د.أحمد عثمان عمر
محامٍ ومستشار قانوني
يحاجج البعض بالقول أن إقصاء طرفي الحرب حاملي السلاح وإخراجهما من المعادلة السياسية حلم غير واقعي، باعتبار أنهما قادران على فرض إرادتهما بقوة السلاح، ولا يمكن إيقاف الحرب وبناء سلطة بديلة إلا بموافقتهما، في حين لا يمكن فرض إرادة الشارع عليهما في ظل انحسار الحراك الجماهيري.
وينسى أصحاب هذا الرأي، أن انحسار الحراك الجماهيري مربوط بحالة الحرب، وأنه حتى في ظل هذه الحالة يبدأ تراكمه وانتظامه بجهد شعبي مدني خالص وصبور، يقوم على المثابرة على نشر الوعي، وبناء الجبهة القاعدية، ورفض التعاطي مع طرفي الحرب استنادا للاءات الثلاثة (لا تفاوض لا شراكة ولا شرعية).
ببساطة إن التفاوض في ظل انحسار الحراك الجماهيري المنظم، يعني تقديم تنازلات مجانيّة لطرفي الحرب، والسماح لهما برسلمة الحرب والاستفادة منها، وفرض إرادتهما وشراكتهما مع المدنيين بقوة السلاح، وإفلاتهما من المحاسبة والعقاب، وإعطائهما شرعية جديدة تسمح للعسكريين ومن ورائهم بحماية التمكين، وتؤسس لاستمرار سيطرة الاقتصاد الموازي وحالة الإفقار المزمنة للمواطنين.
كما تكرس سلطة العسكر بواجهة مدنية شكلية، معزولة من قواعدها وملحقة بسلطة العسكر والمليشيا من مواقع متخلفة، حيث يتم إشراك القوى المدنية في إطار سيطرة العسكر والجنجويد، واستخدامها كواجهة يمكن إزاحتها في أي وقت.
فبدلا من أن تتبع القوى العسكرية للسلطة المدنية تبعية كاملة وتعمل وفقا لتعليماتها، تسيطر هذه القوى على العملية السياسية التي لا يجوز لها المشاركة فيها وتفرض شروطها.
من ينادي بالواقعية ومشاركة المكون العسكري السابق بشقيه المتحاربين في المعادلة السياسية المستقبلية، ينادي فعليا بمكافأتهما على ما تسببا فيه من دمار للدولة السودانية ومآسي لشعبنا العظيم، وتمكينهما من رقاب شعبنا مجددا، في معادلة تعيد إنتاج الأزمة وتمنع من القيام بعملية إصلاحية ناهيك عن تغيير ثوري.
وحتى لا يقال أن هذا القول على صحته هو قول مثالي غير واقعي، ينبغي أن نبين أن القوى المدنية قادرة على إيقاف الحرب بالضغط على أطرافها، أخذا في الاعتبار أن الحرب فعل اجتماعي يعكس حال انسداد سياسي لا فعل عسكري معزول عن محيطه، وتفهما لحالة توازن الضعف التي تستنزف طرفي الحرب. فهدف القوى المدنية الآن لا يجب أن يكون استلام السلطة أو المشاركة فيها، بل يجب أن يكون إيقاف الحرب وعزل أي سلطة تنشأ عن ذلك ، إن كانت ناشئة عن تسوية بين الطرفين المتحاربين، توطئة لإسقاطها مستقبلا بفعل مدني ثوري، تقوده الجبهة المدنية القاعدية، التي ستصعد للسلطة كقوى صانعة للثورة تتحول إلى دولة لكل مواطنيها مبنية على سيادة حكم القانون.
ولإيقاف الحرب، تستطيع القوى المدنية القيام بما يلي:
أ- رفض الحرب ورفض الانخراط فيها وحرمانها من وقودها البشري، عبر رفض التعاون مع طرفيها أو التفاوض معهما أو إعطائهما أي شرعية.
ب- توحيد القوى المدنية في جبهتها القاعدية والتمسك بلاءاتها الثلاثة، وإنتاج خطاب متماسك يرفض الحرب ويفضح دعايتها، ويدير نشاطه تحت شعار “لا للحرب ونعم للثورة”.
ج- توفير مقومات الصمود بالتنسيق بين الجبهة القاعدية في الداخل وقوى دعم الثورة في الخارج، لتوفير احتياجات المواطنين في الداخل والتأسيس لعودة من يستطيع، للمساهمة في النضال من الداخل.
د. دعم جميع خطوات وضغوط المجتمع الدولي الرامية لإيقاف الحرب وحماية المدنيين وتوصيل الإغاثة، مع رفض أي معادلة سياسية تركب على هذه الجهود ، تشرعن وجود طرفي الحرب أو واجهاتهما أو أدواتهما فيها.
هـ – تمليك لجان المقاومة والنقابات الفئوية زمام المبادرة وقيادة الجبهة القاعدية، ومساعدتهما في تكوين قيادتها السرية التي تعمل كسلطة موازية حتى تتمكن من استلام السلطة عند استرداد زخم الحراك الجماهيري.
ح- رصد ومتابعة مظاهر التمكين وتوثيق ما يجب إزالته عند سقوط النظام، ووضع تصور وآليات التفكيك والإزالة وتدمير الاقتصاد الموازي بصفته تلك.
ط – مقاطعة أي حوار تبتدره سلطة الأمر الواقع غير الشرعية أو الجنجويد، ورفض إعطائهما أي شرعية، مع نشر الوعي بطبيعة سلطة اللجنة الأمنية المنقسمة على ذاتها، وكيفية معاداتها لشعب السودان.
ي- العمل بمثابرة لتكوين جبهة مدنية قاعدية متماسكة، قادرة على استلام السلطة مستقبلا، مع مواصلة فضح سياسة السلطة والجنجويد، وهزيمة دعايتهما.
ك- رفض اعتداءات سلطة الأمر الواقع، ومن ضمنها الجبايات غير المبررة التي تفرضها على الجماهير، ويدخل في ذلك العزل وعدم المشاركة اجتماعيًا أيضا.
م- الإمساك بقضايا الجماهير والنضال اليومي معها لخلق التراكم المطلوب، لحين الوصول لإسقاط النظام العسكري الجنجويدي وواجهاته معه.
ومفاد ما تقدم هو أن إيقاف الحرب لا يتم بالانخراط في الحرب، أو دعم أحد أطرافها، بل يتم بالموقف الحازم ضد الحرب ومع الثورة، وشعارها في هذه المرحلة هو اللاءات الثلاثة.
ويلاحظ أن حجب الشرعية له مترتباته، من رفض لجميع تصرفات السلطة غير الشرعية، واعتبارها باطلة وكأن لم تكن، بما في ذلك منح أراضي البلاد لأجانب تحت دعاوى الاستثمار. ورفض المشاركة من مواقع التبعية في شراكات الدم، مما يؤسس لعزل سلطة الأمر الواقع وتهميشها، ويجعلها تلهث خلف شرعية لن تحصل عليها أبداً.
فالواضح هو أن القوى المدنية عليها واجب أن توحد نفسها، بعيدا عن التلوث بتفاوض مع طرفي الحرب، أو بالدخول في شراكة دم جديدة، أو بإعطاء شرعية لأي من طرفي الحرب. وأن تعمل على إيقاف الحرب كهدف مرحلي.
يليه العمل المنظم لإسقاط سلطة الأمر الواقع الناتجة عن تسوية بين الطرفين المتحاربين، توطئة لبناء سلطة الانتقال المطلوبة، التي يجب أن تبدأ بتنصيب سلطتها المدنية الثورية الخالصة، تليها محاكمات عادلة لجنرالات الكلية والخلاء،وتعيين المجلس التشريعي، وإعادة هيكلة الجيش وتسريح المليشيات وحل جهاز الأمن، إيماناً بأنه بدون ذلك، يصبح الانتقال مستحيلا، وشعبنا يبحث عن انتقال، يثق في الوصول إليه عبر تراكم هاديء، نذره تراها في إضراب المعلمين الجسور المتحدي، ومظاهرات عبري ومناطق الشمال، وتحفز شعبي كبير لاستعادة الثورة، وهي استعادة قريبة بدون شك.
وقوموا إلى ثورتكم يرحمكم الله!!!
(الآراء الواردة في المقالات تُعبّر عن آراء الكتاب ولا تُعبّر بالضرورة عن وجهة نظر “إطلالة” )

