د.أحمد عثمان عمر
محامٍ ومستشار قانوني –
مجددا تعرض المعدّنيون الأهليّون ( المّنقّبون المدنبون عن الذهب) في منطقة شمال الوادي داخل الحدود السودانية، لمجزرة مماثلة للتي حدثت في يونيو الماضي، والمجزرتان ارتكبهما سلاح الجو المصري، في انتهاك صارخ للسيادة الوطنية للسودان، واستهتار بأرواح المواطنين السودانيين، تحت مزاعم أن المعدنين الأهليين تعدوا على الحدود المصرية تارة، ومزاعم أنهم عصابات تهريب تارة أخرى.
المثير للقلق ليس هو التعدي في حد ذاته، بل تكراره مع تكرار المزاعم غير المثبتة والمنافية للواقع، دون إفصاح عن الأسباب الحقيقية لاستهداف المعدنين الأهليين مرتين خلال عدة أشهر، وهي لا تتجاوز في كل الأحوال الرغبة في طردهم من مربعات التعدين، لمصلحة جهة لم يتم الإعلان عنها بوضوح.
ارتكاب هذه المجازر، يؤكد بلا شك أن الجهة المستفيدة إما أن تكون الجهة المعتدية نفسها، أو جهة وثيقة الارتباط بها، أو شريكة لها في نزح الفائض الاقتصادي ونهب موارد السودان من الذهب. إذ لا يعقل أن يتحرك جيش وينتهك سيادة دولة أخرى، في مواقع لتعدين الذهب، وفي مكان يسمى شمال الوادي لا جنوبه ويقع جنوب الدولة المعتدية، دون أن يكون لهذه الدولة أو من يرتبط بها أو يشاركها مصلحة مباشرة في تعدين الذهب.
مارشح في وسائل الإعلام، هو أن مربع التعدين في جبل العقيدات بالمنطقة المستهدفة، تم تخصيصه لشركة نصيب كبير من أسهمها مملوك لمستثمرين وثيقي الصلة بالدولة المعتدية، في شراكة مع آخرين وثيقي الصلة بحكومة الأمر الواقع ( في الخرطوم) غير الشرعية،
هذا بالطبع يفسر الموقف غير المشرف الذي وقفته هذه الحكومة المزعوم أنها تخوض حرب كرامة ضد المليشيا الإرهابية في الداخل. فموقفها الحالي هو مجرد تكرار لموقفها المخزي في الاعتداء الأول، حين تبنت مزاعم المعتدي بتجاوز المعدنين للحدود، وزعمت بأنها تقوم بالتحقيق في الأمر.
والآن مجددا تزعم بأنها ستشكل لجنة لتقصي الحقائق، بدلا من تكليف النيابة باتخاذ إجراءاتها وفقا لقانون الإجراءات الجنائية وتوجيه الاتهام لمن يثبت ضلوعه في الاعتداء، وقبل ذلك إدانة الاعتداء ورفض انتهاك السيادة، واتخاذ الإجراءات الديبلوماسية اللازم اتخاذها في مثل هذه الأحوال.
وتكرار مثل هذه المواقف، يشي بأن في الأمر تواطؤ لأسباب اقتصادية تأخذ شكل شراكة بين جهات وثيقة الصلة بحكومتي البلدين كما هو منشور على شبكة الإنترنت، ولكنه أيضا يفصح عن عجز حكومة الأمر الواقع غير الشرعية في السودان عن اتخاذ موقف مشرف.
العجز أسبابه واضحة، أهمها هو أن الدولة المعتدية هي الداعم الأول لحرب هذه الحكومة التي شردت السودانيين وأفقرتهم وأذلتهم، وإعادة أعداءهم للسلطة ومكنتهم من رقاب الناس في مناطق سيطرة الجيش المختطف.
كذلك هي الداعمة لتثبيت السلطة غير الشرعية الاستبدادية ومسوقة لها إقليميا ودوليا، وهي المستفيد الأول من حالة غياب الشفافية والرقابة لدى سلطة الأمر الواقع، العاجزة عن هزيمة المليشيا الإرهابية، ناهيك عن حماية حدودها والدفاع عن سيادة شعب هي لا تمثله أصلا، بل تفرض إرادتها عليه عبر انقلاب مشؤوم وحرب وصفها الانقلابي المزمن نفسه بأنها عبثية.
وهذا يؤكد أن الأمر ليس عجزا فقط عن الدفاع عن سيادة لا تهم السلطة غير الشرعية من قريب أو بعيد، بل يمتد ليصبح تواطؤا يؤسس له اقتصاد الحرب وغياب الرقابة، بمستوى يجعل من المؤكد أن لجنة التحقيق المزمع تكوينها، سيكون مصيرها كمصير لجنة التحقيق في مجزرة فض اعتصام القيادة العامة، التي لم يسفر تكوينها عن أي شيء حتى الآن. فالأمر لا يعدو تقطيعا للوقت وشراءً له، لحين تغييب الحدث دون اتخاذ أي موقف.
وبالتأكيد غياب الموقف الصحيح في حده الأدنى من قبل سلطة الأمر الواقع غير الشرعية، فتح الباب واسعا أمام حكومة الجنجويد للمزايدة واتخاذ مواقف عالية السقف، سمحت لها بهزيمة سلطة الأمر الواقع إعلاميا هزيمة ساحقة، وبفضحها وفضح عجزها وتواطؤها مع الدولة المعتدية، وسحب البساط من تحتها بمستوى جعل عدد من مؤيديها يغيرون ولاءهم لدعم الجنجويد.
وفي هذا تبسيط مخل، يتناسى طبيعة سلطة الجنجويد غير الشرعية، وينسى الطبيعة الاجتماعية الطفيلية لقيادتها، ويغيب حقيقة جرائمها غير المسبوقة، ويتناسى مشروعها المعادي لشعبنا والقائم على النهب والسلب والتعدي على المواطنين.
فبناء الدعم والتأييد على مجرد موقف من حكومة معتدية مساندة لحكومة الأمر الواقع التي يقاتلها الجنجويد، لا يعدو حالة كونه قراءة مبتسرة وغير مبصرة تتناسى حقيقة الصراع وخارطته، وتلغي تاريخ كامل وتجربة لا يمكن تجاوزها حتماً، مازالت نتائجها ماثلة.
الصحيح هو إدانة العدوان المصري على السيادة السودانية، والمطالبة بتحقيق دولي محايد وشفاف في المجزرة التي ارتكبتها القوات الجوية المصرية للمرة الثانية بدم بارد،.
إذ أنه حتى وإن صحت مزاعمها، فقانونها الوطني نفسه لا يخولها قتل هؤلاء المعدنين، ومواكبة ذلك بتحقيق شعبي يرصد ويوثق ويوفر الشهود والبينات، مع مطالبة للنيابة العامة باتخاذ الإجراءات الصحيحة عبر قيد البلاغات والضغط الشعبي في هذا الاتجاه، مع عدم تجاهل الجهد الشعبي الموفق المتمثل في الفزع الذي قام به شباب إحدى قبائل شرق السودان، حين غابت سلطة الأمر الواقع غير الشرعية وتقاعست عن القيام بدورها، باعتبار أن التضامن الاجتماعي مطلوب ومثمّن غاليا.
والخلاصة هي أن الشعب قادر على لعق جراحه، وفرض قيمه، وتجاوز عجز وتواطؤ سلطة الأمر الواقع غير الشرعية، ومزايدات سلطة الجنجويد، وطلب الرحمة لشهدائه، وتطبيب جرحاه، والبحث عن مفقوديه، في فرض واضح لإرادته التي لا تعلو عليها إرادة.
وقوموا إلى ثورتكم يرحمكم الله!!!

