مهدي داود الخليفة:
من أكثر المشاهد إيلاماً في هذه الحرب اللعينة أن السوداني لم يعد يخشى الرصاص وحده، بل أصبح يخشى الذل أيضاً.
ففي كل يوم تطالعنا مقاطع فيديو وصور لسودانيين يفرون في شوارع دول اللجوء، أو يفترشون الأرض في معسكرات النزوح، أو ينتظرون ساعات طويلة أمام مكاتب الهجرة ومخافر الشرطة، وقد سُلبوا أبسط ما يملكه الإنسان: الشعور بالكرامة.
شاهدت، كما شاهد غيري، مقاطع لسودانيين في ليبيا يركضون خوفاً من الملاحقات الأمنية، وشاهدت عشرات المقاطع الأخرى التي تدمي القلب قبل العين من معسكرات اللجوء في أوغندا وإثيوبيا ومصر وغيرها من البلدان. لم يعد السوداني الذي كان بالأمس موضع احترام وتقدير يُنظر إليه باعتباره إنساناً اقتلعته الحرب من وطنه، بل أصبح في كثير من الأحيان مجرد رقم إضافي في قوائم اللاجئين.
لكن السؤال المؤلم ليس: ماذا فعلت دول اللجوء؟ بل ماذا فعلت الدولة السودانية لشعبها؟
لقد عرف السودان، عبر تاريخه الحديث، حكومات مدنية وعسكرية اختلف الناس حول سياساتها، لكن شيئاً واحداً ظل محل إجماع: أن كرامة المواطن السوداني كانت تمثل خطاً أحمر لا يجوز تجاوزه.
يروي الكاتب السوداني عمر جعفر السوري قصة السفير اللبناني خليل تقي الدين عندما كان سفيراً لبلاده في الخرطوم في عهد الفريق إبراهيم عبود. فقد استدعاه الرئيس عبود شخصياً بسبب شكوى تقدم بها طباخ سوداني يعمل في السفارة اللبنانية بعد أن تعرض لسوء معاملة في عمله.
ويقول السفير اللبناني إن الرئيس عبود أبلغه بوضوح أن الرزق على الله، أما كرامة السوداني فهي مسؤولية رئيس الدولة نفسه، وأنه لا يقبل المساس بها مهما كان موقع الشخص الذي تعرض للإساءة.
قد يختلف السودانيون حول تجربة الفريق عبود السياسية، وقد يعترضون على طبيعة حكمه العسكرية، لكن ذلك الموقف ظل شاهداً على مفهوم الدولة في ذلك الزمان؛ دولة ترى في المواطن قيمة تستحق الحماية.
وكان إسماعيل الأزهري و عبدالله خليل يريان في المواطن السوداني سفيراً لوطنه أينما حلّ، وكانت الحكومات المتعاقبة، على اختلاف توجهاتها، تدرك أن هيبة الدولة تبدأ من احترام مواطنيها وصون كرامتهم.
وكان جعفر نميري، رغم ما يؤخذ على عهده، لا يتردد في التدخل عندما يشعر أن كرامة السودانيين في الخارج تعرضت للمساس.
كان الصادق المهدي يدرك أن الدولة لا تُقاس فقط بما تملكه من جيش أو مؤسسات، بل بقدرتها على صيانة حقوق مواطنيها والدفاع عنهم.
ولعل من أبلغ الشواهد على هذه المدرسة الوطنية ما يُروى عن رئيس الوزراء السوداني الراحل محمد أحمد محجوب عقب نجاح قمة الخرطوم عام 1967، قمة اللاءات الثلاث التي أعادت للسودان مكانته كجسر للتوافق العربي بعد هزيمة يونيو.
فقد أراد الملك فيصل بن عبد العزيز أن يعبّر عن تقديره للدور السوداني المحوري في جمع الصف العربي وإنجاح القمة، فعرض تقديم دعم مالي للسودان الذي كان يواجه تحديات اقتصادية كبيرة. لكن محمد أحمد محجوب، الذي كان يدرك أن قيمة الأوطان لا تُقاس بحجم ما تتلقاه من مساعدات، بل بقدرتها على صون كرامتها واستقلال قرارها الوطني، شكر الملك فيصل بكل أدب واحترام، ثم اعتذر عن قبول أي دعم، حتى لا يُقال إن السودان تقاضى ثمناً لمواقفه العربية أو لدوره في تحقيق ذلك الإجماع التاريخي.
كان ذلك الموقف تعبيراً عن مدرسة كاملة في العمل العام؛ مدرسة ترى أن الكرامة الوطنية ليست شعاراً يُرفع في الخطب، بل قيمة تُمارس عندما تتعارض المبادئ مع المصالح. ولذلك لم يكن مستغرباً أن يترك هذا الموقف أثراً عميقاً في نفس الملك فيصل، الذي رأى فيه تجسيداً لعزة السودانيين ونبل قيادتهم الوطنية.
وعندما نقارن بين ذلك الزمن وما آلت إليه أوضاع السودان اليوم، ندرك حجم التراجع الذي أصاب الدولة ومؤسساتها. فقد كان السودان في الماضي يقدم المبادرات، ويجمع الفرقاء، ويصنع التوافقات العربية و الافريقية ، بينما أصبح اليوم ملايين من أبنائه ينتظرون المساعدات الإنسانية والإغاثات في المنافي، ويكافحون من أجل البقاء والنجاة.
أما اليوم، فإن المشهد مختلف بصورة تدعو إلى الحزن والغضب معاً.
فملايين السودانيين موزعون بين مخيمات النزوح ومراكز اللجوء وعواصم الشتات، بينما لا يسمعون من سلطات بلادهم سوى بيانات الحرب وخطابات التعبئة العسكرية.
ولا نكاد نرى تحركاً دبلوماسياً جاداً للدفاع عن اللاجئين السودانيين، أو متابعة أوضاعهم، أو الاحتجاج على الانتهاكات التي يتعرضون لها. وكأن الدولة التي عجزت عن حمايتهم داخل حدود الوطن قررت أن تتخلى عنهم خارجه أيضاً.
ولا ينبغي أن يُفهم هذا الحديث على أنه هجوم على الشعوب التي استضافت السودانيين.
ومن حق أي دولة أن تطبق قوانينها وأن تحافظ على أمنها واستقرارها، ومن واجب الضيوف والمقيمين احترام تلك القوانين والالتزام بها. غير أن من حق السودانيين أيضاً أن يُعاملوا باحترام، وأن يُنظر إليهم كبشر لهم كرامتهم وحقوقهم، لا كعبء ينبغي أن يختفي عن الأنظار أو يتخلى عن أبسط مظاهر حياته الطبيعية خوفاً من الاستهداف أو سوء الفهم.
إن احترام البلد المضيف قيمة نبيلة لا خلاف حولها، لكن الحفاظ على كرامة المواطن السوداني قيمة لا تقل أهمية. فلا ينبغي أن يتحول البحث عن الأمان إلى قبول ضمني بالإهانة أو التمييز أو الانتقاص من الحقوق الإنسانية الأساسية. فالأمن الحقيقي لا يتحقق فقط بالابتعاد عن الخطر، وإنما أيضاً بضمان أن يبقى الإنسان محتفظاً بكرامته وحقوقه اينما وجد.
فالكثير من شعوب مصر وليبيا وإثيوبيا وأوغندا وتشاد وجنوب السودان وغيرها فتحت بيوتها وقلوبها للسودانيين، وتقاسمت معهم الطعام والماء والفرص المحدودة. لكن الضغوط الاقتصادية والاجتماعية والأمنية الناتجة عن استمرار الحرب جعلت أوضاع اللاجئين أكثر صعوبة، وهو ما كان يستوجب من الدولة السودانية أن تتحرك لحماية مواطنيها لا أن تتركهم وحدهم يواجهون مصيرهم.
والأكثر مرارة أن السودان لم يكن يوماً بلداً يطرد اللاجئين أو يغلق أبوابه في وجه الملهوفين.
لقد استقبل السودانيون عبر العقود لاجئين من دول عديدة، وتقاسموا معهم الأرض والرزق والفرص. عاش بيننا الإريتريون والإثيوبيون والتشاديون والأوغنديون وغيرهم، ولم تكن معسكراتهم سجونا، ولم يكن وجودهم موضع ازدراء أو ملاحقة.
كان السودان، رغم فقره، يملك ثروة لا تُشترى بالمال: إنسانية شعبه.
نعم انسانية شعبه
أما اليوم فإن أبناء ذلك الشعب نفسه أصبحوا يبحثون عن مأوى، وعن وثيقة إقامة، وعن فرصة للنجاة.
إن المسؤولية التاريخية عن هذا الانهيار لا تقع على طرف واحد، بل على كل من ساهم في تدمير الدولة وإشعال الحرب وإطالة أمدها وتحويل السودان إلى ساحة صراع على السلطة والثروة.
إنها مسؤولية نظام عمر البشير الذي أضعف مؤسسات الدولة وأدخل البلاد في دوامات الحروب والانقسامات،
ومسؤولية القيادات العسكرية التي اختارت السلاح بدلاً من السياسة،
ومسؤولية قوات الدعم السريع وما ارتبط بالحرب من انتهاكات،
ومسؤولية كل القوى السياسية و المدنية التي وضعت مصالحها فوق مصلحة الوطن والشعب.
لقد دفع المواطن السوداني الثمن وحده.
فقد وطنه، وأمنه، وبيته، وعمله، وها هو اليوم يفقد كرامته أيضاً.
ولذلك فإن المأساة الحقيقية ليست فقط في مشاهد اللجوء والنزوح، بل في غياب الدولة التي يفترض أن تدافع عن مواطنيها.
فحين يصبح السوداني مطارداً في المنافي، ومنسياً في مخيمات اللجوء، ومهمشاً في أجندة حكامه، فإن السؤال الأكبر لا يعود: أين يذهب السوداني؟
بل يصبح: أين ذهبت الدولة السودانية؟
رحم الله السودان الذي كان يحمي الضعيف،
ويكرم الضيف،
ويحفظ كرامة أبنائه.
ولعن التاريخ كل من أوصل شعباً عظيماً إلى هذا المصير المؤلم، وجعل أبناءه يهربون من الحرب في وطنهم ليواجهوا قسوة اللجوء في أوطان الآخرين.
فالأوطان لا تُقاس بمساحتها ولا بثرواتها، وإنما بقدرتها على حماية كرامة مواطنيها. وحين تضيع الكرامة، يضيع كل شيء.

