مقالاتالسودان

في الذكرى السادسة لرحيل إبراهيم منعم منصور

وصية رجل دولة ..  لماذا تبدو دعوته إلى عزل المشروع الذي دمّر السودان أكثر إلحاحا اليوم؟

مهدي داود الخليفة:

في السادس عشر من يوليو حلت الذكرى السادسة لرحيل الأستاذ إبراهيم منعم منصور، أحد أبرز رجالات الخدمة العامة والسياسة السودانية، والذي غادر الدنيا في مثل هذا اليوم من عام 2020، تاركاً خلفه إرثاً فكرياً وسياسياً اتسم بالجرأة والوضوح والاستقلالية.

ولعل آخر ما كتبه قبل وفاته، مقاله الموسوم “المصالحة الإنسانية والمصالحة الوطنية”، لم يكن مجرد مقال سياسي عابر، بل بدا أقرب إلى وصية وطنية استشرفت ما سيؤول إليه السودان إذا لم تُعالج جذور الأزمة معالجةً جذرية، لا سطحية.

وبعد مرور ست سنوات علي وفاته، وثلاث سنوات من الحرب المدمرة التي اندلعت في أبريل 2023، تبدو كثير من تحذيراته وكأنها كُتبت لوصف واقع السودان اليوم.

لم يكن إبراهيم منعم منصور ضد التسامح، ولم يكن من دعاة الانتقام أو الإقصاء المجاني، بل ميّز بوضوح بين المصالحة الإنسانية التي تحفظ كرامة المجتمع وتداوي الجراح، وبين المصالحة السياسية التي قد تتحول إلى غطاء لإعادة إنتاج المشروع الذي قاد البلاد إلى الانهيار.

لقد أدرك مبكراً أن المشكلة في السودان ليست مجرد أخطاء أفراد، وإنما في مشروع سياسي وأيديولوجي استخدم الدولة أداةً للتمكين، وأحل الولاء محل الكفاءة، وقسّم المجتمع، وأضعف مؤسسات الدولة، حتى انتهى الأمر بانهيارها ودخول البلاد في واحدة من أسوأ الحروب في تاريخها.

لقد كان جوهر رسالته بسيطاً لكنه بالغ العمق: يمكن للمجتمع أن يسامح، ولكن لا يجوز للدولة أن تعيد تمكين من أثبتت التجربة أنهم حولوا مؤسساتها إلى أدوات للهدم.

واليوم، وبعد أن شاهد السودانيون حجم الدمار الذي أصاب المدن، وتشريد الملايين، وانهيار الاقتصاد، وتفكك مؤسسات الدولة، فإن السؤال الذي طرحه إبراهيم منعم منصور قبل وفاته يفرض نفسه بإلحاح:

هل يمكن بناء السودان بالأدوات والأفكار نفسها التي ساهمت في تدميره؟

إن الإجابة التي قدمها الرجل كانت واضحة وحاسمة.

فقد فرّق بين المواطن الذي يخطئ ثم يعود إلى وطنه، وبين المشروع المنظم الذي يجعل من السيطرة على الدولة غايةً دائمة، ويعتبر احتكار السلطة جزءاً من عقيدته السياسية.

ومن هنا جاءت دعوته إلى عزل الفكر التدميري عن مؤسسات الدولة، لا انتقاماً من الأشخاص، وإنما حمايةً لمستقبل السودان.

وهذا التفريق يمثل اليوم أحد أهم الأسس التي ينبغي أن تقوم عليها أي عملية انتقال سياسي جادة.

فالدول الخارجة من النزاعات لا تُبنى بإعادة إنتاج أسباب انهيارها، وإنما بإصلاح مؤسساتها، وترسيخ سيادة القانون، وضمان عدم تكرار التجربة التي قادت إلى الكارثة.

ولعل أكثر ما يلفت النظر في مقاله أنه لم يجعل العدالة نقيضاً للمصالحة، بل اعتبرها شرطاً لها.

فلا يمكن الحديث عن مصالحة وطنية حقيقية بينما لا تزال آلاف الأسر تجهل مصير أبنائها، ولا تزال الجرائم الكبرى بلا مساءلة، ولا تزال جراح الضحايا مفتوحة.

إن السلام الذي يتجاوز العدالة لا يصنع استقراراً، وإنما يؤجل الانفجار.

كما أن المصالحة التي تقوم على النسيان القسري، لا على كشف الحقيقة والاعتراف بالمسؤولية، تظل سلاماً هشاً سرعان ما ينهار عند أول أزمة.

لقد أثبتت تجارب الأمم، من جنوب أفريقيا إلى رواندا والمغرب وغيرها، أن المصالحة المستدامة لا تتحقق إلا عندما تقترن بالحقيقة والعدالة والإصلاح المؤسسي وضمانات عدم التكرار.

وهذا هو المعنى الحقيقي الذي دافع عنه إبراهيم منعم منصور.

واليوم، وبعد ست سنوات على رحيله، لا يبدو مقاله مجرد قراءة لمرحلة سياسية مضت، بل وثيقة تستحق أن تُقرأ في سياق البحث عن مستقبل السودان.

فالسودان يحتاج إلى مصالحة مجتمعية واسعة تعيد اللحمة بين أبنائه، لكنه في الوقت ذاته يحتاج إلى توافق وطني واضح على أن الدولة الجديدة لا يجوز أن تعود أسيرة لأي مشروع شمولي، أو أيديولوجي، أو احتكاري، أياً كان لونه أو شعاراته.

لقد رحل إبراهيم منعم منصور، لكن فكرته المركزية ما تزال حية:

إن بناء الوطن يبدأ بعزل أسباب انهياره، قبل البحث عن المصالحة مع من تسببوا في ذلك الانهيار.

رحم الله إبراهيم منعم منصور، فقد ترك للسودانيين أكثر من مقال، وترك لهم وصية سياسية وأخلاقية لا تزال، بعد ست سنوات، جديرة بالتأمل والنقاش، وربما تكون إحدى المفاتيح الضرورية لبناء دولة العدالة والمواطنة وسيادة القانون، الدولة التي تتسع لجميع أبنائها، لكنها لا تسمح مرة أخرى بعودة المشاريع التي جعلت من الوطن ساحة للهدم والانقسام.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: النص محمي