بشير محمد إبراهيم
ناشط مجتمعي
ليست أهمية وجود تحالف «صمود» ( تحالف سياسي سوداني لقوى معارضة) في نيويورك هذه الأيام في مجرد مشاركته في الحراك المصاحب لاجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، وإنما في التوقيت السياسي الذي اختار فيه التحالف أن يوسّع حضوره إلى الساحة الدولية .
فوفد «صمود»، بقيادة الدكتور عبدالله حمدوك، يتحرك في نيويوركويلتقي مسؤولين أمميين ودبلوماسيين، في وقت تتزايد فيه الجهود الدوليةوالإقليمية للبحث عن مخرج للحرب السودانية، وفتح الطريق أمام هدنة إنسانيةومسار سياسي. ومن هذه الزاوية، لا تبدو نيويورك مجرد محطة دبلوماسيةعابرة، بل مساحة تتقاطع فيها الأمم المتحدة والدول المؤثرة والاتحاد الأفريقيوإيغاد ومختلف المبادرات المعنية بالسودان.
وبالتالي فإن وجود «صمود» فيهذه البيئة يمنحها فرصة لطرح نفسها بوصفها قوة مدنية سودانية تحمل رؤيةسياسية للحرب والسلام وما بعد الحرب، وليس مجرد تحالف يعلن موقفاً رافضاًللقتال.
فالنقاش الدولي حول السودان ظل لفترة طويلة يدور بصورة أساسية حولطرفي الحرب، الجيش والدعم السريع، وحول العواصم الإقليمية والدولية التيتقود أو ترعى مسارات الوساطة. أما حضور «صمود» في نيويورك فيفتحمساحة لإدخال الصوت المدني السوداني بصورة أكثر وضوحاً إلى هذاالنقاش، وطرح أسئلة تتجاوز كيفية وقف إطلاق النار إلى طبيعة المرحلة التيستأتي بعده.
لا تدخل «صمود» هذا الحراك الدولي خالية الوفاض. فقد تمكن التحالف خلال الفترة الأخيرة من بناء شبكة أوسع من العلاقات والتفاهمات، ونجح في التوصل الى إعلانات مبادئ وتفاهمات مع عدد من القوى السياسية والحركات المسلحة والتنظيمات المدنية.
وهذا التطور مهم؛ لأن قيمة أي حضور خارجي لا تقاس بعدد اللقاءات التي يجريها، وإنما بما يحمله من مشروع سياسي قابل للنقاش، وبمدى استناده إلى قوى سودانية حقيقية. ومن هنا تستطيع «صمود»أن تنتقل في خطابها من السؤال العام: كيف نوقف الحرب؟ إلى أسئلة أكثرتحديداً:
كيف يمكن الوصول إلى وقف مستدام للقتال؟ كيف تتم حماية المدنيين؟، كيفيمكن توحيد مسارات الوساطة المتعددة؟، من يشارك في العملية السياسيةالمقبلة؟ وما شكل الدولة والانتقال السياسي بعد الحرب؟.
وقد طرحت «صمود» بالفعل عدداً من هذه القضايا في خطابها، بما في ذلكالدعوة إلى هدنة إنسانية شاملة، وحماية المدنيين، وتوسيع حظر السلاح، والدفعباتجاه عملية سلام سودانية شاملة. وبذلك تنتقل الرؤية من مجرد وثائق ومواقفسياسية إلى أجندة يمكن طرحها أمام المؤسسات الدولية ومناقشتها معالأطراف الإقليمية والدولية.
نجاح «صمود» في بناء التحالفات هو الرصيد الأهم
لكن الأهم من الحضور في نيويورك هو ما سبق هذا الحضور. فـ«صمود»استطاعت خلال الفترة الأخيرة أن توسع دائرة التفاهمات مع قوى سياسيةومدنية وحركات مسلحة، وأن تقترب من بناء مظلة أوسع للقوى المناهضة للحربوالداعمة لمسار مدني ديمقراطي. وهذا النجاح، منح التحالف وزناً سياسياًأكبر على الساحة.
فالقوة السياسية لا تُبنى بالحضور الخارجي وحده، وإنما بقدرة التنظيم علىالجمع بين الشرعية السياسية الداخلية، والقدرة على بناء التحالفات، وامتلاكرؤية واضحة للمرحلة المقبلة. ومن هذه الزاوية، تمثل نيويورك اختباراً مهماً لماراكمته «صمود» خلال الفترة الماضية.
فإذا استطاع التحالف أن يوظف علاقاته الدولية في دعم مسار سياسي سوداني واسع، وأن يحافظ في الوقت نفسه على استقلالية قراره الوطني، فالحضور الخارجي يمكن أن يتحول من مجرد نشاط دبلوماسي إلى رصيد سياسي حقيقي.
تزداد أهمية هذه الخطوة بسبب طبيعة اللحظة التي يمر بها السودان. فالمجتمعالدولي يبحث عن مخرج من الحرب، والأزمة الإنسانية تتفاقم، والمبادراتالإقليمية والدولية ما زالت تبحث عن صيغة أكثر فاعلية لوقف القتال وفتح مسارسياسي. وفي مثل هذه اللحظات، لا تكون الأسئلة مرتبطة فقط بمن يوقفالحرب، وإنما أيضاً بمن سيكون حاضراً عندما تبدأ عملية تشكيل المستقبلالسياسي للسودان.
ومن هنا تأتي أهمية توقيت حضور «صمود»، فالتحالف لاينتظر اكتمال ترتيبات المرحلة المقبلة لكي يطرح نفسه، وإنما يحاول أن يكونموجوداً في النقاش منذ الآن، عندما لا تزال ملامح التسوية السياسية غيرمكتملة. وفي هذا السياق، يصبح نجاح «صمود» في بناء تحالفاتها خلال الفترة الماضية أكثر أهمية من مجرد التوسع التنظيمي؛ لأنه سيوفر لها أساساً متينا للمشاركة في أي عملية سياسية مقبلة، مع ضرورة أن تستمر في توسيع دائرة المشاركة وألا يتحول التحالف إلى إطار مغلق.
تزداد دلالة المشهد مع ما أوردته مصادر صحفية ودبلوماسية بشأن عدم منحعبدالفتاح البرهان، حتى الآن، تأشيرة دخول أمريكية للمشاركة في اجتماعاتالجمعية العامة للأمم المتحدة. وبغض النظر عن التطورات اللاحقة في هذا الملف ، فإن تزامن ذلك مع الحضور الدبلوماسي المكثف حول السودان يجعل نيويورك مساحة سياسية لافتة للنظر؛ دول تبحث عن هدنة، وأطراف إقليمية ودولية تحاول تنسيق مبادراتها، وقوى سودانية تسعى إلى التأثير في شكل التسوية المقبلة.
وفي هذه البيئة، يصبح وجود «صمود» ذا دلالة تتجاوز مجرد المشاركة في اجتماعات أو لقاءات جانبية، لأنه يتيح للتحالف أن يقدم نفسه أمام المجتمع الدولي باعتباره جزءاً من الصوت المدني السوداني الذي ينبغي أن يكون حاضراً في أي نقاش حول مستقبل البلاد. أهمية هذا الحضور لا ينبغي أن تُفهم باعتبارها بديلاً عن القوى الأخرى، أو باعتبار «صمود» الممثل الوحيد للمدنيين.
فالساحة السودانية أكثر تعقيداً من ذلك، والقوى المدنية والسياسية والمجتمعية متعددة، وقد تختلف في رؤاها وأولوياتها. ولهذا فإن اتساع دائرةالحوار حول «صمود» قد يكون أهم من اتساع دائرة الاصطفاف حولها.
ربما يكون الاختبار الحقيقي أمام «صمود» هو قدرتها على تحويل الحضورالخارجي إلى قوة دفع داخلية. ويمكن النظر إلى هذا الحضور باعتباره طريقا ذا اتجاهين: من الخرطوم إلى نيويورك، تحمل «صمود» رؤيتها وتحالفاتها وتجربتها السياسية إلى المجتمع الدولي؛ ومن نيويورك إلى الداخل السوداني،تعود بنتائج اتصالاتها لتوظفها في دعم السلام وتوسيع الحوار الوطني.
وهذا هو المعنى الأهم للدبلوماسية المدنية؛ أن تكون رافعة للعمل الداخلي، لا بديلا عنه . فالسودان بعد الحرب لن يحتاج فقط إلى ترتيبات لوقف إطلاق النار، وإنماإلى عملية سياسية واسعة تعيد بناء الدولة ومؤسساتها، وتفتح الطريق أمامانتقال مدني، وتعالج جذور الصراع، وتعيد الاعتبار للمواطنة وسيادة القانون. وفي هذه المرحلة ستكون الحاجة كبيرة إلى قوى مدنية تمتلك القدرة علىالتواصل مع المجتمع الدولي، ولكنها في الوقت نفسه تستند إلى قاعدة سودانيةواسعة ومتنوعة.
من هنا، فإن نجاح «صمود» في بناء التفاهمات خلال الفترة الماضية يمنحهافرصة سياسية حقيقية، لكنه لا يمثل ضمانة لنجاحها في المرحلة المقبلة.
فالتحالف أمام مهمة أكثر تعقيداً: تحويل التفاهمات إلى قاعدة سياسية أوسع،والحفاظ على تعدد الأصوات داخله، وتوسيع علاقاته مع القوى المدنية والمجتمعية ، وتقديم رؤية قابلة للنقاش حول شكل الدولة والانتقال السياسي،
وكلما اتسعت المشاركة حول القضايا الوطنية الكبرى، ازدادت فرص أن يتحول«صمود» إلى أحد الأطر المؤثرة في صياغة المرحلة المقبلة. وهنا يمكن تحديد ثلاثة أدوار أساسية أمام التحالف: طرح الرؤية، وبناء الجسور، وتحويل الحضور الدولي إلى تأثير سياسي داخل السودان.
وهي مهمة لا تُنجز في نيويورك وحدها، وإنما تبدأ من هناك وتعود إلىالخرطوم.
ختاماً، فإن وجود «صمود» في نيويورك في هذه اللحظة يمكن قراءته باعتبارهفرصة لإعادة تعريف الدور المدني السوداني في النقاش الدولي حول الحربوالسلام.
فالحضور يأتي بعد مرحلة من توسع التحالفات والتفاهمات، وفي وقت تتزايدفيه الحاجة إلى صوت سوداني مدني يطرح تصوراً لما بعد الحرب، وليس فقطموقفاً من الحرب.
ولهذا فإن دلالة نيويورك لا تكمن في أن «صمود» موجودة في المدينة التي تستضيف الأمم المتحدة، وإنما في أن التحالف يحاول أن يثبت أن للقوى المدنية السودانية مشروعاً سياسياً يمكن أن يكون جزءاً من معادلة السلام وإعادة بناء الدولة.
وقد يكون من المبكر القول إن «صمود» أصبحت ضلعا ثالثاًمكتملاً في معادلة القوة السودانية؛ فذلك يتوقف على تطورات الحرب، واتساعالتحالفات، وقدرة القوى المدنية على بناء قاعدة سياسية واجتماعية أوسع. لكنالمؤكد أن التحالف يقف أمام فرصة مهمة: أن يحول نجاحه في بناء التفاهماتإلى مشروع سياسي أوسع، وأن يجعل من نيويورك جسراً بين الحضور الدوليوالعمل السوداني الداخلي.
وفي النهاية، لن تُقاس قيمة هذه اللحظة بعدد اللقاءات التي يجريها وفد«صمود» في نيويورك، وإنما بما يستطيع التحالف أن يحمله من نيويورك إلى السودان : رؤية أكثر وضوحاً، وتحالفات أوسع، ومساحة أكبر للصوت المدني في صناعة مستقبل البلاد.

