مقالاتالسودان

عندما تفشل في إدارة الدولة، هل يصبح النصر في الحرب ممكناً؟ (2 من 3)

خمسة أعوام من حكم البرهان: من انقلاب 25 أكتوبر إلى انهيار الاقتصاد وتشريد المواطنين

مهدي داود الخليفة

مع حلول الذكرى الخامسة لانقلاب 25 أكتوبر 2021، الذي أطاح بالمسار الانتقالي المدني ومكّن الفريق أول عبد الفتاح البرهان من الانفراد بالقرار السياسي والعسكري، يصبح من الضروري تقييم حصيلة حكمه في ضوء الواقع المأساوي الذي يعيشه السودان.

فبلد تتهاوى عملته، ويتعطل إنتاجه، وتُدمَّر مدنه، ويُشرَّد مواطنوه، وتتآكل مؤسساته، لا يمكن لقيادته أن تتحدث عن النصر دون مواجهة سؤال المسؤولية: من قاد البلاد إلى هذا المنحدر، ومن يتحمل مسؤولية استمرار الكارثة؟

ليست الأزمة الراهنة مجرد نتيجة لحرب اندلعت في أبريل 2023، بل هي أيضاً حصيلة مسار سياسي بدأ بانقلاب أطاح بالانتقال الديمقراطي، وأعاد احتكار السلطة، وأضعف فرص التوافق الوطني، وانتهى إلى حرب تهدد الدولة نفسها.

لم يكن انقلاب أكتوبر مجرد خلاف بين مكونات الشراكة الانتقالية، بل مثّل انتكاسة دستورية وسياسية قطعت الطريق أمام استكمال أهداف ثورة ديسمبر 2018. وبدلاً من معالجة الخلافات بالحوار والإصلاح المؤسسي، استُخدمت القوة للاستيلاء على السلطة دون تقديم مشروع بديل قادر على تحقيق الاستقرار.

وتبع ذلك تعليق الاتحاد الإفريقي عضوية السودان، وتجميد دعم دولي، وتراجع الثقة في إمكانية استعادة المسار المدني، بالتزامن مع عودة شخصيات وشبكات مرتبطة بالنظام السابق  ( نظام  “الحركة الإسلامية” بقيادة  عمر البشير) إلى مواقع التأثير.

صحيح أن أزمات السودان أقدم من انقلاب أكتوبر، وأن جذورها تشمل اختلالات اقتصادية ومؤسسية عميقة، لكن مسؤولية القيادة تُقاس بقدرتها على معالجة الأزمات، لا بتفاقمها في عهدها.

وبعد انفراده بالقرار، كانت أمام البرهان فرصة تاريخية لإصلاح القطاع الأمني والعسكري، وتوحيد المؤسسة العسكرية، وإنهاء تعدد الجيوش وفق ترتيبات مهنية متوافق عليها.

غير أن هذه المهمة لم تُنجز، حتى اندلعت الحرب في 15 أبريل 2023، وسط صراع على السلطة وتعثر الترتيبات الأمنية وتنافس مراكز النفوذ المسلحة.

ولا يمكن اختزال أسباب الحرب في طرف واحد، كما لا يجوز تجاهل مسؤولية قيادة الدعم السريع عن أفعالها والانتهاكات المنسوبة إليها، أو إعفاء أي طرف من المساءلة عن الجرائم التي يرتكبها.

لكن البرهان، بصفته قائد القوات المسلحة ورأس السلطة الفعلية منذ الانقلاب، يتحمل مسؤولية سياسية وتاريخية جسيمة عن إخفاق القيادة في تجنيب البلاد الحرب، وعن الخيارات التي اتُّخذت قبل اندلاعها وبعدها، وعن استمرار المسار العسكري دون تسوية تنهي المأساة.

كان المطلوب قيادة مسؤولة تضع حماية المواطنين ووحدة الدولة فوق حسابات السلطة والنفوذ. لكن الحرب انتقلت من المواقع العسكرية إلى الأحياء السكنية والأسواق والمستشفيات والمدارس، ودُمّرت البنية التحتية، وتعطلت الخدمات، واضطر ملايين السودانيين إلى النزوح واللجوء.

وهنا يبرز السؤال: إذا كان الانقلاب قد بُرِّر بالحفاظ على الدولة، فكيف انتهى الأمر إلى حرب تستنزف مواردها وتهدد وحدتها؟

وفي الجانب الاقتصادي، لخّصت السيدة آمنة ميرغني، محافظ بنك السودان المركزي، جانباً من الأزمة بقولها إن «الدولار مرآة لحال الدولة»، مشيرة إلى أثر غياب الإنتاج والتصنيع والاعتماد على الاستهلاك والاستيراد. وهذه العبارة تفتح باب المساءلة عن إدارة دولة انعكس انهيارها على قيمة عملتها، وعن استمرار حرب عطّلت الإنتاج وأضعفت الإيرادات وبددت الثقة في المستقبل.

لقد دخل السودان الحرب وهو يعاني اختلالات اقتصادية مزمنة، لكن استمرار القتال حوّلها إلى أزمة شاملة. تضررت قطاعات الزراعة والصناعة والتجارة، وتراجعت قدرة الدولة على تحصيل الإيرادات وتقديم الخدمات، بينما ارتفعت تكاليف الغذاء والدواء وتآكلت القوة الشرائية للجنيه.

وإذا استمرت الحرب وتفاقمت الاختلالات، فقد يصل الدولار إلى مستويات غير مسبوقة، لكن الخطر الحقيقي لا يكمن في الرقم وحده، بل في اتساع الفقر وانهيار القدرة الشرائية وتراجع الإنتاج.

ولا يمكن إعفاء قيادة الدولة من مسؤولية هذا الواقع بحجة الظروف الاستثنائية. فحماية الاقتصاد والمعيشة والأمن الغذائي جزء من مسؤوليات الحكم، واستمرار الحرب يجعل التعافي أكثر صعوبة وكلفة.

وبينما تتواصل التصريحات عن الحسم والانتصار، يواجه المواطن ارتفاع الأسعار وانقطاع الخدمات وتعطل المستشفيات والمدارس وفقدان فرص العمل. وقد فقدت أسر كثيرة منازلها ومصادر رزقها، وحُرم أطفال من التعليم، وأصبح مستقبل أجيال كاملة مهدداً.

إن البرهان لا يتحمل وحده المسؤولية المباشرة عن كل جريمة أو انتهاك ارتُكب خلال الحرب، لكنه يتحمل، بحكم موقعه وانفراده بالقرار منذ انقلاب 2021، مسؤولية سياسية كبرى عن المسار الذي قاد البلاد إلى هذه الكارثة.

ولا يجوز أن تتحول معاناة الشعب إلى ذريعة لتأجيل المساءلة، أو أن يُطلب من السودانيين التضحية إلى أجل غير معلوم بينما تتراجع مقومات الدولة التي يُفترض أن الحرب تدور من أجل حمايتها.

قد تحقق الجيوش مكاسب ميدانية، وقد تستعيد مواقع أو مدناً، لكن السيطرة على الأرض لا تعني بالضرورة تحقيق نصر وطني. فالنصر الحقيقي هو عودة الأمن إلى الأحياء، واستئناف الإنتاج، واستقرار العملة، وتوفير الغذاء والدواء، وعودة النازحين واللاجئين طوعاً وبأمان وكرامة إلى ديارهم.

أما استمرار الحرب مع انهيار الاقتصاد واتساع النزوح، فيطرح سؤالاً مشروعاً عن جدوى استراتيجية لا تنتهي إلى حماية الإنسان والدولة معاً.

بعد خمسة أعوام من الانقلاب وأكثر من ثلاث سنوات من الحرب، لم يعد الرهان المفتوح على الحسم العسكري بديلاً مقنعاً عن الحل السياسي. المطلوب وقف مستدام للقتال، وحماية المدنيين، وضمان وصول المساعدات الإنسانية، وإطلاق حوار سوداني شامل لا تحتكر فيه القيادات العسكرية القرار، ووضع ترتيبات أمنية مهنية تفضي إلى جيش وطني واحد يخضع لسلطة دستورية مدنية.

كما يتطلب التعافي إعادة تشغيل القطاعات الإنتاجية، وحماية الموارد العامة، ومكافحة الفساد، وإعادة بناء المؤسسات على أسس الشفافية والمساءلة، وضمان عدم الإفلات من العقاب عن الجرائم والانتهاكات أياً كان مرتكبوها.

إن إنهاء الحرب ليس تنازلاً عن الدولة، والدعوة إلى السلام ليست هزيمة للجيش، والمطالبة بالحكم المدني ليست انتقاصاً من المؤسسة العسكرية. بل إن الدولة لا تستعيد عافيتها إلا عندما تخضع مؤسساتها للقانون، ويصبح المواطن مصدر الشرعية وغاية السياسات العامة.

لقد دفع السودانيون ثمناً باهظاً من أرواحهم ومنازلهم وأرزاقهم ومستقبل أبنائهم، ومن حقهم مساءلة القيادة عن الحصيلة والمطالبة بإنهاء الحرب. فالقيادة ليست امتيازاً للانفراد بالقرار، وإنما مسؤولية عن النتائج المترتبة عليه.

السودان أكبر من البرهان، وأكبر من أي قائد أو حزب أو مؤسسة عسكرية. ولن تُقاس الوطنية بإطالة أمد الحرب أو بعدد المواقع التي تتغير السيطرة عليها، بل بقدرة القيادة على إنقاذ البلاد من الانهيار وصون كرامة شعبها.

فإذا كان الهدف المعلن هو الحفاظ على الدولة، فإن السؤال الذي سيبقى في سجل التاريخ هو: كيف يمكن إعلان النصر بينما تنهار العملة، ويتوقف الإنتاج، ويُشرَّد المواطنون، وتدفع الدولة نفسها ثمن استمرار الحرب؟

لقد حان الوقت لأن ينتصر السودان على الحرب، لا أن تستمر الحرب في الانتصار على السودان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: النص محمي