مهدي داود الخليفة –
عندما اندلعت الحرب في السودان في 15 أبريل 2023، خرجت تصريحات من قيادات القوات المسلحة تتحدث عن حسم الحرب خلال أسبوع أو أسبوعين.
كان ذلك تقديراً معلناً لمجريات المعركة، وتوقعاً بأن المواجهة لن تطول. لكن الأسبوعين تحولا إلى شهور، والشهور إلى سنوات، ودخلت الحرب عامها الرابع، بينما لا يزال ملايين السودانيين يدفعون أثمانها من أرواحهم وأمنهم ومواردهم ومستقبل أبنائهم.
أمام هذه الحقيقة، لم يعد مقبولاً الاكتفاء بتكرار الوعود بالنصر، أو مطالبة المواطنين بالصبر إلى أجل غير معلوم. لقد أصبح من حق الشعب السوداني أن يسأل قيادة القوات المسلحة، ورئيس مجلس السيادة الانتقالي الفريق أول عبد الفتاح البرهان: من منحكم تفويضاً مفتوحاً لمواصلة هذه الحرب؟
ومن قرر أن يظل مصير البلاد معلقاً على خيار عسكري لم يحقق، حتى الآن، النهاية التي وُعد بها السودانيون؟
ان الدفاع عن الوطن لا يعني منح أي قيادة حصانة من المساءلة، كما أن الوقوف مع حق السودانيين في الأمن والاستقرار لا يقتضي القبول باستمرار الحرب من دون استراتيجية معلنة للحل، وعن غياب أفق واضح لإنهائها. أو جدول سياسي واضح، أو مراجعة جدية للخيارات المتاحة.
تولى البرهان السلطة في أعقاب انقلابه في 25 أكتوبر 2021، الذي أطاح بالشراكة المدنية العسكرية وأجهض مسار الانتقال الديمقراطي. ثم اندلعت الحرب في أبريل 2023، لتدخل البلاد في واقع سياسي وعسكري بالغ التعقيد.
ومنذ ذلك الحين، أصبح من الضروري طرح سؤال يتجاوز العمليات العسكرية إلى طبيعة السلطة القائمة ومستقبل الحكم في السودان: هل تُستخدم حالة الحرب، بصرف النظر عن النيات المعلنة، لتكريس وضع سياسي لا يستند إلى تفويض شعبي أو شرعية دستورية ديمقراطية؟
لا يعني هذا السؤال الجزم بأن استمرار الحرب هو الغاية الوحيدة للقيادة، لكنه يضع أمامها مسؤولية تقديم إجابات واضحة بشأن العلاقة بين إدارة الحرب ومستقبل السلطة. فالحرب لا ينبغي أن تصبح مبرراً لتعليق الانتقال المدني إلى أجل غير مسمى، أو لتأجيل استعادة المؤسسات الدستورية، أو لإبقاء البلاد رهينة للقرارات العسكرية وحدها.
إن السلطة التي تدير حرباً بهذا الحجم مطالبة بأن توضح أهدافها، وأن تحدد معايير نجاحها، وأن تشرح للشعب كيف ستنتقل البلاد من حالة الحرب إلى السلام، ومن الحكم الاستثنائي إلى نظام سياسي يستمد شرعيته من الإرادة الشعبية.
وإذا كانت التقديرات الأولى قد أخطأت في توقع مدة الحرب، فإن المسؤولية تقتضي مراجعة تلك التقديرات، لا الاكتفاء بتجديد الوعود. وإذا كانت المعطيات العسكرية قد تغيرت، فمن حق المواطنين أن يعرفوا كيف انعكس ذلك على الاستراتيجية السياسية، وما البدائل المطروحة لتجنب استمرار نزيف الدم.
فليس من حق أي قيادة أن تطلب من الشعب تضحيات بلا حدود، ثم تعتبر مساءلتها عن نتائج تلك التضحيات أمراً غير مقبول.
من أخطر الاختلالات في التعامل مع الأزمة السودانية أن يُختزل قرار الحرب والسلام في حكومة الأمر الواقع القائمة أو في القيادات العسكرية الحالية، وكأن بقية السودانيين لا يملكون حقاً أصيلاً في المشاركة في تحديد مستقبل بلادهم.
إن مبادرات السلام ليست ملكاً حصرياً للحكومة، ولا امتيازاً تمنحه القيادة العسكرية لمن تشاء من القوى السياسية. كما أن التفاوض بشأن مستقبل السودان لا ينبغي أن يقتصر على أطراف تحمل السلاح، بينما تُستبعد القوى المدنية والسياسية التي شاركت في الثورة، أو ناضلت من أجل الانتقال الديمقراطي، أو تلك القوى الوطنية التي ناضلت من أجل استقلال البلاد وأسهمت في بناء دولتها الحديثة، فضلا عن القوي التي تمثل قطاعات واسعة من المجتمع السوداني.
فصناعة السلام مسؤولية وطنية مشتركة، ولا يمكن أن يتحقق سلام مستدام دون مشاركة واسعة وشاملة تعكس تنوّع السودان وتاريخه النضالي وتطلعات شعبه إلى الحرية والسلام والعدالة.
إن الحرب لا تدور في فراغ، ولا تقتصر آثارها على القوات المتقاتلة. إنها تدمر حياة المواطنين، وتفكك مؤسسات الدولة، وتهدد وحدة المجتمع، وتحدد ملامح النظام السياسي الذي سيأتي بعدها. ولذلك، فإن تقرير مستقبل السودان مسؤولية وطنية عامة، وليس شأناً عسكرياً مغلقاً.
ومن هنا، فإن أي مبادرة جادة لإنهاء الحرب يجب أن تقوم على التشاور الواسع مع القوى السياسية والمدنية السودانية، وفي مقدمتها قوى ثورة ديسمبر 2018، إلى جانب النقابات والمهنية والمجتمعية، ولجان المقاومة، والنساء والشباب، والقوى المناهضة للحرب، وسائر المكونات التي يمكن أن تسهم في بناء سلام مستدام.
كما لا ينبغي أن تكون المشاركة المدنية مجرد حضور شكلي في اجتماعات تُتخذ قراراتها مسبقاً، أو استدعاء بعض الشخصيات لإضفاء شرعية مدنية على تفاهمات عسكرية كما هو الحال في لجنة نبيل اديب. المطلوب هو مشاركة حقيقية في صياغة الأهداف السياسية، وترتيبات وقف إطلاق النار، وضمانات حماية المدنيين، وشكل السلطة الانتقالية، ومستقبل المؤسسة العسكرية.
من حق الحكومة أن تتحفظ على أي مبادرة لا تراعي سيادة السودان، أو لا توفر ضمانات كافية لوقف القتال، أو تتضمن ترتيبات لا يمكن تنفيذها على أرض الواقع. كما أن من حقها المطالبة بتحديد مسؤوليات الأطراف وضمانات الالتزام بالاتفاقات.
لكن رفض المبادرات، أو إطالة النقاش بشأنها، لا يمكن أن يكون بديلاً دائماً عن تقديم حل سياسي قابل للتنفيذ.
فإذا كانت الحكومة ترى أن مبادرة معينة غير مناسبة، فعليها أن توضح أسباب رفضها، وأن تحدد البنود التي تعترض عليها، وأن تطرح البديل الذي تراه قادراً على إنهاء الحرب.
أما الاكتفاء بالاعتراض على المبادرات المطروحة، من دون تقديم مسار واضح ومحدد زمنياً، فيترك السودانيين أمام سؤال لا يمكن تجاهله: ما الخطة الفعلية لإنهاء الحرب؟ و هل الهدف من اطالة امد الحرب البقاء في السلطة؟
إن المطلوب ليس توقيع اتفاق بأي ثمن، ولا القبول بتسوية تكرس الإفلات من العقاب، بل الدخول في عملية سياسية جادة تتدرج من وقف القتال وحماية المدنيين إلى معالجة جذور الصراع وإعادة بناء الدولة.
وفي هذا السياق، يصبح من الضروري أن توضح الحكومة موقفها من المبادرات الإقليمية والدولية، وأن تكشف عن تصورها للتنسيق مع القوى السودانية المدنية، وأن تقدم للرأي العام تفسيراً واضحاً لأي رفض أو تأخير يترتب عليه إغلاق فرص جدية لوقف الحرب.
فالمسؤولية السياسية لا تُقاس بالشعارات، وإنما بالقدرة على تقديم البدائل، وتحمل نتائج القرارات، والعمل على حماية المواطنين.
لا يمكن أن تظل نهاية الحرب مرتبطة بتقديرات عسكرية مفتوحة، أو بوعود تتجدد كلما طال أمد القتال. فحتى عندما تكون المواجهة العسكرية ضرورية لحماية المواطنين، ينبغي أن تكون جزءاً من استراتيجية وطنية أوسع، تتضمن تصوراً واضحاً لما بعد الحرب.
وإذا كان الهدف المعلن هو استعادة مؤسسات الدولة وإنهاء تعدد الجيوش والتشكيلات المسلحة، فإن هذا الهدف يحتاج إلى مسار سياسي وأمني متكامل، لا إلى استمرار المعارك وحده.
كما أن أي تسوية لا بد أن تعالج مسألة توحيد المؤسسة العسكرية على أسس مهنية ووطنية، وإخضاعها لسلطة دستورية مدنية، وإنهاء وجود القوات الموازية وفق ترتيبات قانونية متفق عليها، مع ضمان عدم الإفلات من العقاب عن الجرائم والانتهاكات.
والسؤال هنا ليس فقط: متى يستطيع الجيش تحقيق تقدم عسكري؟ بل أيضاً: كيف ستُترجم أي مكاسب ميدانية إلى سلام مستدام؟ وما الضمانات التي تمنع تجدد الحرب؟ وكيف ستُدار المرحلة الانتقالية؟ ومن سيشرف على إعادة الإعمار وإصلاح مؤسسات الدولة؟
إن ترك هذه الأسئلة بلا إجابات يعني أن البلاد قد تخرج من معركة لتدخل أخرى، وأن تتغير موازين القوة بينما تظل الأسباب التي قادت إلى الحرب قائمة.
إن ثورة ديسمبر 2018 لم تكن مجرد احتجاج على حكومة بعينها، بل عبّرت عن تطلع قطاعات واسعة من السودانيين إلى الحرية والسلام والعدالة، وإلى إقامة دولة مدنية تخضع فيها السلطة للمساءلة وتُصان فيها الحقوق والحريات.
ولا يمكن تجاهل هذا الإرث عند البحث عن مخرج من الحرب. فالقوى التي شاركت في الثورة، والقوى المدنية التي قاومت الحكم الاستبدادي، لا تفقد حقها في المشاركة في مستقبل البلاد بسبب اندلاع الحرب، كما لا يجوز اختزالها في مواقف بعض قياداتها أو افتراض اتفاقها جميعاً على رؤية سياسية واحدة.
إن المطلوب هو فتح حوار مدني سوداني واسع، برعاية دولية يتجاوز الاستقطاب الحزبي، ويتيح الاتفاق على مبادئ أساسية: وقف الحرب، وحماية المدنيين، ورفض عودة النظام السابق، وعدم شرعنة الاستيلاء العسكري على السلطة، وإقامة حكم مدني انتقالي، وبناء جيش وطني مهني موحد، وضمان العدالة والمحاسبة.
ويجب أن يكون هذا الحوار مستقلاً في قراره، وألا يتحول إلى واجهة لأي من طرفي الحرب، أو إلى وسيلة لمنح شرعية سياسية لأمر واقع فرضته القوة العسكرية.
فالسودان لن يستعيد استقراره بمجرد توقف إطلاق النار، وإنما عندما يصبح السلاح خاضعاً للدولة، وتصبح الدولة خاضعة للقانون، وتعود السياسة إلى المجال المدني، ويستعيد المواطن حقه في اختيار من يحكمه.
لقد طال أمد الحرب، وتجاوزت كلفتها كل التقديرات التي طُرحت في بدايتها، وأصبح استمرارها تهديداً مباشراً لما تبقى من مقومات الدولة السودانية.
ولذلك، فإن من حق الشعب أن يسأل البرهان والقيادة العسكرية والحكومة القائمة: ما خطتكم لإنهاء الحرب؟ وما موقفكم الحقيقي من المبادرات المطروحة؟
ولماذا التخوف من مشاركة القوى السياسية والمدنية وقوى ثورة ديسمبر 2018 في صياغة مسار وطني للسلام؟
وما الضمانات التي تقدمونها لمنع تحويل الحرب إلى مبرر لاستمرار الحكم العسكري؟
هذه الأسئلة لا تستهدف إضعاف الدولة، بل تهدف إلى حماية الدولة من الانهيار، وحماية المجتمع من مزيد من التمزق، ومنع تحول الضرورات الأمنية إلى مبرر دائم لتأجيل الحل السياسي.
إن وقف الحرب لا يعني الاستسلام،
والتفاوض لا يعني التخلي عن السيادة،
ومشاركة القوى المدنية لا تنتقص من دور القوات المسلحة.
بل إن بناء السلام يحتاج إلى أدوار متكاملة: مؤسسة عسكرية مهنية تحمي البلاد، وقوى مدنية تشارك في صياغة مستقبلها، ومؤسسات دستورية تضمن المساءلة، وعدالة تمنع الإفلات من العقاب.
لقد آن الأوان لإنهاء احتكار القرار السياسي باسم الحرب. فلا البرهان، ولا أي قيادة عسكرية أو حكومة انتقالية، تملك وحدها حق تقرير مصير السودان أو تحديد مستقبل أجياله.
إن السودان وطن جميع مواطنيه، ومستقبله لا يُصنع بالبندقية وحدها، ولا يُحسم خلف الأبواب المغلقة، وإنما عبر توافق وطني حقيقي تشارك فيه القوى المدنية والسياسية، وتكون فيه الأولوية لوقف الحرب واستعادة الحكم المدني وصون وحدة البلاد.
لقد صبر السودانيون طويلاً، ودفعوا ثمناً لا يجوز الاستهانة به. ومن حقهم اليوم أن ينتقلوا من مرحلة الوعود إلى مرحلة القرارات، ومن خطاب الحسم العسكري المفتوح إلى مسار سياسي واضح، ومن انتظار ما تقرره القيادات إلى المشاركة الفعلية في تقرير مصير وطنهم.
فالسؤال لم يعد فقط: من سينتصر في الحرب؟ بل أصبح: من سيعيد للسودانيين حقهم في السلام، وفي دولة مدنية ديمقراطية، وفي مستقبل لا تتحكم فيه البنادق؟

