د. أحمد عثمان عمر
محام ومستشار قانوني
صدر المرسوم الدستوري المؤقت رقم (7) لسنة 2026م ، متضمنا تعديلا للمادة (51) من القانون الجنائي السوداني لسنة 1991، بإضافة عبارة “بما في ذلك النشر في الوسائط الإعلامية أو الإلكترونية” للنص الأصلي لجريمة إثارة الحرب ضد الدولة، وبالتحديد للفقرة (ا) من المادة المذكورة التي كانت تنص على ما يلي:” يثير الحرب ضد الدولة عسكرياً بجمع الأفراد او تدريبهم او جمع السلاح او العتاد او يشرع في ذلك او يحرض الجاني على ذلك او يؤيده بأي وجه “.
والسؤال الأول الذي يخطر ببال اي شخص ، هو حول مدى شرعية إصدار هذا التعديل بمرسوم دستوري مؤقت، وهل هذه الآلية التشريعية شرعية ودستورية؟ وهل هناك اي جهة تملك دستوريا سلطة التشريع بمراسيم دستورية مؤقتة؟
وبالرجوع للوثيقة الدستورية المعيبة الأصلية، تكون الإجابة عن جميع هذه الاسئلة بلا، حيث ان جهة التشريع هي المجلس التشريعي الانتقالي ،الذي كان يجب تشكيله خلال ثلاثة اشهر بعد صدور الوثيقة الدستورية المعيبة، حيث سمح خلال هذه الفترة لمجلس السيادة ومجلس الوزراء مجتمعين، ملء الفراغ والتشريع استثناءا لحين تكوين المجلس في الفترة الدستورية.
وهذا يعني ان المجلسين مجتمعين، تشريعاتهما التي صدرت خارج ذلك القيد الزمني، جميعها باطلة بما فيها تعديل الوثيقة الدستورية المعيبة لادخال محاصصة جوبا الأجرامية.
والواضح هو ان التشريع عبر المراسيم الدستورية المؤقتة، عبارة عن بدعة تم ادخالها بموجب التعديل غير الشرعي للوثيقة الدستورية المعيبة في العام 2025م، وتحديداً للمادة (12) منها، حيث ورد في التعديل تحت البند خامس عشر ما يلي: ” يجوز لمجلس السيادة ولأمر عاجل إصدار مرسوم مؤقت تكون له قوة القانون النافذ، ومع ذلك يجب عرض المرسوم المؤقت على السلطة التشريعية الانتقالية فور انعقادها فإذا أجازته بذات احكامه يصبح قانوناً نافذاً وإذا لم تجزه يلغى دون اي اثر رجعي “.
وهذا التعديل باطل من عدة وجوه، أولها انه صادر عن مجلس سيادة انقلاب 2021م، الذي قوض النظام الدستوري وعطل مواد الوثيقة الدستورية المعيبة المؤسسة، بالاشتراك مع مجلس وزراء الانقلاب وهما شئ واحد لا يخلق حتى التوازن الواهن بين عسكر ومدنيين الذي خلقته الوثيقة خلال شراكة الدم المخزية.
وثانيهما هو ان مجلسي السيادة والوزراء الشرعيين نفسيهما، لا يملكان مجتمعين الحق في تعديل الوثيقة الدستورية المعيبة، التي أعطت المجلس التشريعي وحده سلطة التعديل في المادة (78) منها ، وفي كل الاحوال هما أصلاً لا يمتلكان الحق في التشريع خارج القيد الزمني المحدد بثلاثة اشهر لتكوين المجلس التشريعي صاحب السلطة الأصلية في التشريع.
وهذا يعني ان اي مرسوم دستوري مؤقت يصدر عن مجلس سيادة الانقلاب ، باطل وغير شرعي وغير دستوري من حيث المبدأ.
وبالإضافة إلى عدم دستورية تعديل المادة (51-أ) من القانون الجنائي السوداني وبطلانه وعدم شرعيته، التعديل نفسه يعيبه ما يلي:
١- بإستصحاب ان القانون الجنائي بالأساس لم يعرف الدولة، وحقيقة ان ما تبقى من اجهزة الدولة بعد انهيارها مختطف من قبل الحركة الإسلامية المجرمة، يصبح نطاق التجريم ليس حمل السلاح ضد دولة جميع المواطنين او التحريض عليه او تأييد من يقوم به، بل القيام بذلك ضد سلطة غير شرعية انقلابية، قامت على تقويض الدستور، لتكريس تمكين الحركة الإسلامية المجرمة،
وبالتالي يصبح التجريم لكل من يؤيد مقاومة الحركة الإسلامية المجرمة بقوة السلاح، وهذا تجريم لموقف سياسي من تنظيم مختطف لما تبقى من اجهزة الدولة ، ويقول صراحة بهذا التعديل انه الدولة التي لا يجوز نشر اي شيء يؤيد حمل السلاح ضدها.
٢- التعديل اتي من باب التزيد أصلاً، فالنص الأصلي جرم تأييد إثارة الحرب ضد الدولة بأي وجه. وأي وجه هذه فضفاضة بذاتها وتشمل النشر وغيره، وتعطي المحاكم غير المستقلة سلطة واسعة في التجريم إذا قرن ذلك بعدم تعريف الدولة. فلماذا احتاج مجلس الانقلاب للتشديد على النشر في الوسائط الإعلامية والإلكترونية ان لم يكن الغرض التخويف وارهاب الخصوم السياسيين الذين لديهم آراء تحبذ قتال الحركة الإسلامية المجرمة ؟.
وبالرغم أننا نرى ان النضال السلمي الصبور والثورة الشعبية الطريق الأمثل والأصح لاسقاط سلطة الحركة الإسلامية المجرمة ولا نؤيد العمل المسلح وننادي بحل كافة المليشيات بما فيها الجنجويد والمتحالفة مع الجيش المختطف، إلا أننا لا نرى تجريم من يتبنى نهج النضال المسلح كرأي سياسي برغم اختلافنا معه.
٣- صدور التعديل بمرسوم مؤقت يشي بوجود استعجال في إصداره تطلب عدم انتظار اجتماع مجلس سيادة الانقلاب ومجلس وزرائه الواجهة، اللذان يمكن ان يصدرا هذا التشريع بصورة عادية على بطلانها، فالمراسيم الدستورية المؤقتة على عدم شرعيتها ، لا تصدر في حال وجود امر عاجل.
وهذا يعني ان هنالك أمرا عاجلا خاص بالنشر ، استلزم صدور هذا التعديل الباطل. وإذا أخذنا تصريح وزير العدل في الاعتبار بأن المستهدف هو كل من يؤيد مليشيا الجنجويد الإرهابية بالنشر، يصبح الأمر واضحاً ومقلقاً حول حرية التعبير.
فالنص اولاً واسع ولا يقتصر على المليشيا الإرهابية، وثانياً التأييد ليس معرفاً مما يعني إطلاق يد المحاكم في تحديد ما يعتبر تأييداً، لتحاكم المواطنين بالإعدام والسجن المؤبد عن أمر غير واضح وقابل للتأويل والاجتهاد بالمخالفة لمبدأ الشرعية الجنائية الذي يعرفه اي قانوني مبتديء.
وهذا يعني سنشهد الاتهام بالتأييد بعد ان كنا نعيش عصر الاتهام بالتعاون غير المعرف ،والذي كان ذريعة لتصفية الخصومات السياسية عبر الاتهامات الجنائية.
الخلاصة هي ان هذا التعديل باطل لأنه بني على باطل، وهو غير دستوري وغير شرعي، ومخالف لمبدأ الشرعية الجنائية الدستوري أيضا، مما يحتم رفضه ومناهضته والعمل على الغائه.
وقوموا إلى ثورتكم يرحمكم الله !!!

