مقالاتالسودان

الأزمة البنيوية للجيش السوداني الذي نريد.. “لا جديد يُذكر بل قديم يُعاد “

أين تكمن أزمة الجيش وما أكبر مفارقات التاريخ العسكري ولماذا إختزال الحرب في شخصي البرهان وحميدتي قراءة سطحية ؟

بشير محمد إبراهيم

ناشط مجتمعي

منذ الاستقلال في عام 1956، لم تستقر في السودان قاعدة ديمقراطية واضحة تجعل الجيش مؤسسة مهنية خاضعة للسلطة المدنية المنتخبة. فبدلاً من ذلك، أصبح الجيش في مراحل مختلفة طرفاً رئيسياً في تحديد من يحكم البلاد، عبر انقلابات عسكرية مباشرة أو عبر نفوذ سياسي واقتصادي واسع.

 إنقلابات عبود 1958، نميري 1969، والبشير 1989 ليست مجرد أحداث منفصلة؛ فهي تعكس نمطاً متكرراً، وهو عندما تفشل النخب السياسية في إدارة الدولة، يتدخل الجيش معتبراً أنه صاحب “الشرعية البديلة والوحيدة!!”، ثم يتحول الحكم العسكري نفسه إلى أحد أسباب استمرار الأزمة.

ويدخل السودان في حلقة مفرغة وشريرة؛ أزمة سياسية، تدخل عسكري، يليه إضعاف المؤسسات المدنية ثم صراع على السلطة داخل النظام، ومن ثم تبدأ أزمة جديدة و تدخل عسكري أو انقلاب جديد وهكذا.

بالتالي اتسم تاريخ السودان المستقل بالحروب الداخلية وعدم الاستقرار السياسي، مع فترات ديمقراطية قصيرة ومتقطعة. فالجيش لم يعد مجرد مؤسسة عسكرية ذات مهام معروفة الحدود والصلاحيات، ولكن تخلقت أزمة مهنية فادحة، كان اخطرها أن الجيش لم يعمل كمؤسسة دفاعية محايدة منذ الاستقلال، بل قبل ذلك.

مع مرور الزمن نشأت حول المؤسسة العسكرية شبكة من المصالح السياسية والاقتصادية والأمنية، جعلت مسألة إخضاعها للسلطة المدنية مسألة في غاية التعقيد، وهنا تظهر معضلة جوهرية؛ فكيف يمكن لجيش مع كل هذه الامتيازات، أن يخضع للدولة ديمقراطياً، حينما يصبح جزءاً من بنية السلطة والاقتصاد؟، وليس مجرد أداة من أدوات الدولة التي تخضع لسياساتها؟. حاول بند الإصلاح الأمني في “الإتفاق الإطاري” علي سبيل المثال ( كمحاولة حديثة)، وضع الإصبع علي الجرح، ولم يكن الحديث عن “إصلاح الجيش” بما يعني فقط تحديث الأسلحة والتدريب، بل كان يعني بالضرورة؛

١/ إعادة تعريف وظيفة الجيش.

٢/ إخضاع ميزانيته للرقابة العامة.

٣/ إخضاع الشركات الاقتصادية العسكرية للدولة والقانون.

٤/ منع الضباط من ممارسة النشاط السياسي.

٥/ بناء قيادة عسكرية مهنية.

٦/ جعل قرار الحرب والسلم قراراً سيادياً مدنياً.

٧/ توحيد كل القوات المسلحة تحت قيادة وطنية واحدة.  

ولكن وللمفارقة العظمي،  ظل الجيش يصنع في منافسيه بنفسه، وما زال يمارس في نفس الهواية، فالشاهد الآن هو تعدد الجيوش بين مناصرٍ ومغاير، تجمعهم المصلحة الآنية ومكاسب الحرب.

 ومن أكبر مفارقات التاريخ العسكري السوداني أن “الدعم السريع” لم ينشأ خارج منظومة الدولة تماماً، وإنما تطور داخل البيئة التي صنعتها السلطة المركزية نفسها، فكما هو معلوم، أن الدعم السريع خرج من منظومة المليشيات التي استخدمها نظام البشير في دارفور، ثم أصبح قوة شبه عسكرية مستقلة ذات قيادة وموارد ومصالح خاصة في وضع مشوه، برضاء الجيش. إذن فإن أزمة 15 أبريل 2023 لم تكن ببساطة، جيش وطني ضد مليشيا ظهرت فجأة.بل كانت في جانب مهم منها نتيجة تراكم طويل من تعدد مراكز القوة المسلحة + عسكرة السياسة + ضعف الدولة المدنية أو عدمها + تنافس الموارد + غياب الإصلاح الأمني.

فبالتالي أن الخلاف حول دمج الدعم السريع في الجيش، والسيطرة على المؤسسة العسكرية، وشكل السلطة السياسية والمصالح الاقتصادية المتقاطعة، كانت من أهم العوامل المباشرة التي فجرت الحرب.

 كان انقلاب 25 أكتوبر 2021 لحظة مفصلية ومحطة مركزية، إذا أردنا فهم أزمة الجيش الحالية، فمن المعلوم بعد ثورة ديسمبر 2018 وسقوط البشير، أن الحكومة الانتقالية بقيادة د. عبدالله حمدوك يجب أن تقود في النهاية إلى انتخابات نزيهة وحكومة مدنية، ولكن الجيش والدعم السريع نفذا معاً انقلاب أكتوبر 2021، منهيا عملياً المسار الانتقالي.

 تاتي هنا المفارقة التاريخية الأكثر أهمية، فالقوتان اللتان اتفقتا على منع الانتقال المدني أصبحتا لاحقاً تتقاتلان على السلطة نفسها. أي أن التحالف العسكري الذي عطل الانتقال الديمقراطي، تحول إلى حرب عسكرية على كامل الدولة والمواطن البسيط. الحرب الحالية ليست فقط حرباً بين البرهان وحميدتي، فإختزال الحرب في شخصي البرهان وحميدتي يؤدي إلى قراءة سطحية في وجهة نظري.

توجد هناك ثلاثة مستويات متداخلة، من المهم استصحابها في هذا الطرح؛

– المستوى الأول، الصراع على السلطة، ومن يسيطر على الدولة؟

– المستوى الثاني، الصراع على المؤسسة العسكرية، ومن يملك السلاح والقرار العسكري؟.

– المستوى الثالث: الصراع على شكل السودان نفسه وكيفية إدارته، فهل يكون السودان:

– دولة مركزية؟.

– دولة مدنية ديمقراطية؟.

– دولة تهيمن عليها المؤسسة العسكرية؟.

– دولة متعددة مراكز القوة؟

أم دولة معرضة للتقسيم الفعلي؟.

إذن أزمة الجيش ليست أزمة قوة عسكرية فقط، إنها أزمة شرعية، فقد يكون الجيش أقوى عسكرياً من خصومه في لحظة معينة، لكن يظل السؤال السياسي دون إجابة!، من أين يستمد الجيش شرعيته في حكم البلاد؟ فالشرعية العسكرية شيء، والشرعية السياسية شيء آخر!، فبإستطاعة جنرالات الجيش أن يقولوا، نحن نحارب للحفاظ على وحدة السودان، ولكننا كسودانيين دوماً نتساءل؛ من أعطاكم حق تحديد مستقبل السودان السياسي؟. وهنا يجب التمييز بين أمرين، الدفاع عن الدولة، واحتكار الدولة.

قد يكون من الضروري عسكرياً مواجهة قوة مسلحة موازية، لكن ذلك لا يمنح المؤسسة العسكرية تلقائياً حق التحول إلى سلطة سياسية دائمة.

من أهم الأزمات التي تسببت فيها صراعات الجيش للحصول والبقاء في السلطة، هي المشكلة الاقتصادية، فالحرب الحالية لم تدمر فقط المدن والبنية التحتية، بل ضربت الأساس الاقتصادي للدولة، وهذا بدوره يخلق معادلة ذات تبعات غاية في الخطورة، تتمثل في دولة ضعيفة اقتصادياً، تعتمد أكثر على الاقتصاد الحربي، وبالتالي تتوسع مصالح الفاعلين المسلحين، مما يجعل الحرب أكثر قابلية للاستمرار. ولذلك فإن إنهاء الحرب لا يكفي وحده، فلا بد من تفكيك اقتصاد الحرب.

فهل سيغير الجيش من عقيدته الحالية لينحاز حقيقة لاشواق الشعب في الحرية والسلام والعدالة؟!.

– يتيع-

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: النص محمي