د. حامد البشير
أستاذ جامعي وخبير دولي
في الذكرى الثالثة والأربعين بعد المائة لمعركة شيكان المجيدة، التي شهدتها أرض كردفان في السادس من نوفمبر عام 1883، نستحضر واحدة من أعظم المحطات في تاريخ المقاومة الوطنية السودانية، حين استطاعت الثورة المهدية، بقيادة الإمام محمد أحمد المهدي، أن تحقق انتصاراً تاريخياً على جيش الحكم التركي المصري بقيادة الجنرال هكس باشا، في معركة غيّرت موازين القوة، ومهّدت الطريق لإنهاء ذلك الحكم وقيام الدولة المهدية الوطنية.
ولم تكن شيكان مجرد انتصار عسكري، بل كانت تعبيراً عن إرادة التحرر من الحكم الأجنبي، وعن قدرة السودانيين على التنظيم والتعبئة والتضحية في سبيل قضية آمنوا بها. وقد تركت أثراً عميقاً في الوجدان السوداني، وأسهمت في تشكيل الوعي بالسيادة والاستقلال والكرامة الوطنية.
غير أن استحضار شيكان اليوم لا ينبغي أن يكون مجرد احتفاء بأمجاد الماضي، وإنما مناسبة للتأمل في العلاقة بين التحرر وبناء الدولة. فالانتصار على الحكم الأجنبي، هو بلا شك، إنجاز تاريخي عظيم، لكنه لا يغني عن بناء شرعية داخلية تقوم على العدالة والمشاركة والمواطنة المتساوية. فالتحرر يفتح الطريق إلى السيادة، أما العدل فهو الذي يمنح الدولة أسباب البقاء والاستقرار.
ومن الخطأ المنهجي أن نحاكم الثورة المهدية بمعايير عصرنا وحدها، أو أن نسقط عليها خلافات الحرب السودانية الراهنة وصراعاتها السياسية والجهوية. فالأحداث التاريخية الكبرى لا تُفهم إلا في سياقاتها وظروفها وموازين القوى التي أحاطت بها.
وليس معنى ذلك تقديس التجربة المهدية أو إنكار ما صاحبها من أخطاء ومعاناة وتناقضات؛ فالأمم الواثقة من تاريخها لا تحتاج إلى ماضٍ خالٍ من العيوب حتى تعتز به. وإنما تحتاج إلى قراءة منصفة، تعترف بالإنجاز والإخفاق معاً، وتحترم اختلاف الذاكرة التاريخية بين مكونات المجتمع السوداني.
إن شيكان ليست ملكاً لقبيلة أو جهة أو جماعة سياسية، وإنما هي جزء أصيل من التاريخ السوداني المشترك. ولا يجوز اختزالها في صراعات الحاضر، أو توظيفها لتعميق الانقسامات بين أبناء الوطن الواحد.
ولعل أعظم ما نتعلمه من شيكان، ونحن نعيش اليوم واحدة من أقسى المآسي في تاريخ السودان، أن القوة الحقيقية للأوطان لا تُقاس بالانتصارات العسكرية وحدها، وإنما بقدرتها على تحويل تضحيات شعوبها إلى سلام وعدالة وحرية ودولة تسع الجميع.
إن الوفاء لشيكان لا يكون باستدعاء أمجادها فحسب، بل باستلهام معاني التحرر والكرامة، واستكمال ما ظل ناقصاً في مشروع الدولة الوطنية السودانية.
لقد انتصر السودانيون في شيكان على جيش الحكم الأجنبي، وما زال التحدي التاريخي أمام أجيالهم هو الانتصار على أسباب الفرقة والاستبداد والحروب المتناسلة، وبناء وطن يتساوى فيه الجميع في الحقوق والواجبات.
المجد لشيكان، والمجد لكل تضحيات السودانيين من أجل الحرية والكرامة، وليكن أعظم وفاء لتاريخنا أن ننهي، وإلى الأبد، دوامة حروبنا المتناسلة منذ سبعة عقود ونبني سودانا حرا ديموقراطيا يسع الجميع.

