مقالاتالسودانفلسطينقطر

حين يرحل من لا يُعوَّض: مرثية الفارس و”دفّان الفقر‎”‎

ما هي قصة " الأمير الوالد" الكبرى ولماذا بكاه القطريون والوافدون وكيف رأى السودان قضية إنسانية وأطلق صرخة الحق بشأن فلسطين ؟

د. عادل سهل

أستاذ جامعي سوداني

في صبيحة 12 يوليو 2026، توقّف قلبٌ كان يخفق منذ أكثر من سبعة عقود بحبٍّ ‏‏صادق لهذه الأرض، لشعبها، ولأمتها الإنسانية. وحين تتلقّى دولة بأسرها النبأ، وتتحوّل في ‏‏ساعاتٍ منصات التواصل كلها إلى دفتر عزاء مفتوح لا تنضب صفحاته، فاعلم أن الذي رحل ‏‏لم يكن حاكماً مرّ في دفاتر البروتوكول فحسب، بل كان ظاهرة إنسانية نادرة، وبانياً عظيماً لا ‏‏يُعوَّض غيابه، ولا يُسد فراغه بسهولة‎.‎

رحل الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني — طيّب الله ثراه — وخلّف في كل عين ‏‏دمعة، وفي كل صدر نفثة من حزن لا تُبدّده السلوى، ولا يُطفئه النسيان‎.‎

شهادتي الشخصية: سوداني في “كعبة المضيوم‎ “‎..

أنا عادل ود سهل، السوداني الذي حملته الأقدار إلى هذه البلاد ( قطر)  قبل ثلاثين عاماً (عام ‏‏‏1996)، ووجد فيها وطناً ثانياً وأسرة ممتدة وكرماً لا ينضب، وعاش على هذه الأرض الطيبة، ‏‏وتنفس هواءها، وشرب من معين إنسانيتها ثلاثة عقود كاملة، راي خلالها بعينيه كيف يمكن ‏‏لرجل واحد أن يغيّر مصير وطن بأكمله، لا أملك في هذه اللحظة الحزينة إلا أن أُسجّل ‏‏شهادتي للتاريخ؛ شهادة مواطن أفريقي رأى بعينيه ما صنعه هذا الرجل العظيم، شهادة من ‏‏عاش لا من سمع، وشاهد معجزة التحوّل الكبرى خطوة بخطوة، ورأى كيف صعدت قطر ‏‏بثقةٍ وثبات نحو قمة مجدها‎.‎

حين قدمتُ إلى قطر عام 1996، كنت أحمل في داخلي — كأي وافد غريب — هواجس ‏‏الترقب وحذر المجهول، غير أنني اكتشفت سريعاً أن هذه البلاد ليست مجرد دولة حققت ‏‏الثراء والنهضة، بل هي مدرسة في احترام الإنسان وصون كرامته. وجدت شعباً مؤدباً، حيياً، ‏‏كريماً بطبيعته، يرحب بالوافد ويحتفي به ويتعامل معه بإخاء وتقدير، حتى يشعر أنه بين ‏‏أهله لا بعيداً عنهم‎.‎

ولم تكن تلك الأخلاق وليدة المصادفة، بل ثمرة نهجٍ رسخه قادة كبار آمنوا بأن قيمة ‏‏الأوطان تُقاس بمدى احترامها للإنسان، أياً كان أصله أو جنسيته أو لونه. ولذلك لم نشعر ‏‏نحن السودانيين يوماً أننا غرباء في قطر، بل وجدنا مكانة واحتراماً وتقديراً جعل كثيرين منا ‏‏يعتبرونها وطناً ثانياً بحق‎.‎

نحن أبناء السودان الذين ساقتنا الأقدار إلى هذه الأرض الطيبة جئنا إلى قطر ضيوفاً، ‏‏فوجدنا أنفسنا في مقام الإخوة، لم نشعر يوماً أننا غرباء، ورأينا بأعيننا كيف تُحفظ كرامة ‏‏الإنسان، وكيف يُصان حقه، وكيف يُعامل بما يليق بآدميته لا بجنسيته‎.‎

كان لنا مع هذا الرجل حكاية مختلفة، نعم كان لنا مع الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة ‏آل ‏ثاني حكاية خاصة، لا يعرف تفاصيلها إلا من عاشها. فعلى كثرة أصدقاء السودان من ‏الحكام ‏والدول بين العرب والعجم، لم نعهد حاكماً أحب السودان والسودانيين وأحبوه، كما ‏أحبه ‏السودانيون. فقد كان السودان بالنسبة إليه أكثر من ملف سياسي أو قضية عابرة؛ كان ‏قضية ‏إنسانية حاضرة في وجدانه ورؤيته‎.‎

وقد تجلى ذلك في مواقف عملية ستظل محفورة في ذاكرة السودانيين، لا سيما في ملف ‏‏دارفور، حيث وقفت قطر سنوات طويلة إلى جانب أهل الإقليم، وبذلت من مالها وجهدها ‏‏ووقتها ما لم تبذله أياً من الدول الأخرى، فقد أنفقت ما يزيد على ملياري دولار في مشاريع ‏‏الإعمار والتنمية، ورعت مفاوضات السلام حتى تُوّجت بالتوقيع على ثيقة الدوحة للسلام ‏‏عام 2011‏‎‎.

ولقد رأينا بأعيننا الوفود السودانية وهي تقيم أشهراً طويلة، بل سنوات كاملة، في الدوحة، ‏‏تتنقل بين قاعات الحوار وموائد التفاوض، وبعضهم جاء بأسرته ورُزق بأبنائه على هذه ‏‏الأرض المباركة، وكل ذلك في ظل رعاية كريمة وضيافة لا تعرف المنّ ولا الأذى، ولا الإقرار ‏‏والمقابل، بل بصدر رحب وأمل لا ينقطع في أن يعود السلام إلى السودان ـ وإيمان صادق بأن ‏‏السلام يستحق الصبر والتضحية‎.‎

واليوم حين أتأمل تلك السنوات، أدرك أن ما كان يفعله الأمير الوالد لم يكن مجرد سياسة ‏‏خارجية أو دور دبلوماسي تقليدي، بل كان انعكاساً لمعدن إنساني نادر، وفلسفة راسخة ‏‏آمنت بأن الإنسان أولاً، وأن خير الأمم لا يقاس بما تملكه من ثروات، بل بما تمنحه من أمل ‏‏للآخرين‎.‎

وللمواطن السوداني على هذه الأرض  قيمة، واحترام، وقدر كبير. كيف لا، وقطر كانت بالفعل ‏‏ملاذاً ومأوى للمحتاج، وعوناً للمكروب، وسنداً للضعيف، وارضاً للسلام والمحبة، ولهذا لم ‏‏يكن غريباً أن تُعرف بين الناس بـ (كعبة المضيوم) فحقا هي كذلك، وقد وجد فيها ‏‏السودانيون من المحبة والتقدير ما جعل ذكراها مرتبطة في وجدانهم بمعاني الوفاء والكرم ‏‏والنبل‎.‎

لقد أحبّ الأمير الوالد السودان حباً صادقاً تجلّى في المواقف لا في البيانات الرسمية. كان ‏‏السودان في قلبه قضية إنسانية وشعباً يستحق السند. فكم وقفت قطر مع السودان في ‏‏أحلك لحظاته التاريخية! وكم بذلت لأجل دارفور من مالها، وجهدها، ووقتها سنوات طويلة ‏‏تحت رعاية الأمير الوالد مباشرة‎!‎

ما كان يصنعه الأمير الوالد لم يكن مجرد سياسة خارجية، بل كان فيضاً من معدن إنساني ‏‏نادر وعقيدة راسخة تقول إن “الإنسان أولاً‎”.‎

“دفّان الفقر”: الاسم الذي أطلقه الفقراء لا الدواوين:‏

الألقاب الرسمية يمنحها السلاطين وتصيغها بروتوكولات القصور، أما الألقاب التي يُطلقها ‏‏الضعفاء، والفقراء، ومجهولو الأسماء في أقاصي الأرض، فتلك هي النياشين الحقيقية التي ‏‏تبقى خالدة بعد أن تُنسى كل الأوسمة والدروع‎.‎

ولهذا، حين أطلق الناس على الأمير الوالد لقب “دفّان الفقر”، فإنهم لم يكونوا يمدحون ‏‏منصباً، بل كانوا يصفون حقيقة عاشوها في بيوتهم، وأجسادهم، وأرواحهم. فقد دفن الأمير ‏‏الراحل فقر بيوت وأسر وعوائل لا يعلم بها إلا الله؛ امتدت يداه البيضاء بسخاء إلى أقاصي ‏‏أفريقيا، وأحراش غاباتها، ومواطن العوز فيها، بلا منٍّ ولا أذى، وبلا صخب ولا ضجيج ‏‏إعلامي.

وتشاركت معه في هذا النبل وهذا المشروع الحضاري الإنساني رفيقة دربه وشريكة عمره، ‏‏سموّ الشيخة موزا بنت ناصر المسند، التي رعت التعليم المجاني في أرجاء القارة السمراء، ‏‏وأسّست المدارس والمستشفيات ودور رعاية الأطفال في المجتمعات المعدمة، لتنتشل ‏‏آلاف الأسر من وهدة الحرمان والجهل إلى ضوء المعرفة ونور الأمل‎.‎

قطر قبل وبعد الأمير الراحل: ‏‎”‎قصة تحوّل نادرة في التاريخ المعاصر‎”‎‏:‏

شهد التاريخ عبر حقبه المتلاحقة حُكّاماً ورثوا ممالك شاسعة، وإمبراطوريات تمتد على ‏‏آلاف الأميال، فأضاعوها بالاستبداد وقِصَر النظر والانفصال عن نبض الشعوب، حتى ‏‏صغرت — على اتساع رقعتها الجغرافية — في دفتر الإنجاز والحضارة. وفي المقابل، يأتي قِلّة ‏‏من القادة الكبار إلى أرض ضيّقة المساحة، وشعب يُعدّ بالألوف، فيعوّضون ضيق الجغرافيا ‏‏باتساع الرؤية، ويحوّلونها بالعلم، والجسارة، والقيم، وحبّ الآخرين إلى منارة كبرى للخير ‏‏والتلاقي والتأثير العالمي.

كان الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني واحداً من هؤلاء النادرين، بل كان في ‏‏طليعتهم وعنوان مجدهم‎.

تولّى مقاليد الحكم عام 1995 وقطر تبحث عن مكانها تحت الشمس، تكافح من أجل ‏‏الحضور والبقاء في عالم لا يرحم الضعفاء. وحين سلّم الأمانة لنجله الأمير تميم عام 2013 ‏‏‏— بإرادة ذاتية حرّة، في نموذج سياسي وأخلاقي نادر لم تعرفه منطقتنا — كانت قطر قد ‏‏تحوّلت إلى قوة إقليمية ودولية مؤثّرة، وإلى اسم يُهابه السياسيون، ويحترمه الزعماء، ‏‏ويقصده المظلومون والمحتاجون من كل أصقاع الأرض‎.‎

خلال ثمانية عشر عاماً من حكمه، حوّل الأمير الوالد “الغاز” إلى نفوذ، و “التعليم” إلى قوة، ‏‏و “الإعلام” إلى رسالة كبرى. وتقول الاحصائيات، خلال هذه الفترة فقد تضاعف الناتج ‏‏المحلي الإجمالي لقطر أكثر من أربعة وعشرين مرة، وارتفع دخل الفرد ست مرات، وقفزت ‏‏قيمة قطاع الهيدروكربونات (الغاز) من 11 مليار ريال إلى 403 مليارات ريال، ولكن، الأرقام ‏‏‏— مهما ضخمت — لا تحكي قصة حمد بن خليفة الحقيقية؛ لأن قصته الكبرى كانت دائماً ‏‏في “الإنسان”، لا في البترول ولا في الغاز‎.‎

البناء المؤسسي، كانت رؤيته هي فلسفة دولة لا مجرد مشروع حاكم:‏

ما يميّز الأمير الوالد عن كثير من القادة التاريخيين، أنه لم يبنِ لنفسه مجداً زائلاً، بل بنى ‏‏لدولته بقاءً شامخاً. لم يعمل لعصره وحسب، بل خطّ بيمينه مستقبل الأجيال القادمة عبر ‏‏فلسفة تجمع بين ثلاثة أركان: الإنسان أولاً … المعرفة أداة … والتأثير غاية‎.‎

ما شهدته بأم عيني خلال ثلاثين عاماً في قطر يمكن اختصاره في محطات كبرى ‏جسّدت رؤية الأمير الوالد لبناء الدولة الحديثة‎.

في الإعلام: أطلق قناة الجزيرة عام 1996، فصارت واحدة من أكثر المنصات الإعلامية تأثيراً ‏في العالم‎.

في التعليم: أسّس مؤسسة قطر والمدينة التعليمية، واضعاً الاستثمار في الإنسان والمعرفة ‏في مقدمة أولويات الدولة‎.

في الاقتصاد: حوّل ثروة الغاز إلى قاعدة للتنمية والرفاه وبناء المؤسسات‎.

في الدستور والقانون: أرسى دعائم الدولة الحديثة بإصدار أول دستور دائم للبلاد عام ‏‏2004‏‎.

وفي الرياضة: آمن مبكراً بقوة الرياضة في بناء صورة الأمم، فكان الطريق الذي قاد إلى ‏استضافة كأس العالم، وصولاً إلى مونديال 2022 الذي قدّم قطر للعالم في أبهى صورة ‏كعاصمة للرياضة والسلام. وحين ارتدى بطل العالم الارجنتيني “البشت القطري” أمام أنظار مليارات ‏البشر، تجسدت رؤية الأمير الوالد في أوضح صورها؛ حضور عالمي واسع مع اعتزاز كامل ‏بالهوية العربية والإسلامية، وكأن الرسالة تقول‎: ‎قطر منفتحة على العالم دون أن تنسى ‏جذورها‎.‎

كان – رحمه الله – حمامة سلام بأجنحة عملاقة: فانتهج فلسفة الوساطة الهادئة:‏

كان يمكن لقطر — بحجمها الجغرافي — أن تكتفي بحدودها وتستمتع بثروتها الهائلة وتنأى ‏‏بنفسها عن نزاعات المنطقة الصاخبة. لكن الأمير الوالد اختار لها دوراً مختلفاً وعظيماً؛ دور ‏‏حمامة السلام القوية الواثقة‎.‎

تنقّلت الدبلوماسية القطرية الإنسانية من دارفور إلى بيروت، ومن غزة إلى أفغانستان، ‏‏وتشاد، و جيبوتي، و إريتريا، و الصومال، و الكونغو، و رواندا، و بوروندي. كانت تتحرك بلا ‏‏أجندات خفية، تبني الجسور حيث تهاوت الجسور، وتعالج جذور المشكلات لا أعراضها ‏‏السطحية‎.‎

وفيما يخصّ فلسطين —درة القضايا التي سكنت قلبه ووجدانه — لم تكن مواقفه ‏‏شعارات برّاقة، بل حراكاً فعلياً على الأرض. وكان أول زعيم عربي يكسر حصار غزة عام ‏‏2012 ‏حاملاً منحة إعمار وبناء وتثبيت للأهالي. وظلت قولته الشهيرة في أحلك الظروف: ‏‏”حسبنا ‏الله ونعم الوكيل” صرخة حق في وجه الظلم، نابعة من قلب مؤمن لا يهاب في ‏الحق لومة ‏لائم‎.‎

تسليم السلطة: الدرس الأنبل في عالم الكراسي:‏

في يوم الخامس والعشرين من يونيو 2013، وقف الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة ‏‏أمام شعبه والعالم، ليُعلن — من تلقاء نفسه، وبإرادة حرة زاهدة — تسليم مقاليد الحكم ‏‏لولي عهده الأمين الشيخ تميم بن حمد‎‎.‎

أعلن في كلمته التاريخية أنه لم يُرد السلطة غاية في ذاتها، وأن مصلحة الوطن تقتضي فتح ‏‏صفحة جديدة يقودها الشباب بآفاقهم وطاقاتهم. في عالم يتشبث فيه القادة بكراسيهم ‏‏حتى تنهار الأوطان من حولهم، جاء هذا الموقف ليكون درساً سياسياً وأخلاقياً بليغاً وعميقاً؛ ‏‏أثبت فيه هذا الرجل الكبير أنه بنى دولة لتبقى، لا حكماً ليدوم‎.‎

لا يغيب الحاكم ولا يزول أثره ما دام قد سلّم الأمانة ليدٍ أمينة تحفظ العهد وتكمل ‏‏المسير‎.‎

الوداع الأخير: دموع أمة، رصدها شاهد على العصر:‏

لم يكن بكاء القطريين والوافدين يوم رحيله بكاء العادة والبروتوكول، لقد كان بكاءً ‏حقيقياً ‏يفيض بالمرارة والامتنان، بكاء من يودّع والداً وأباً حانياً بسباطته، ودماثته، وصبره، ‏وعطائه ‏بلا تكلّف‎، تحوّلت منصات التواصل في ساعات إلى دفتر عزاء يفيض بالمحبة والامتنان ‏والصدق، قد ترى شباب لم يعاصروا بدايات النهضة، لكنهم كتبوا عنه كمن كانوا شهوداً على ‏كل قرار، لأنهم يعيشون اليوم في جامعاتهم ومستشفياتهم وطرقاتهم وعلى أرضيّة الأمن ‏والكرامة التي بناها لهم، وهذا هو الميزان الحقيقي للقادة العظماء: لا يُقاس إرثهم بعدد ‏سنوات الحكم، بل بقدرة الأجيال اللاحقة على رؤية آثار قراراتهم في تفاصيل حياتها اليومية‎.‎

فالأرقام مهما عظمت تبقى أرقاماً، أما الرجال فيقاسون بالأثر الذي يتركونه في القلوب، ولهذا ‏بكى القطريون ذلك اليوم مرحلةً كاملة من حياتهم، بكوا الرجل الذي رأوا في عهده أحلامهم ‏تتحول إلى واقع، والذي جعل أبناء قطر يشعرون بالفخر حين يذكرون اسم بلادهم في أي ‏مكان من العالم‎.‎

لقد رحل الفارس المعطاء المسماح الصالح، وتوقف ذلك القلب الكبير الذي احتمل في جلد ‏‏وصبر مشهود كل عذابات هذا العصر، وأرهقته وعثاء الحروب، والمؤامرات، وظلم الأقارب ‏‏والأباعد، فما لانت له قناة، وما وهنت له عزيمة، ولم يرتفع صوته يوماً بمغاضبة أو شكوى‎.‎

إن عزاءنا الموشح بالصبر الجميل، أن الأمير الوالد لم يترك خلفه فراغاً؛ لقد ترك دولة ‏‏شامخة، ومؤسسات راسخة، وشعباً متلاحماً، وأبقى من ورائه حضرة صاحب السمو الشيخ ‏‏تميم بن حمد آل ثاني — حفظه الله — الفياض بالعلم، والحكمة، والتواضع، ليكمل ‏‏المسيرة ويحمل الراية بكل أمانة واقتدار، فكأنما الأب الراحل يقول لنا: “أنا لا أرحل ما دام ‏‏الأثر باقياً، والوريث حاملاً للأمانة‎”.‎

وعندما انفضّ الجمع عن ذلك القبر الطاهر المبارك، ورُسم على الشاهد بخط واضح جميل: “هنا يرقد المغفور له الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني”، جللت الآية الكريمة ذلك المشهد ‏‏المهيب لتلخَص سيرة رجل غيّر التاريخ‎:‎

(مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ ‏‏وَما بَدَّلُوا تَبْدِيلاً) ‏

وداع من أحبّ السودان ولم يطلب شكراً:‏

يا أيها الأمير الوالد الراحل، لم يكن السودان على امتداد تاريخه المرير يعرف حاكماً خارجياً ‏أحبّه كما أحبّك، ولم يعرف مُعطياً أعطاه كما أعطيته — بلا شرط ولا ثمن ولا رفع صوت ‏بعتاب أو حساب. وأنا — ابن السودان المقيم على أرضك ثلاثين عاماً — لا أستطيع إلا أن ‏أشهد بما رأيت وما عشت وما وجدت، وجدت في قطر شعباً يكرم الوافد كما يكرم ابنه، ‏ووجدت دولة تُنصف المظلوم قبل أن يطلب، ووجدت في سيرة هذا الرجل برهاناً على أن ‏الأرض — مهما ضاقت — تتسع للعطاء حين يسكنها قلب كبير‎.‎

اللهم اغفر للشيخ الأمير الوالد حمد بن خليفة آل ثاني وارحمه، وتقبّله بواسع رحمتك، ‏‏وعافه واعفُ عنه، وأكرم نزله، ووسّع مدخله، وأسكنه فسيح جناتك مع الصديقين ‏‏والشهداء وحسن أولئك رفيقاً، واجزه عن قطر، وعن العرب وعن أفريقيا وعن السودان، وعن ‏‏فلسطين وعن الأمة العربية والإسلامية، وعن كل نفس مكلومة مدّ لها يده بالخير، خير ‏‏الجزاء‎.‎

وإن كانت الأوطان تُقاس برجالها، فإن قطر اليوم تقول للعالم: قد مرّ من هنا رجلٌ صنع ‏‏التاريخ‎.‎

*(دكتور عادل سهل  أستاذ في جامعة قطر ومقيم في الدوحة منذ ثلاثين عاما )‏

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: النص محمي