مهدي داود الخليفة:
في أوقات الحروب، لا تُقاس القرارات السياسية بحسن النوايا وحده، وإنما بقدرتها على التأثير في مسار الأحداث. وفي ظل الحرب السودانية التي تدخل عامها الرابع، يصبح كل اجتماع سياسي محطة قد ترسم جانباً من مستقبل البلاد، مهما كانت الملاحظات على طريقة تنظيمه أو أجندته.
ومن هذا المنطلق، يثير اعتذار قوى إعلان المبادئ السوداني – من أجل بناء وطن جديد – عن المشاركة في الاجتماع التشاوري الذي دعت إليه الآلية الخماسية في أديس أبابا، نقاشاً مشروعاً حول الوسيلة الأنسب للدفاع عن المبادئ: هل تكون بالمقاطعة، أم بالحضور وفرض الموقف من داخل قاعة الحوار؟
لا خلاف على أن البيان الذي أصدرته قوى إعلان المبادئ استند إلى مبررات سياسية معتبرة. فقد اعترض على توجيه الدعوة باسم “منصة إعلان نيروبي” بدلاً من الاسم الرسمي “قوى إعلان المبادئ السوداني”، وانتقد غياب تقييم مخرجات اجتماع الثالث من يونيو، كما أبدى تحفظه على غموض تصميم العملية السياسية، وتمسك بمبدأ الملكية الوطنية، ورفض إشراك المؤتمر الوطني المحلول والحركة الإسلامية وواجهاتهما في أي ترتيبات سياسية مقبلة.
وهي ملاحظات لا يجوز التقليل من أهميتها، لأن نجاح أي عملية سلام يبدأ باحترام هوية الأطراف المشاركة، والوضوح في منهج إدارة التفاوض، وبناء الثقة بين الوسطاء والقوى السياسية. لكن تبقى القضية الأهم: هل كانت المقاطعة هي الأداة الأكثر فاعلية لتحقيق هذه الأهداف؟
في تقديري، كان من الأجدى أن تشارك قوى إعلان المبادئ في الاجتماع، وأن تحول منصة الحوار إلى ساحة للدفاع عن مواقفها السياسية. فالمشاركة لا تعني التسليم بما يُطرح، كما أن الحضور لا يعني التنازل عن المبادئ، بل يمنح صاحبه حق الاعتراض، وحق تسجيل التحفظات في المحاضر الرسمية، وحق التأثير في القرارات منذ لحظة صياغتها.
ولو حضرت قوى إعلان المبادئ، لكان بإمكانها الاعتراض رسمياً على تسمية الدعوة، والمطالبة بتصحيح اسمها وصفتها السياسية، والإصرار على إدراج تقييم اجتماع يونيو ضمن جدول الأعمال، والمشاركة في تشكيل اللجنة التحضيرية بما يتناسب مع وزنها السياسي. كما كان بإمكانها أن تضع الآلية الخماسية أمام مسؤولياتها مباشرة، بدلاً من الاكتفاء بإيصال رسائلها من خارج قاعة الاجتماع.
فالسياسة، في نهاية المطاف، لا تُدار بالمواقف الرمزية وحدها، وإنما بحجم التأثير في صناعة القرار. ومن يغيب عن طاولة التفاوض يترك مساحة يشغلها آخرون، وقد يجد نفسه لاحقاً أمام ترتيبات لم يشارك في صياغتها، مهما كانت سلامة موقفه أو عدالة مطالبه.
كما أن غياب أي كتلة مدنية رئيسية يفتح الباب أمام إعادة تشكيل خريطة المشاركين، أو البحث عن بدائل لسد الفراغ، وهو ما قد يضعف التوازن المدني الذي تسعى إليه العملية السياسية. لذلك فإن المحافظة على هذا التوازن لا تتحقق بترك المقاعد شاغرة، وإنما بالحضور والدفاع عن المبادئ من داخل مؤسسات الحوار.
وفي المقابل، لا يمكن إعفاء الآلية الخماسية من مسؤوليتها. فمن غير المقبول أن تُدار عملية سياسية يُراد لها أن تكون شاملة بينما يثور هذا القدر من الجدل حول هوية المدعوين أو منهج إعداد الاجتماعات. فالوسيط الناجح لا يكتفي بتوجيه الدعوات، بل يعمل على إزالة أسباب عدم الثقة قبل انعقاد الاجتماعات، ويحرص على التواصل المباشر مع الأطراف الرئيسية لتجنب أي التباس قد ينعكس سلباً على العملية السياسية.
وتؤكد تجارب السلام في جنوب أفريقيا وإيرلندا الشمالية وكولومبيا أن نجاح الوساطات الدولية لم يكن نتيجة سرعة عقد الاجتماعات، وإنما نتيجة الحرص على إشراك جميع القوى المؤثرة، ومعالجة اعتراضاتها داخل العملية التفاوضية، لا خارجها. فالسلام المستدام لا يقوم على إقصاء طرف أو انسحاب آخر، وإنما على إدارة الخلافات داخل مؤسسات الحوار حتى الوصول إلى أرضية مشتركة.
إن السودان يقف اليوم أمام لحظة سياسية دقيقة، وأي عملية سلام لن يُكتب لها النجاح إذا افتقدت الشمول أو عجزت عن استيعاب القوى المدنية الفاعلة. وفي الوقت نفسه، فإن القوى السياسية مطالبة بأن تستثمر كل منبر متاح للدفاع عن رؤيتها، لأن التاريخ يعلمنا أن الاتفاقات لا يصنعها أصحاب المواقف الأكثر صواباً فحسب، وإنما يصنعها أيضاً أولئك الذين يحضرون لحظة اتخاذ القرار ويؤثرون في صياغته.
لذلك، ورغم وجاهة الأسباب التي استندت إليها قوى إعلان المبادئ في اعتذارها، فإنني أرى أن المشاركة كانت ستكون الخيار السياسي الأكثر تأثيراً. فالمواقف المبدئية تزداد قوة عندما تُدافع عنها من داخل مؤسسات التفاوض، لا عندما تُترك الساحة للآخرين. أما الآلية الخماسية، فإن مسؤوليتها تظل قائمة في تصحيح أوجه القصور التي شابت الدعوة، وتعزيز الثقة مع جميع الأطراف، لأن السلام الحقيقي لا يُبنى على حسن النوايا وحده، بل على شمول العملية السياسية، واحترام الشركاء، وإتاحة الفرصة المتكافئة للجميع للمشاركة في صناعة مستقبل السودان.

