حدثا تاريخياً، في ضوء عدد من الاعتبارات.
التأبين تاريخي، إذ وثق لحياة واسهامات شخصيتين ، سجلتا حضورا حيويا، ونافعا ، و فاعلا في المجتمع السوداني في لندن ، وكان لافتا مشاركة سودانيين قدموا من خارج لندن، وعلى سبيل المثال من كارديف وبريستول، ومناطق بريطانية أخرى .
التأبين تاريخي ، لأن تفاعلات الحدث، أكدت أن ماجرى لم يكن محصورا فقط في نطاق التعبير عن الحزن، إذ اتسعت الرؤية، فقدم مشاركون بالكلمة والفيلم الذي يوثق أحداثا ويروي قصص عطاء، وبالموسيقى الحزينة، قراءة في سجل عطاء ” الأحمدين”.
هذه التفاعلات أكسبت التأبين بعداً حيوياً، بتكريم إرث” الأحمدين” ، وقد بدت روعة المشهد من خلال المقارنة والربط بين ما قدمه بدري والضوي من خدمات نافعة لأجيال من السودانيين، في المدرسة السودانية ، وفي مجتمع الجالية الذي بادلهم الحب بالحب، والوفاء بالوفاء.
المتحدثون في الأمسية نوهوا بانجازات الراحلين ، التعليمية والتربوية، والوطنية، وأكدوا أنهما “انخرطا في العمل العام بما يجمع ولا يفرق” وأن رحيلهما “فقد للمدرسة السودانية والسودانيين”.
وفي هذا السياق تم التنويه بتكريم بدري بوسام “عضو الأمبراطورية” من ملكة المملكة المتحدة الراحلة اليزابيث الثانية تقديرا لخدماته للتعليم في بريطانيا والسودان طوال عقود ، وخاصة مساهمته بتأسيس مدرسة الأسرة السودانية في لندن ، وبرنامج السودان الطوعي لدعم تعليم اللغة الانكليزية في مدارس وجامعات السودان.


وبدا المشهد في أمسية التأبين جاذبا و لافتا بمشاركة طالبات ، وهناك من تحدثت بروح المحبة والاحترام عن ” جدو أحمد ، وجدو أحمد” ، وُذكر متحدث أن بدري ” يلقاك باسماً ، وبشوشاً، ويتبادل قفشات” وأن ” أعمال بدري والضوي يُخلد إرثها في مجال العمل العام”.
وأضاف متحدثون أن ” بدري كان رياضيا ” وكان ” الأحمدان صحافيين” أيضا، وهناك من أشار إلى أدوار أسرة بدري التاريخية في السودان، خصوصا في تعليم البنات في تاريخ قديم ، وتمت الإشارة إلى مقولة مهمة ، تقول ” علموا البنت والولد لخدمة المجتمع”.


وجاء في كلمات متحدثين أن الراحلين تميزا بـ” حسن السيرة ودماثة الخلق”.
ونشير على سبيل المثال إلى أن الأستاذ حسن تاج السر – وهو شخصية وقورة ورصينة ومحترمة في المجتمع السوداني اللندني – قال في كلمة بليغة “إن بدري كنز معرفة، ومستودع حكمة ، حديثه عزب، وأنسه جميل، وهو معلم مرموق، قدير، وشهير” .
ومن أروع ما عكسته تفاعلات أمسية التأبين، تمثل في مشاركة طلاب من الجنسين ، صغار بأعمارهم ، وكبار بالهمة وحيوية الحضور، هذه المشاركة عكست بعداً مهما من أبعاد التأبين والتكريم ، إذ أن الرسالة في هذا الإطار تعني الحرص على إبقاء الذاكرة الجماعية لسودانيي لندن والمملكة المتحدة متقدة، ومصدر إلهام للكبار والصغار، وقادرة على استخلاص الدوس المستفادة مما يعنيه تأبين بدري والضوي وسط حشد سوداني، ضّم أناسا من كل الأعمار، وسجلت فيه شخصيات وازنة ، وحواء السودانية كعادتها حضوراً حيوياً، بإثراء مناسبات اجتماعية ووطنية، والقت الاستاذة حنان بابكر كلمة الاتحاد النسائي..

من مشاهد الحيوية ، كتبت الطالبة دينا الأمين كلمة قراها الطالب عبد المنعم الأمين، وكتبت الدكتورة سلا عبد الله نصاً ، قرأته سما محمد الأنصاري.
وسجلت معلمات ومعلمون حضورا، فخاطبت الأمسية الأستاذة ماجدولين، باسم معلمات المدرسة السودانية.
وشهدت التأبين وسجلت حضورا في صدارة المشهد الأستاذة بتول بشير الريح، زوج الراحل أحمد بدري وهي شريكته في بناء صرح المدرسة السودانية الناجحة بلندن ، و صاحبة انجازات ملموسة ومحسوسة في الشأن التعليمي والتربوي .
وحضرت الأمسية زوج الراحل الضوي، نوال بركة ، وبناتها نسرين وسليفيا وسارا.











وبدت قائمة المتحدثين طويلة ، وقد استمرت أمسية التابين أربع ساعات، وجاءت كلمة اللجنة المنظمة لأمسية التأبين في مستهل الأمسية ، وقدمها دكتور نادر القاضي . وقدم رئيس مجلس الأمناء الأستاذ فخري عجبنا مصطفى كلمة أسرة المدرسة السودانية، و تحدث السفير فاروق عبد الرحمن عن ذكرياته مع الراحلين ، كما تحدث الأستاذ عثمان النصيري، وهو صديق للراحلين،وشارك بكلمة المهندس الفاتح أبو مدين باسم مجلس أمناء المدرسة السودانية.




وكان للشعر حضور فاعل بقصيدة نشيد المدرسة التي كتبها الأستاذ عبد الله محمد زين، وقرأتها الأستاذة عزة زين.
وتميزت الأمسية أيضا بتقديم فيلمين يوثقان حياة ومسيرة ” الأحمدين” و شارك سودانيون وبريطانيون بتقديم شهادات عن الفقيدين، كما اتسمت الفعاليات بمشاركة الموسيقار الأستاذ عفيفي فتح الله الذي قدم عزف” كمان” حزين النغمات .
وسجلت أخواتنا وإخواننا أبناء دولة جنوب السودان حضورا في أمسية الـتأبين، بكلمة الدكتور محمد الجاك التي ألقاها الأستاذ مارتن.

ومن أبرز سمات أمسية التأبين، مشاركة ممثلين لاتحادات مهنية واجتماعية وقوى سياسية ، فتحدث الدكتور أحمد أبو شوك ممثلا لنقابة الأطباء.

وسجلت الأستاذة رشا قاسم حضورا والقت كلمة خريجي جامعة الخرطوم.

وخاطب الأمسية، عبر فيديو، المهندس هاشم محمد أحمد باسم نقابة المهندسين، و في هذا المناخ الحيوي سجلت حضورا الأستاذة حنان بابكر والقت كلمة الإتحاد النسائي،

وخاطبت الأمسية المهندسة أميمة الطيب رئيسة الجالية السودانية في لندن .

أمسية التأبين بدت رائعة وارسلت رسائل مهمة تستحق التأمل ، إذ أنها جمعت تحت سقف واحد، وفي مشهد يعبر عن نبض سوداني جماعي قوى سياسية سودانية، وكيانا عريقا في السودان ، فقدم كلمة هيئة شؤون الأنصار، الدكتور محمد أحمد منصور، وخاطب الحاضرين باسم الحزب الشيوعي السوداني الأستاذ محمد المهدي عبد الوهاب، الذي لفت إلى دور أحمد بدري في مقارعة حكم الفرد في السودان.




كلمة حزب التجمع الإتحادي جاءت على لسان الأستاذ عمار حمودة، وخاطبت الأمسية الاستاذة أناهيد باسم الجبهة السودانية للتغيير، كما تحدث الأستاذ شريف يس باسم حزب البعث السوداني.

وتعددت المشاهد اللافتة في أمسية التأبين، إذ خاطب الحاضرين الأستاذ على عزيز باسم المدرسة الارترية، في إشارة إلى قوة العلاقة بين الشعبين السوداني والارتري

.وفي ختام الأمسية خاطب الحاضرين بروفسور الفاتح بركة باسم أسرة أحمد الضوي، وتوجه بالشكر للمشاركين في التأبين.
و نوهت أسرة بدري بأمسية التأبين، وتوجهت بالشكر لمنظمي الأمسية والمشاركين في حدث التأبين، وفي فيديو تلقاه موقع ” إطلالة” تحدث مالك أحمد بدري عن والده وصفاته وأدواره وتوجه بالشكر للمشاركين في التأبين باسم عائلته ومنظمي الأمسية الذين عبروا عن احترامهم ومحبتهم لوالده .
يُشار إلى أن الإعلامي عمر عبد العزيز قرأ في مستهل الأمسية سيرة أحمد بدري وأحد الضوي ، و تولي تقديم المتحدثين في الأمسية بمشاركة الأستاذة ليلى المدني.


و تلقى موقع “إطلالة” تسجيلا تضمن رثاءً بليغا ومؤثرا كتبه الشاعر محمد العبيد الباقر عن أحمد بدري ” دخري الحوبه” وهو تعبير شعبي يعني في السودان الشخص، السند ، الذي يلجأ اليه الناس في أوقات الشدة والأزمات الصعبة، وزمن النوائب.
كما تلقى موقع ” إطلالة” رسالة شكر وتقدير للمشاركين في التأبين ،وجهها بروفيسور الفاتح بركة باسم عائلة الفقيدين، وجاء فيها :”بقلوب يملؤها الامتنان، ومشاعر يختلط فيها الحزن بالوفاء، تتقدم عائلة فقيدينا العزيزين بجزيل الشكر وعظيم التقدير لكل من ساهم، وساند، وشارك في إنجاح فعاليات التأبين”.
وأضافت رسالة الشكر :” لقد كان حضوركم الكريم، الذي تجاوز 650 شخصًا من مختلف الأعمار، مشهدًا استثنائيًا عبّر بكل صدق عن عمق المحبة ومكانة فقيدينا في قلوب من عرفوهما وأحبوهما”.
ورأت الرسالة أن :” هذه المناسبة لم تكن مجرد لقاءٍ لتأبين الراحلين، بل كانت لوحةً جميلة من الوفاء، اجتمعت فيها القلوب قبل أن تجتمع الوجوه، وتجلّت فيها أصدق معاني المحبة والتآخي والوفاء.
وقالت عائلتا الراحلين:”إننا نخص بالشكر والتقدير كل من ساهم ماديًا في إنجاح هذه الفعاليات؛ فقد كان عطاؤكم الكريم سندًا حقيقيًا، ولم يكن مجرد مساهمة في تنظيم مناسبة، بل كان مشاركةً صادقة في حفظ ذكرى عزيزة، وتكريم روحين تركتا أثرًا جميلًا في نفوس الكثيرين”.
وأضافت: ” قد كان لهذه اللفتة الكريمة ( المشاركة في التأبين) أثر بالغ في نفوسنا، وخففت عنا شيئًا من ألم الفقد، حين رأينا هذا العدد الكبير من المحبين يلتفون حول ذكرى فقيدينا، مؤكدين أن المحبة الصادقة لا تنتهي بالغياب، وأن بعض الأشخاص يرحلون بأجسادهم، لكنهم يظلون حاضرِين في القلوب والذاكرة”.
وأضافت عائلتا “الأحمدين” في الرسالة التي وجهها بروفسور الفاتح بركة :”من القلب نقول لكم: شكرًا…شكرًا لكل يدٍ امتدت بالعطاء، ولكل قلبٍ حمل المحبة، ولكل من حضر وشارك، ولكل من دعا لهما، ولكل من ساهم بكلمة طيبة أو موقف نبيل.
وقال بروفيسور بركة في الرسالة باسم العائلتين:”نسأل الله أن يجعل عطاءكم ووقوفكم معنا في ميزان حسناتكم، وأن يجزيكم عنا وعن فقيدينا خير الجزاء، وأن يكتب لكم الأجر والمثوبة، وأن يديم بيننا المحبة والوفاء”.
واختتم رسالة الشكر بقوله :”رحم الله فقيدينا رحمةً واسعة، وأنار قبريهما، ورفع درجتهما، وأسكنهما فسيح جناته، وجعل ما تركاه من محبة وأثر طيب شفيعًا لهما… شكرًا لكم… لأنكم جعلتم من ذكرى الرحيل مناسبةً للحب والوفاء، وأثبتّم أن من يسكن القلوب لا يغيب أبدًا”.
ونرى في ” إطلالة” أن اللجنة التي نظمت أمسية التأبين تستحق التقدير والإشادة ، كما نرى أهمية أن تستمر أعمال هذه اللجنة التي نجحت في تنظيم أمسية باهرة، وأن يتم دعمها بوجوه وعقول شابة إضافية، كي تبقى هذه الآلية وتستمر أدوارها الايجابية وتبادر وترعى تنظيم مثل هذه المناسبات الاجتماعية، التي تستقطب السودانيين بمختلف رؤاهم .
ما جرى في أمسية التأبين يجدد التأكيد أن ارتياد آفاق العمل الاجتماعي، التطوعي، يمثل طريق النجاح نحو تعزيز تماسك المجتمع السوداني في لندن والمملكة المتحدة في زمن ضربت فيه الحرب في السودان وخارجه النسيج الاجتماعي وهزت بقوة التماسك والتضامن المعهود بين السودانيين، والذي كان يتجلى بأروع صوره في ازمنة الحرية ومناخ التنفس الطبيعي بعيدا عن الحروب وسفك الدماء وحملات تبث الكراهية والبغضاء بين السودانيين . .
وربما تكون هناك ضرورة لإضافة أسماء شابة للجنة إذا رأى أعضاء اللجنة أهمية الإضافة. .
و نرى أيضا ضرورة أن تدرس اللجنة تفاعلات وأصداء أمسية تأبين ” الأحمدين” كي يتم دعم الايجابيات، وللاستفادة من الملاحظات، في سبيل تحقيق المزيد من الانجازات الباهرة ، والإشراقات في المستقبل القريب والبعيد .







