د. أحمد عثمان عمر
محامٍ ومستشار قانوني –
العقلانية والواقعية السياسية، تحتمان بناء سياسة خارجية تقوم على التعايش السلمي وحسن الجوار، وتفادي الانخراط في سياسة المحاور الدولية، كما تستلزم احترام سيادة الدول والانطلاق في التعامل معها من مواقع السيادة ايضاً، وذلك في كل الاحوال ناهيك في ظروف ضعف الدولة وانهيارها في ظل الحروب الاهلية.
لكن توازن القوى الداخلي والضغوط الواقعة على سلطة غير شرعية ناتجة عن انقلاب عسكري على سلطة اعقبت ثورة شعبية، والعزلة الدولية المستحكمة لهذه السلطة، لم تترك أمامها فرصة سوى محاولة الاستقواء بأحد اقطاب محور بعينه، لاصطناع ظهير من الممكن الاستفادة منه في عملية التسلح لمواجهة خصوم الحرب الاهلية ان وافق على تجاوز الترتيبات الدولية، وتوفير الدعم السياسي والدبلوماسي في مواجهة التيار السائد في المجتمع الدولي الرافض لاستمرار الحرب المدمرة في السودان، والمنادي بضرورة وقفها وتسليم السلطة لسلطة مدنية خالصة، وطرد الحركة الإسلامية المجرمة وواجهاتها من السلطة.
في هذا السياق، جاء خطاب رئيس مجلس سيادة الانقلاب في روسيا، التي قدم لها دعوة للتعاون فسرت دولياً بإعطائها الحق في بناء قاعدة بحرية على البحر الأحمر، وإعطائها امتدادا في المياه الدافئة بعد قاعدة طرطوس في سوريا. وهذا امر بالغ الخطورة ، يتجاهل حساسية الأوضاع في هذا الممر المائي المهم جدا للتجارة الدولية وللدول الإقليمية الأخرى وحلفائها، بحيث يشكل الوجود الروسي خطراً وهاجساً مزمناً لا تستطيع ان تتجاهله او تغض الطرف عنه. ومن هذه الدول دول داعمة لحرب الكرامة المزعومة، ومؤيدة للسلطة غير الشرعية الرافضة للسلام والمصرة على الاستمرار في الحرب.
وفي تقديرنا ان هذا الموقف ناتج عن قراءة خاطئة وقصيرة النظر للتوازن الدولي وللاستراتيجيات بعيدة المدى للمعسكرات المتصارعة على النفوذ في البحار والممرات المائية، ولتوازن القوى الإقليمي والداخلي ايضاً.
فحرص روسيا على الوجود في المياه الدافئة، ليس بمستوى يقودها إلى صدام مباشر حول هذا الأمر، فالاستراتيجية الروسية والعقيدة العسكرية لا تقومان على بناء القواعد، بل على شبكة الغواصات البحرية، والتجارة الروسية بما فيها ناقلات النفط والحبوب، بدأت بالفعل فتح طريق الشمال بعد الاضطرابات في البحر الأسود نتيجة للحرب الاوكرانية الروسية. لذلك روسيا ليست في وارد ان تجعل من إنشاء قاعدة بحرية او مخازن كما سماها صاحب العرض، سبباً لمواجهة جديدة مع الدول الغربية التي تطمح إلى الوصول إلى تسوية معها تنهي الحرب في أوكرانيا.
وفي الداخل السوداني، لروسيا علاقات ومصالح غير مباشرة مع الجنجويد ايضاً، حيث تداخلت نشاطات لفاغنر مع المليشيا الإرهابية في تعدين الذهب، وتمددت علاقاتها بالمليشيات الروسية الموجودة في الحدود الغربية وداخل أفريقيا الوسطى. ولا احد يتوهم في أن الدولة الروسية ستعمل ضد المليشيات الروسية التي تعمل كمؤسسات أمنية ليست بعيدة عن النفوذ الرسمي للدولة.
ولعل هذا ما يفسر دعوة الرئيس الروسي في ختام مباحثاته مع رئيس مجلس سيادة الانقلاب، لحل سلمي للحرب في السودان يقود إلى وقفها. وهذا يعني عملياً ايضاً ان روسيا لن تتدخل لمصلحة حكومة الأمر الواقع في الحرب اللعينة الماثلة، وأنها على عكس ما يتوهم الذين يروجون لاستمرار الحرب، لن تدعم هذا الاستمرار، وبلغة السلاح لن تسلح النظام الحاكم. وفي كل الاحوال لا نظن بأن النظام قادر على تحمل تكلفة التسليح، ولا نظن بأن روسيا ستمنحه سلاح مقابل القاعدة.
فروسيا لا مصلحة لها في استمرار الحرب، كما لا مصلحة لها في افتعال مواجهة جديدة مع الدول الغربية، ولا مصلحة لها ايضاً في الدخول في صراع ضد المليشيا الإرهابية والدول الداعمة لها. وهي دولة لا تسعي لسيطرة عالمية الان، بل تركز جهودها على استعادة النفوذ في جمهوريات الاتحاد السوفيتي السابقة التي استقلت بعد انهيار الاتحاد، في افتقار واضح للحس الأممي او الرغبة في محاربة الإمبريالية او خلق نفوذ واسع على مستوى عالمي.
وهي تقيس التوازنات الدولية بمقياس الذهب، وتعمل بحساسية عالية حتى تخفف ضغوط العقوبات عليها، والنظام السوداني لن يستطيع جرها إلى اتخاذ خطوات غير محسوبة تعيق استراتيجياتها، حتى وان منحها مربعات غنية لتعدين الذهب. فمشاركتها في نشاط التعدين – وهو امر ممكن عبر شركاتها- لن يكون مغريا بمستوى ينسيها التوازنات الاقتصادية والسياسية والدبلوماسية، والاتجاه الدولي السائد الرافض للحرب السودانية التي نتجت عنها أكبر كارثة إنسانية.
لذلك لا نرى سبباً منطقياً لاحتفال (البلابسة) وداعمي الحرب بمخرجات زيارة رئيس مجلس سيادة الانقلاب لروسيا، وتصويرها بأنها بداية لتحالف ينهي كافة أزمات السلطة غير الشرعية ، ويقيل كافة عثرات النظام.
فروسيا ليست مستعدة أصلاً لبناء محاور صدامية تدعم حروباً اهلية، ولا لتبني سياستها الخارجية على افتعال الأزمات وتغذية الصراعات، ولا لأن تتبنى الأنظمة المنبوذة محلياً ودولياً، ولكنها تبحث عن شراكات آمنة تعزز سياستها الإقليمية المنوه عنها أعلاه، وتقيض لها السيطرة على الحديقة الخلفية السوفيتية القديمة. وقيادتها تبحث عن استعادة امجاد قيصرية انطوت، دون التعرض لمزيد من الخسائر بعد تلك التي سببتها الحرب الأوكرانية .
والتجربة ستثبت للمتوهمين، ان روسيا لن تدعم استمرار الحرب، وأنها لن تصبح سوقاً لتسليح السلطة غير الشرعية في مواجهة الجنجويد، ولن تغامر ببناء قاعدة تخلق استقطاباً حاداً وربما تقود لحرب ساخنة،
لكنها قد تستفيد من تعدين الذهب، وربما تقدم بعض المواقف في مجلس الأمن، الرافضة لاستخدام القوة في مواجهة السلطة غير الشرعية ، ولكنها حتماً لن تزيد على ذلك، ولن تتورط في الإخلال بالتوازن الدولي وتهديد الاستقرار الدولي من اجل فتح قاعدة عسكرية بحرية في شرق السودان.
والنظام سيكون محظوظاً إذا تعاملت روسيا بحكمة وبهذه الطريقة، لأن استفزاز الدول الغربية ليس في مصلحته، فتجربة العراق اثبتت أنها قادرة على التصرف خارج نطاق الشرعية الدولية، ومحاولة الاستعانة بمحور في مواجهتها، ستكون خاسرة لا محالة.
ولن نستطيع بالطبع ان ندعو السلطة غير الشرعية للتعقل ، لان من يشعل حرباً مدمرة كالحرب الماثلة ويصر على استمرارها، لا يتصور منه التصرف بعقلانية، ولكننا ندعوها لأخذ العبر ممن سبقوها في مثل هذه التصرفات ولم تمنع سقوطهم كالمخلوع ( عمر البشير) الذي طلب من روسيا ان تحميه.
وقوموا إلى ثورتكم يرحمكم الله!!

