مقالاتالسودان

مهدي داود الخليفة يكتب: هل بدأ المجتمع الدولي أخيراً الرهان على المدنيين في السودان؟

ما الجديد في الموقف الدولي وماذا عن الشراكة مع العسكر وكيف تعاملت قيادة الجيش مع المبادرات الدولية وموقف الإسلاميين وما التحدي الأكبر داخل المعسكر المدني؟

مهدي داود الخليفة

بعد أكثر من ثلاث سنوات من حربٍ مدمرة حوّلت السودان إلى واحدة من أكبر الكوارث الإنسانية في العالم، وقتلت عشرات الآلاف، وشرّدت الملايين، وأدخلت البلاد في دوامة من المجاعة والانهيار الاقتصادي والتفكك الاجتماعي، يبدو أن المجتمع الدولي بدأ يقترب أخيراً من الحقيقة التي ظل السودانيون يرددونها منذ اندلاع الصراع: لا يوجد حل عسكري لهذه الحرب، ولا يمكن بناء دولة مستقرة على أنقاض البنادق.

فالبيان المشترك الصادر في 8 يونيو 2026 عن الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي والإيغاد وجامعة الدول العربية وعدد من الدول الأوروبية لا يمثل مجرد موقف دبلوماسي جديد، بل يعكس تحولاً مهماً في قراءة المجتمع الدولي للأزمة السودانية. فهو اعتراف متأخر بفشل الرهانات السابقة التي تعاملت مع السودان باعتباره ساحة نزاع بين جنرالين يمكن احتواؤها عبر تفاهمات أمنية أو ترتيبات لتقاسم السلطة.

لقد أثبتت السنوات الماضية أن الحرب لم تكن مجرد صراع على السلطة بين الجيش وقوات الدعم السريع، بل كانت نتيجة مباشرة لانهيار المشروع الوطني السوداني، وعجز الدولة عن إدارة التنوع السياسي والاجتماعي، وفشل النخب العسكرية في بناء نظام حكم مستقر، كما كشفت محدودية المقاربات الدولية التي انشغلت بإدارة الأزمة أكثر من انشغالها بمعالجة جذورها.

والرسالة الأهم في البيان ليست الدعوة إلى الحوار أو التعبير عن القلق إزاء المأساة الإنسانية، فهذه العبارات تكررت في عشرات البيانات السابقة. الجديد هذه المرة أن المجتمع الدولي يتحدث بصورة أكثر وضوحاً عن عملية انتقال مدني مستقلة، وعن حكومة مدنية مستقلة، وعن ضرورة أن تكون العملية السياسية بمنأى عن هيمنة الأطراف المسلحة.

وهذا يمثل اعترافاً ضمنياً بأن تجربة الشراكة مع العسكر قد وصلت إلى نهايتها، وأن منح الجنرالات حق النقض غير المعلن على مستقبل السودان لم يؤد إلا إلى المزيد من الانقلابات والحروب والانهيار المؤسسي.

لقد استنزف العسكريون السودان لعقود طويلة باسم حماية الدولة،

 فإذا بالدولة تنهار.

وحكموا باسم حماية الوحدة الوطنية،

فإذا بالبلاد تقترب أكثر من أي وقت مضى من مخاطر التفكك والانقسام.

وخاضوا الحروب باسم الأمن والاستقرار،

فإذا بالمواطن السوداني يصبح من أكثر شعوب المنطقة افتقاداً للأمن والكرامة وسبل العيش الكريم.

غير أن السؤال المطروح اليوم ليس ما إذا كان طرفا الحرب سيعلنان الترحيب بالبيان، وإنما ما إذا كانا مستعدين فعلاً للتخلي عن مشروع الحرب نفسه.

فالتجربة السودانية خلال السنوات الثلاث الماضية لا تبعث على التفاؤل. فقد تعامل الطرفان، ولا سيما قيادة الجيش السوداني، مع معظم المبادرات الإقليمية والدولية باعتبارها أدوات لتحسين المواقع التفاوضية أكثر من كونها فرصاً حقيقية لإنهاء الحرب. تحولت الهدن إلى فرص لإعادة التموضع، وتحولت جولات التفاوض إلى ساحات للمناورة وكسب الوقت، بينما استمرت المعارك واتسعت رقعة الدمار.

لذلك فإن الخطر الحقيقي لا يكمن في رفض البيان، بل في قبوله شكلياً والعمل على إفراغه من مضمونه عملياً.

فالجيش لا يزال يراهن على الحسم العسكري أو تحسين شروط التفاوض بالقوة، بينما لا يزال الدعم السريع يسعى إلى فرض نفسه كحقيقة سياسية وعسكرية لا يمكن تجاوزها. وفي ظل هذه الحسابات تصبح الحرب استثماراً سياسياً لبعض الأطراف أكثر من كونها مأساة وطنية ينبغي إنهاؤها.

ومع ذلك، فإن بعض المؤشرات الجديدة بدأت تلوح في الأفق.

 فقد أقرت لجنتا الشؤون الخارجية بمجلسي الشيوخ و النواب الأمريكي مشروع قرار بشأن السودان يحظى بدعم الحزبين الجمهوري والديمقراطي، ويتضمن الدعوة إلى ممارسة ضغوط حقيقية على أطراف الحرب في حال استمرارها في رفض التسوية السياسية، بما في ذلك دراسة مدى استيفاء أي من الأطراف المتحاربة للمعايير القانونية اللازمة للتصنيف كـ«كيان إرهابي عالمي مصنف بشكل خاص» وفقاً للأمر التنفيذي الأمريكي رقم (13224).

ولم يتوقف الأمر عند ذلك، بل تقدم أحد أعضاء الكونغرس بمقترح تعديل أكثر صرامة يطالب وزارة الخارجية الأمريكية، بالتنسيق مع الممثل الدائم للولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة، بالنظر في إمكانية التحرك داخل منظومة الأمم المتحدة للتشكيك في شرعية استمرار تمثيل السلطة القائمة حالياً للسودان في المؤسسات الدولية إلى حين قيام حكومة مدنية أو حكومة منتخبة ديمقراطياً.

وإذا ما أُجيز القرار ووُضع موضع التنفيذ، فإنه سيعكس تحوّلًا مهمًا من مرحلة التعبير عن القلق إلى مرحلة تفعيل أدوات ضغط سياسية وقانونية أكثر تأثيرًا.

 غير أن السؤال الجوهري يظل قائماً: هل يملك المجتمع الدولي الإرادة السياسية الكافية لتحويل هذه الأفكار إلى سياسات عملية؟

هنا تكمن جوهر القضية.

فالسودانيون لا يحتاجون إلى بيانات جديدة بقدر حاجتهم إلى إرادة دولية جديدة. لقد سمعوا خلال السنوات الماضية عشرات الإدانات وعشرات الدعوات إلى وقف إطلاق النار وعشرات التعبيرات عن القلق العميق، لكن القتل استمر، والنزوح استمر، والمجاعة استمرت، والانتهاكات استمرت.

وما لم يتحول هذا البيان إلى إجراءات ملموسة، فإنه لن يكون سوى وثيقة جديدة تُضاف إلى أرشيف الإخفاق الدولي في السودان.

فإذا كانت هذه الدول جادة بالفعل، فعليها أن تنتقل من مرحلة النصائح إلى مرحلة الضغوط، ومن مرحلة القلق إلى مرحلة المحاسبة، ومن إدارة الأزمة إلى إنهائها. فلا معنى للحديث عن انتقال مدني بينما يستمر تدفق السلاح، ولا معنى للحديث عن السلام إذا بقي معرقلوه بمنأى عن المساءلة السياسية والاقتصادية والجنائية.

أما بالنسبة للإسلاميين وحزب المؤتمر الوطني، فإن هذا المسار لن يكون مريحاً لهم. فالبيان يتحدث عن حكومة مدنية مستقلة، وعملية سياسية لا تخضع لهيمنة أي طرف، وضرورة حماية الانتقال من تأثير الجماعات المتطرفة. وهي رسائل تتعارض مع الرهانات التي ترى في الحرب فرصة لإعادة إنتاج السلطة عبر البوابة العسكرية.

لكن الحقيقة التي ينبغي أن يدركها الجميع هي أن السودان لا يمكن أن يخرج من هذه الكارثة بالعودة إلى سياسات ما قبل الثورة، كما لا يمكن أن يخرج منها بإعادة إنتاج الشراكات المختلة التي قادت إلى الحرب.

 لقد دفع السودانيون ثمناً باهظاً بسبب احتكار السلطة وعسكرة السياسة واستخدام مؤسسات الدولة لخدمة مشاريع الهيمنة والإقصاء، والبلاد لم تعد تحتمل دورة جديدة من الأخطاء نفسها.

ورغم أهمية التحول في الموقف الدولي، فإن التحدي الأكبر لا يزال كامناً داخل المعسكر المدني نفسه. فالمجتمع الدولي يستطيع أن يفتح الأبواب، لكنه لا يستطيع أن يبني مشروعاً وطنياً نيابة عن السودانيين. والقوى المدنية مطالبة اليوم أكثر من أي وقت مضى بإثبات قدرتها على تجاوز الانقسامات والصراعات الصغيرة، وتقديم رؤية وطنية جامعة تتجاوز الحسابات الحزبية الضيقة.

فإذا دخلت هذه القوى إلى أي عملية سياسية بعقلية المحاصصات القديمة، فإنها ستبدد فرصة تاريخية نادرة. أما إذا استطاعت أن تقدم مشروعاً وطنياً حقيقياً لإنهاء الحرب وإعادة بناء الدولة، فقد تكون هذه هي اللحظة التي يصبح فيها صوت المدنيين أعلى من صوت البنادق للمرة الأولى منذ اندلاع النزاع.

إن قيمة هذا البيان لن تُقاس بما ورد فيه من عبارات أو تعهدات، بل بما سيتبعه من أفعال. فإذا شهدنا خلال الأسابيع والأشهر المقبلة ضغوطاً حقيقية على أطراف الحرب، وعقوبات على المعرقلين، وخطوات عملية لإطلاق عملية سياسية مدنية شاملة، فقد يكون هذا البيان بداية طريق الخروج من النفق.

أما إذا اكتفى المجتمع الدولي بإصدار البيانات وعقد المؤتمرات وإدارة الأزمة من بعيد، فإن الحرب ستواصل ابتلاع السودان كما فعلت طوال السنوات الماضية.

لقد آن الأوان لأن يدرك العالم أن المشكلة في السودان ليست نقص المبادرات، بل غياب الإرادة السياسية اللازمة لفرض السلام.

والسؤال الذي سيحدد مستقبل السودان في المرحلة المقبلة ليس: هل يريد السودانيون السلام؟

فالسودانيون أجابوا عن هذا السؤال بدمائهم ومعاناتهم وأحلامهم المهدرة.

السؤال الحقيقي هو:

هل يمتلك المجتمع الدولي الشجاعة الكافية للانتقال من مراقبة الحرب إلى إيقافها، أم سيواصل الاكتفاء بالإدانة بينما يحترق السودان؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *