مقالاتالسودان

رسالة إلى ترامب.. والبلاد تدفع الفاتورة

بشير محمد إبراهيم

ناشط مجتمعي  _

في بلدٍ ينهار اقتصاده تحت وطأة الحرب، وتتآكل قيمة عملته الوطنية، وتتراجع القدرة الشرائية للمواطنين إلى مستويات قاسية، وتضيق فيه فرص العمل ومصادر الدخل، تأتي رسالة الفريق عبد الفتاح البرهان إلى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لتفتح باباً يتجاوز مجرد التساؤل عن فرص السلام، إلى سؤال أكثر إلحاحاً: هل يدرك البرهان أن الوقت لم يعد يعمل لصالحه، وأن كلفة استمرار الحرب باتت تهدد ما تبقى من قدرة الدولة على البقاء؟.

في 15 أكتوبر الجاري، أعلن البرهان أنه بعث برسالة إلى ترامب، أكد فيها التزامه بجهود السلام التي ترعاها واشنطن واستعداد حكومته للعمل مع الأطراف المعنية من أجل سلام عادل ودائم يحفظ سيادة السودان ووحدته وكرامة شعبه. لكن الإعلان لم يتضمن نص الرسالة كاملاً، ولا تفاصيل عملية توضح ما الذي تغيّر في موقف القيادة العسكرية تجاه مقترح الهدنة الإنسانية الأمريكية لمدة 90 يوماً.

وهنا لا ينبغي قراءة الرسالة بمعزل عن اللحظة الاقتصادية التي جاءت فيها. فالسودان لا يواجه حرباً عسكرية فحسب، بل يواجه أيضاً تآكلاً متسارعاً في بنيته الاقتصادية، وتراجعاً في إيرادات الدولة، وانهياراً في القوة الشرائية، واتساعاً في رقعة الفقر، وتدهوراً في الخدمات الأساسية. وكل يوم إضافي من الحرب يعني مزيداً من الاستنزاف للموارد، ومزيداً من الأعباء على مواطن لم يعد يملك في كثير من الأحيان ما يدفع به فاتورة يومه. في ظل انهيار الجنيه وابتلاع الحرب للاقتصاد.

لم يعد الانهيار الاقتصادي في السودان مجرد توقعات أو تحذيرات. لقد أصبح واقعاً يعيشه المواطن في السوق، وفي المواصلات، وفي المستشفيات، وفي محاولته اليومية لتوفير الغذاء لأسرته.

فقد الجنيه السوداني اكثر من نصف قيمته منذ بداية صيف هذا العام في مناطق سيطرة الجيش، ووصل سعر الدولار في السوق الموازية إلى نحو ما يقارب العشرة آلاف جنيه. . وبالطبع، ترافق ذلك مع ارتفاع أسعار السلع الأساسية، وتراجع القدرة الشرائية، وتزايد صعوبة تأمين الاحتياجات اليومية، بالنسبة للمواطنين.

ولا تقف المشكلة عند تراجع قيمة العملة. فالحرب عطلت التجارة والزراعة والصناعة، وألحقت أضراراً بالبنية التحتية والمؤسسات الاقتصادية، وعمّقت الانقسام الجغرافي والمالي في البلاد. كما أن فقدان الدولة السيطرة على مناطق منتجة وموارد مهمة، وتحويل جانب كبير من الموارد المتاحة إلى متطلبات المجهود الحربي، يضعفان قدرتها على تمويل الخدمات ودفع الالتزامات العامة.

وبذلك يصبح الاقتصاد نفسه ساحة أخرى للحرب؛ لا تُقاس خسائره بعدد المواقع التي تتغير السيطرة عليها، وإنما بما يفقده الناس من دخول ومدخرات، وبما تتآكل قيمته من أجور، وبما تتعطل قدرته على الإنتاج والاستثمار.

هنا تكتسب الرسالة إلى ترامب أهمية تتجاوز مضمونها المعلن. فواشنطن ليست مجرد عاصمة يمكن مخاطبتها لطلب الوساطة السياسية؛ إنها طرف مؤثر في مسار الضغوط الدولية والعقوبات، وفي الجهود الرامية إلى وقف الحرب، وفي البيئة التي يمكن أن يتحدد من خلالها مستقبل السودان الاقتصادي وعلاقاته الخارجية.

ولا يمكن الجزم بأن الانهيار الاقتصادي كان الدافع المباشر وراء الرسالة، لكن من الصعب تجاهل أن استمرار الحرب يرفع كلفة إدارة المناطق الخاضعة لسيطرة الجيش، ويضعف الإيرادات العامة، ويزيد صعوبة استعادة النشاط الاقتصادي، ويجعل أي حديث عن إعادة الإعمار أو جذب الاستثمارات أقرب إلى الأمنيات ما لم تتوقف الحرب وتُستعاد درجة معقولة من الاستقرار.

ومن هذه الزاوية، قد تكون الرسالة محاولة لفتح مسار جاد نحو التسوية، وقد تكون سعياً لتخفيف الضغوط وكسب مساحة زمنية إضافية. لكن الفيصل ليس في النوايا التي يصعب إثباتها، بل في الخطوات التالية: هل سيقبل البرهان الدخول في مسار عملي لوقف إطلاق النار؟ هل ستتغير مواقفه من الهدنة الإنسانية؟ وهل ستتحول الرسالة إلى تفاهمات تفتح الطريق أمام إنهاء الحرب، أم ستظل تصريحاً سياسياً محدود الأثر؟.

إذن المعضلة، أن الوقت الذي قد تسعى الأطراف السياسية والعسكرية إلى كسبه لا يمر على السودانيين بلا ثمن.

كلما طال أمد الحرب، اتسعت الفجوة بين دخول المواطنين وأسعار السلع. وكلما تعطلت الزراعة والتجارة والصناعة، تقلصت فرص العمل ومصادر النقد الأجنبي. وكلما ضعفت إيرادات الدولة، تراجعت قدرتها على تمويل الصحة والتعليم والمياه والكهرباء والخدمات الأساسية.

وهكذا تتشابك الأزمة العسكرية مع الأزمة الاقتصادية في حلقة مفرغة؛ الحرب تدمر الإنتاج وتضعف الإيرادات، والانهيار الاقتصادي يفاقم الفقر والنزوح وانعدام الأمن الغذائي، وهذه الأوضاع تزيد صعوبة التعافي وإعادة بناء الدولة.

ولا ينبغي أن ننسى أن وراء الأرقام ملايين البشر الذين فقدوا أعمالهم أو مصادر دخلهم، وأسرًا استنزفت مدخراتها، وموظفين لم تعد أجورهم تكفي احتياجاتهم الأساسية، وشباباً أُغلقت أمامهم أبواب العمل والمستقبل.

وفي ظل هذه الظروف، يصبح الحديث عن السلام اختباراً للمسؤولية السياسية، لا مجرد مادة للخطاب الإعلامي. فالسؤال ليس فقط ما الذي يريد البرهان تحقيقه من مخاطبة ترامب، وإنما ما الذي سيقدمه هذا التحرك للسودانيين الذين يدفعون يومياً كلفة استمرار الحرب من قوتهم وأمنهم ومستقبلهم.

عليه؛ فمن الخطأ الاعتقاد بأن مجرد وقف إطلاق النار سيعيد الاقتصاد السوداني إلى عافيته تلقائياً. فالأضرار المتراكمة تتطلب أكثر من هدنة مؤقتة؛ تحتاج إلى استقرار أمني مستدام، وإعادة تشغيل القطاعات الإنتاجية، واستعادة الثقة في النظام المصرفي، وتحسين إدارة الموارد العامة، وتوحيد المؤسسات الاقتصادية، وتهيئة بيئة تسمح بعودة النشاط التجاري والاستثمار.

لكن وقف الحرب يظل الشرط الأول لأي تعافٍ جاد. فلا يمكن مطالبة المزارع بتوسيع إنتاجه في ظل انعدام الأمن، ولا إقناع المستثمر بضخ أمواله في بلد تتبدل فيه خطوط السيطرة، ولا مطالبة المواطنين بتحمل إصلاحات اقتصادية بينما تستمر الحرب في استنزاف مواردهم وإفقارهم. كما أن أي تسوية لا بد أن تتضمن معالجة عملية للأزمة الإنسانية والاقتصادية، وضمان وصول المساعدات، وحماية البنية التحتية والمرافق المدنية، وإعادة فتح الطرق والأسواق، وتوفير شروط عودة النازحين واللاجئين إلى حياة منتجة وآمنة. ومن هنا، ينبغي قياس أي تحرك دبلوماسي بقدرته على تقريب هذه النتائج، لا بعدد التصريحات التي تصدر بشأنه أو حجم الاهتمام الذي يحظى به على منصات التواصل الاجتماعي.

هنالك سؤال آخر لا يقل أهمية؛ هل تحمل الرسالة تحولاً في طريقة تعامل القيادة العسكرية مع الأزمة، أم أنها محاولة لإظهار الانفتاح على السلام في وقت تتزايد فيه الضغوط الخارجية والاقتصادية؟. لا توجد أدلة كافية للجزم بأن الرسالة استهدفت صرف أنظار الرأي العام عن الانهيار الاقتصادي أو تحويل مسار النقاش في وسائل التواصل الاجتماعي.

لكن من المشروع التحذير من أن يتحول الحدث الدبلوماسي إلى موضوع للسجال السياسي، بينما تبقى القضايا التي تحدد حياة المواطنين خارج مركز الاهتمام. فبدلاً من الاكتفاء بتبادل الآراء حول ما إذا كان البرهان قد نجح في مخاطبة ترامب، ينبغي أن يكون النقاش حول ما إذا كانت الرسالة ستقود إلى وقف الحرب، وما إذا كانت هناك خطة لاستعادة الاستقرار الاقتصادي، وما إذا كانت الحكومة مستعدة لمراجعة السياسات التي لا تزال تعمق الأزمة. والاختبار الحقيقي لأي خطاب عن السلام هو أن ينعكس على حياة الناس؛ في استقرار الأسعار، وتحسن توفر السلع، واستعادة الخدمات، وعودة فرص العمل، وانحسار الخوف والنزوح. أما إذا استمر تدهور الاقتصاد واتسعت معاناة المواطنين، فإن الرسائل مهما كانت وجهتها لن تغير حقيقة أن البلاد تدفع الفاتورة.

فالسودان لا يحتمل مزيداً من الانتظار.

إن أخطر ما في المشهد الراهن هو أن تتحول الحرب من صراع عسكري إلى عملية استنزاف شامل للدولة والمجتمع، بحيث لا تقتصر خسائرها على الأرض والأرواح، حسبما ما يجري الآن، بل تمتد إلى العملة والإنتاج والمؤسسات والقدرة على إعادة بناء المستقبل.

ومن هذه الزاوية، فإن رسالة البرهان إلى ترامب تستحق أن تُقرأ في ضوء الأزمة الاقتصادية التي تضغط على البلاد، لا باعتبارها حدثاً دبلوماسياً منفصلاً عنها. فهل هي بداية مراجعة حقيقية لحسابات الحرب، أم محاولة لتخفيف الضغوط وكسب الوقت؟، الإجابة لن تأتي من الرسالة نفسها، بل من المواقف التي ستليها، ومدى استعداد الأطراف للانتقال من التصريحات إلى خطوات ملموسة.

أما السودانيون، فلا يملكون ترف الانتظار، لنتائج المناورات السياسية، إن كانت هناك مناورات!!، ولا قدرة على تحمل فاتورة جديدة من التضخم والفقر والنزوح وتعطل الحياة.

فاتورة لا تُسدد بالدولار وحده، ولا تظهر في شاشات أسعار الصرف فقط؛ بل تُدفع من موائد تقلصت، ومدخرات تبخرت، وأعمال توقفت، ومستشفيات تعجز عن أداء دورها، وأجيال يتآكل مستقبلها كلما طال أمد الحرب.

وإذا كانت الرسالة تحمل بالفعل إرادة للسلام، فإن أول دليل على صدقها ينبغي أن يكون قراراً يوقف استنزاف البلاد، ويمنح الاقتصاد فرصة للتنفس، ويعيد إلى السودانيين حقهم في حياة لا تتحول فيها أبسط الاحتياجات إلى معركة يومية. فالسودان لا يحتاج إلى كسب الوقت بقدر ما يحتاج إلى استعادة الزمن الذي خسرته الحرب. ولا يحتاج إلى خطاب جديد عن السلام بقدر حاجته إلى سلام يوقف نزيف الاقتصاد، ويحمي ما تبقى من الدولة، ويعيد للناس قدرتهم على العيش بكرامة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: النص محمي