مقالاتالسودان

معركة كرري… الإرث الوطني الخالد

ماهو درس كرري ولماذا تكتسب الذكرى أهمية خاصة والسودان يعاني حربا داخلية وإنقساماً اجتماعياً وسياسياً خطيراً ؟

د. حامد البشير إبراهيم

استاذ جامعي وخبير دولي 

في الثاني من سبتمبر 1898، وقف السودانيون في منطقة كرري، شمال امدرمان، أمام واحدة من أكثر الآلات العسكرية تطوراً في ذلك العصر. كانت المواجهة غير متكافئة في السلاح والتنظيم والتقنية، لكن الذين تقدموا إلى ميدان المعركة امتلكوا شجاعة استثنائية وإرادة صلبة في الدفاع عن وطنهم وعن سيادته.

لم تكن كرري مجرد معركة انتهت بإنتصار جيش وهزيمة آخر، بل كانت لحظة تاريخية كثيفة وعميقة المعاني: فقد كشفت عن بطولة السودانيين، وعن استعدادهم لبذل أرواحهم دفاعاً عن أرضهم وكرامتهم، كما كشفت في الوقت نفسه عن وحشية التفوق العسكري الاستعماري حين واجه المقاتلين السودانيين بالمدافع الرشاشة والأسلحة الحديثة آخر ما جادت به الثورة الصناعية في اوروبا.

لقد جاء إلى كرري رجال من كل أقاليم السودان المختلفة ومن قبائله ومجتمعاته المتعددة. لقد اختلفت ألسنتهم وألوانهم وبيئاتهم، لكنهم التقوا في ميدان واحد تحت راية واحدة (السودان). ولم يسأل أحدهم الآخر عن قبيلته أو منطقته عندما بدأت المعركة؛ فقد جمعتهم لحظة وطنية تجاوزت حدود الانتماءات الضيقة.

ولهذا فإن كرري ليست ملكاً لجماعة أو قبيلة أو إقليم، ولا يجوز اختزالها في تاريخ تيار سياسي أو ديني بعينه. إنها ذاكرة وطنية مشتركة، وشهداؤها جزء من نسيج السودان وتاريخه (بدون فرز). وكل محاولة لإحتكار ذكراها أو توظيفها في صراعات الحاضر تنتقص من المعنى الوطني الكبير لتضحيات أولئك الرجال.

إن الاعتزاز بكرري لا يعني إغلاق باب النقد التاريخي، ولا تحويل الدولة المهدية إلى تجربة منزّهة عن الأخطاء. فلكل تجربة بشرية إنجازاتها وإخفاقاتها، ومن حق المؤرخين والباحثين دراسة سياسات المهدية وخلافاتها وظروفها الاجتماعية والاقتصادية. لكن النقد الموضوعي شيء، وإنكار بطولة الذين واجهوا الاستعمار وضحوا بحياتهم شيء آخر.

لقد دوّن ونستون تشرشل (الصحفي الحربي المرافق للجيش الإنجليزي) مشاهد من المعركة في كتابه حرب النهر، وشهد بشجاعة المقاتلين السودانيين، على الرغم من نظرته الاستعمارية المنحازة. وهذه الشجاعة لم تكن مجرد اندفاع عابر، بل كانت تعبيراً عن رفض الخضوع لقوة أجنبية جاءت لتعيد احتلال البلاد.

لقد قال عنهم تشرشل في كتابه حرب النهر:
“إنهم أشجع رجال مشوا على وجه الأرض” ثم اردف قائلاً: “لم نهزمهم ولكن حطمناهم بقوة السلاح”

وتكتسب ذكرى كرري اليوم أهمية خاصة، والسودان يعاني حرباً داخلية وإنقساماً اجتماعياً وسياسياً خطيراً. ففي كرري وجّه السودانيون سلاحهم نحو قوة استعمارية أجنبية؛ أما اليوم، فقد أصبح السلاح السوداني يحصد أرواح السودانيين ويدمر مدنهم وقراهم ومؤسسات دولتهم.

إن الوفاء الحقيقي لشهداء كرري لا يكون بالشعارات وحدها، وإنما ببناء وطن يساوي بين أبنائه، ويحفظ كرامتهم، ويصون وحدتهم، ويمنع استخدام السلاح في الصراع على السلطة. كما يكون برفض العنصرية وخطابات الكراهية والاستعلاء، وبإدراك أن السودان لا يمكن أن يستقر إذا جرى تقسيم تاريخه بين القبائل والأقاليم والتيارات السياسية.
كرري درس في الشجاعة، لكنها أيضاً دعوة إلى التأمل. فهي تذكّرنا بأن البطولة من دون وحدة وطنية راسخة، ودولة قوية، وقيادة حكيمة، وإعداد يتناسب مع التحديات، قد تنتهي إلى تضحيات جسيمة لا تحقق أهدافها. ولذلك ينبغي ألا نكتفي بتمجيد الموت، بل علينا أن نتعلم كيف نحمي حياة السودانيين ونبني الدولة التي استشهد من أجلها أجدادهم.

إن شهداء كرري لم يتركوا أسماءهم جميعاً في الكتب، لكن دماؤهم بقيت حاضرة في ذاكرة الأرض. كانوا سودانيين قبل أن يكونوا أبناء قبائل أو أقاليم، وأصبحت تضحياتهم أمانة في عنق كل جيل.

ستظل كرري معركة يعتز بها السودانيون، لا لأنها كانت انتصاراً عسكرياً، بل لأنها جسدت شجاعة شعب رفض الاستسلام أمام قوة أجنبية معتدية تفوقه عدداً وعتاداً. وستظل ذكراها جديرة بالاحترام ما دمنا نراها ملكاً للوطن كله، ونستلهم منها ما يجمعنا، لا ما يفرقنا.

كرري ليست ملكاً لجماعة أو قبيلة أو إقليم؛ إنها ذاكرة وطنية مشتركة، وشهداؤها جزء من تاريخ السودان الكبير، وسيظل كبيراً، بإذن الله.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: النص محمي