مقالاتالسودان

مبادرة مالك عقار… هل هي مراجعة سياسية أم مخرج اضطراري؟

لماذا بدأ خيار الحسم العسكري في الخطاب الرسمي يفقد بريقه وما هي العقبات أمام " مبادرة جس النبض"؟

مهدي داود الخليفة:

ليست مبادرة مالك عقار حدثاً سياسياً عادياً، ولا يمكن التعامل معها باعتبارها مجرد اجتهاد شخصي لرئيس الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال. فالرجل لا يشغل منصباً حزبياً فحسب، بل هو نائب رئيس مجلس السيادة، وأحد أبرز أركان السلطة في بورتسودان. لذلك فإن أي مبادرة يطرحها بهذا الحجم يصعب فصلها عن المزاج السياسي داخل السلطة نفسها، مهما حرص على التأكيد بأنه يتحدث بصفته الحزبية لا الرسمية.

السؤال الحقيقي ليس لماذا طرح عقار المبادرة، وإنما لماذا الآن؟

الإجابة تكمن في أن البيئة التي كانت تسمح باستمرار الحرب بدأت تتغير بصورة متسارعة. فبعد أكثر من ثلاث سنوات من القتال، لم يعد الحديث عن نصر عسكري حاسم سوى شعار سياسي أكثر منه واقعاً ميدانياً. الجيش لم يتمكن من إنهاء قوات الدعم السريع، كما عجزت الأخيرة عن إسقاط الدولة أو فرض سيطرتها على كامل البلاد. والنتيجة أن السودان دخل مرحلة الاستنزاف المفتوح، حيث يخسر الجميع، بينما ينهار الاقتصاد وتتفكك مؤسسات الدولة وتتسع المأساة الإنسانية.

الأهم من ذلك أن البيئة الدولية لم تعد تتعامل مع الحرب السودانية باعتبارها صراعاً يمكن تركه ليستنزف أطرافه. فالتحركات الأمريكية الأخيرة، والمواقف الإقليمية، والضغوط المتزايدة داخل مجلس الأمن، كلها تشير إلى أن المجتمع الدولي انتقل من مرحلة إدارة الأزمة إلى مرحلة البحث عن فرض تسوية سياسية، حتى لو لم تنضج ظروفها بالكامل.

في هذا السياق تحديداً جاءت مبادرة عقار.

ولذلك فإن اختزالها في كونها دعوة للحوار مع تحالف “صمود” يفقدها معناها الحقيقي. فهي في جوهرها رسالة من داخل معسكر بورتسودان بأن خيار الحسم العسكري الذي ظل يهيمن على الخطاب الرسمي بدأ يفقد بريقه، وأن البحث عن مخرج سياسي لم يعد ترفاً، بل أصبح ضرورة تفرضها موازين القوة الجديدة.

والمفارقة أن مالك عقار نفسه كان، حتى وقت قريب، من أكثر المدافعين عن استمرار الحرب حتى هزيمة قوات الدعم السريع، وقدم خطاباً سياسياً لا يختلف كثيراً عن خطاب المؤسسة العسكرية. لذلك فإن التحول ليس في شخصية الرجل، وإنما في الواقع الذي فرض على الجميع مراجعة حساباتهم.

فحين تتحدث المبادرة عن الفصل بين المسار العسكري والمسار السياسي، وعن الحوار مع القوى المدنية، وعن مستقبل الحكم والعلاقة بين المركز والهامش، فإنها تعلن بصورة غير مباشرة أن الحرب وحدها لم تعد قادرة على إنتاج نظام سياسي جديد.

وهنا تبرز ملاحظة مهمة. فمحاولة عقار الفصل بين صفته كرئيس للحركة الشعبية وصفته نائباً لرئيس مجلس السيادة تبدو أقرب إلى مناورة سياسية تمنح السلطة مساحة للمناورة إذا تعثرت المبادرة. فمن الصعب تصور أن نائب رئيس الدولة يفتح حواراً مع أكبر التحالفات المدنية دون علم أو تنسيق مع القيادة السياسية والعسكرية. ولذلك تبدو المبادرة أقرب إلى “جس نبض” أكثر منها مبادرة حزبية مستقلة.

لكن نجاحها لا يتوقف على نوايا صاحبها، وإنما على العقبات التي تواجهها.

أولى هذه العقبات هي الانقسام داخل معسكر بورتسودان نفسه. فليس كل من يقف خلف الجيش يؤمن بالتسوية السياسية، ولا يبدو أن التيار الإسلامي، الذي توسع نفوذه داخل مؤسسات الدولة خلال الحرب، مستعد بسهولة للقبول بعملية سياسية قد تعيد رسم موازين السلطة أو تعيد القوى المدنية إلى المشهد.

بل يمكن القول إن الاختبار الحقيقي للمبادرة ليس موقف تحالف “صمود”، وإنما مدى استعداد المؤسسة العسكرية وحلفائها لتقديم تنازلات حقيقية. فالحوار لا يمكن أن ينجح إذا ظل مجرد غطاء لاستمرار الحرب، أو وسيلة لشراء الوقت حتى تتغير الموازين العسكرية.

أما العقبة الثانية فتتمثل في أزمة الثقة. فمن الصعب مطالبة القوى المدنية بالدخول في حوار مع سلطة ظلت طوال سنوات تتهم خصومها بالخيانة والعمالة، بينما كانت تعتبر مجرد الحديث عن التسوية السياسية نوعاً من الاستسلام. ولذلك فإن أي حوار لن يكتسب مصداقيته إلا إذا ارتبط بخطوات عملية، في مقدمتها وقف إطلاق النار، وفتح المجال السياسي، وإبداء استعداد واضح لمعالجة قضية تعدد الجيوش ضمن عملية إصلاح أمني وعسكري شاملة.

ويبقى سؤال آخر لا يقل أهمية: هل يملك مالك عقار وحركته الشعبية الوزن السياسي الذي يؤهلهما لقيادة هذا المسار؟

الإجابة، في تقديري، ليست بالقدر الذي يتصوره البعض. فالحركة الشعبية بقيادة عقار لم تعد القوة المؤثرة التي كانت عليها قبل سنوات، كما أن اصطفافها الكامل إلى جانب أحد أطراف الحرب أفقدها كثيراً من قدرتها على لعب دور الوسيط المحايد. غير أن أهمية المبادرة لا تستمد قوتها من وزن الحركة، وإنما من كونها تعكس مؤشرات على مراجعات بدأت تتشكل داخل السلطة نفسها، تحت ضغط الواقع العسكري والاقتصادي والدبلوماسي.

لهذا، فإن المبادرة تستحق القراءة باعتبارها مؤشراً سياسياً، لا باعتبارها مشروعاً متكاملاً للحل.

لقد ظل الخطاب الرسمي يردد أن الحرب ستنتهي بالانتصار العسكري، لكن الوقائع أثبتت أن النصر الكامل بات بعيد المنال، وأن التسوية السياسية أصبحت الطريق الأقل كلفة للجميع.

قد لا تنجح مبادرة مالك عقار في فتح باب التسوية، وقد تتعثر أمام صراعات مراكز القوى داخل معسكر بورتسودان قبل أن تواجه رفض خصومه. لكنها تكشف حقيقة لم يعد بالإمكان إنكارها: معسكر الحرب نفسه بدأ يبحث عن مخرج سياسي.

وهنا تكمن أهميتها الحقيقية.

فالسياسة التي أُقصيت في بداية الحرب، ووُصفت بالخيانة، تعود اليوم بهدوء إلى الطاولة، ليس لأن أحداً انتصر، بل لأن الجميع أدرك أن استمرار الحرب لم يعد يقود إلى النصر، وإنما إلى استنزاف الدولة ذاتها.

ولعل المفارقة الأكثر دلالة أن القوى التي كانت ترفع شعار “لا تفاوض حتى الحسم” أصبحت اليوم هي نفسها التي تبحث عن صيغة للحوار. والتاريخ كثيراً ما يثبت أن السياسة لا تغيب طويلاً؛ فإذا طُردت من الباب، عادت من النافذة… ولكن بعد أن يكون الوطن قد دفع ثمناً باهظاً كان يمكن تجنبه.

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: النص محمي