مقالاتالسودان

في ذكرى الإحتفاء بالمعلم والإحتفال بعيده

ماذا عن حال المعلم والمعلمة في السودان اليوم وما قصتي مع قصيدة " يا مريا"؟

د. حامد البشير

أستاذ جامعي  وخبير دولي 

إلى الذين أضاءوا لنا الطريق
تحية إجلال ومحبة إلى معلمي ومعلمات السودان
لا تكفي الكلمات لكي نوفي المعلمين حقهم، ولا تكفي الاحتفالات لتكريم أولئك الذين أفنوا أعمارهم في صناعة الإنسان، وغرس المعرفة، وبناء الوعي، وحراسة مستقبل الوطن.

فالمدرسة ليست جدراناً وسبورة وجرساً يعلن بداية الحصة ونهايتها. المدرسة، قبل كل شيء، معلم. والمعلم هو الذي يضع اللبنة الأولى في بناء الأجيال والوطن والأمة والوجدان المشترك.

وحين أستعيد اليوم رحلة طويلة إمتدت من طفولة بعيدة في قرى كردفان إلى الدراسة الجامعية ثم الدراسات العليا، أجد أن بعض الوجوه لا تزال حاضرة في الذاكرة كأنني رأيتها بالأمس. مرَّت السنون، وتغيرت الأماكن، ورحل بعض أصحاب تلك الوجوه عن دنيانا، لكن أثرهم لم يرحل.
ومن بين كثيرين، تستوقفني ذكرى أربعة معلمين تركوا في حياتي أثراً لا تمحوه الأيام.

المعلم الأول
كان أول أساتذتي في التعليم شبه الرسمي (الخلوة) خالي المرحوم الشيخ النمير القناوي حسين، واسمه الرسمي محي الدين ابن عربي القناوي حسين. أما «النمير» فكانت كنية أطلقت عليه لصعوبة مراسه، ثم غلبت عليه حتى أصبحت إسمه.
ومن عجب الحياة أن يبدأ الطفل رحلته مع المعرفة على يد شخص من أسرته. لقد حفظت معه في الخلوة حتى سورة البينة ثم دخلت المدرسة.
أما معلمي الثاني فكان شقيقي المرحوم الصادق البشير.

كنت في الثامنة من عمري عندما علمني الآذان. ظل يدربني حتى اطمأن إلى سلامة أدائي، ثم عهد إليَّ أن أؤذن لصلاة العصر والمغرب يومياً، وبعد الصلاة أصطحبه إلى البيت الذي كان يبعد نحو مائة متر عن المسجد الذي كان يؤم الناس فيه.
لكنه لم يعلمني الأذان وحده.

كان يحب الشعر والحكمة، ويزرع في الطفل الصغير شيئاً ربما لم أكن أدرك معناه آنذاك: حب الكلمة والمعرفة والسفر والتطلع إلى العالم.

ومن الكلمات التي علمني إياها في تلك السن أبيات تُنسب إلى الإمام الشافعي في فوائد السفر:
تغرَّبْ عن الأوطان في طلب العُلا
وسافرْ ففي الأسفار خمسُ فوائدِ
تفرُّج همٍّ واكتسابُ معيشةٍ
وعلمٌ وآدابٌ وصحبةُ ماجدِ

ولعل الطفل الذي حفظ تلك الكلمات في قرية صغيرة من قرى كردفان لم يكن يعلم أن السفر سيصبح بعد ذلك جزءاً كبيراً من حياته، وأن طلب العلم سيحمله يوماً إلى أماكن بعيدة.
رحم الله الصادق البشير. فقد كان أخاً، ولكنه كان أيضاً معلماً ومربياً.

المعلم الثالث، إبراهيم كالو رمضان، حين يكون التعليم رحمة.
في مدرسة أم حيطان الأولية ( في وسط جبال النوبة)، كان أستاذي إبراهيم كالو رمضان، المسيحي القادم من هيبان.
ولا أذكره اليوم بمادته الدراسية بقدر ما أذكر إنسانيته: كان رقيقاً، عطوفاً، رؤوفاً بي وبكل التلاميذ. وكان يشجعني ويثني عليَّ كثيراً.

وربما كان يدرك، بحس المعلم والمربي، أن الطفل الذي أمامه يعيش بعيداً عن والديه في قرية الحاجز، حيث لم تكن توجد مدرسة آنذاك.
كان الأستاذ إبراهيم مسيحياً، وكان شقيقي إماماً للمسجد، وكنت أنا طفلاً صغيراً يتلقى العلم والمحبة والرعاية.
وما أجمل هذه الصورة حين نستعيدها اليوم.
فالسودان الذي عرفناه في طفولتنا لم يكن يسأل المعلم عن دين الطفل قبل أن يعطف عليه، ولم يكن الطفل يسأل معلمه عن دينه قبل أن يحبه ويحترمه.
كان الذي يجمعهما هو الإنسان.
وتلك، في تقديري، واحدة من أجمل رسائل التعليم التي نحتاج إلى استعادتها في السودان اليوم.

المعلم الرابع، الأستاذ مجاور عبدالله الأمين،
وقصيدة «يا مريا». وهذه الذكرى فلها في النفس مكان خاص.
كان ذلك في مدرسة الدلنج الريفية الوسطى عام 1969. كنت في الثالثة عشرة من عمري، ووجدني الأستاذ مجاور عبدالله الأمين أثناء حصة المذاكرة المسائية أقرأ قصيدة «يا مريا» للشاعر السوداني الفذ صلاح أحمد إبراهيم (خارج المقرر).

طلب مني أن أحفظ القصيدة، وأن أحضر إلى مكتبه في السابعة من صباح اليوم التالي، قبيل طابور الصباح، لأسمّعها أمامه. لقد كانت تلك هي العقوبة.

كانت المهمة كبيرة على صبي في الثالثة عشرة. فاستعنت بإبن شقيقتي وزميلي في ذات الفصل إبراهيم أحمد حسين، الذي أصبح لاحقاً لواءً في الشرطة، ليسمّع لي القصيدة. وأمضيت جزءاً كبيراً من الليل أحفظ وأراجع.
وفي الصباح ذهبت إلى مكتب الأستاذ مجاور مرهقاً من السهر، ومهموماً بشيء واحد: أن أرضي أستاذي وألا أخيب ظنه.
وقفت أمامه وألقيت القصيدة بصوت جهوري حتى سمعني بعض الأساتذة في المكتب.
وعندما انتهيت، لم يقل الكثير.
قال ببساطة:
«خلاص، امشي حصِّل الطابور.»
ومرت السنوات.

وبعد نحو خمسة عشر عاماً، في عام 1985، عدت إلى الدلنج. كنت حينها طالب دراسات عليا في الولايات المتحدة، وقد جئت لجمع المعلومات لأطروحتي للدكتوراه حول التنمية والتطور السياسي في جبال النوبة.
ذهبت لزيارة الأستاذ مجاور، وكان آنذاك مديراً لمدرسة الدلنج المتوسطة بنات.
قدمت نفسي إليه، فلم يتذكرني أول الأمر. وكان الزمن قد مضى بنا نحن الاثنين.
ولكن عندما ذكّرته بحكاية الصبي وقصيدة «يا مريا»، انفرجت أساريره وارتفعت حاجباه دهشة.
سألني:
«لسه حافظها؟»
قلت له: نعم، أحفظ منها… ولكنني لا أغنيها بالطبع!
فضحك كثيراً.
ثم دعا أساتذة المدرسة ليسلموا عليَّ ويتعارفوا معي، وأخذ يحكي لهم بفخر قصة أحد تلاميذه قبل خمسة عشر عاماً.

لم يكن الأستاذ مجاور يعرف، عندما طلب من طفل في الثالثة عشرة أن يحفظ قصيدة في غاية العمق الرومانسي، أن ذلك الطفل سيعود إليه بعد سنوات من رحلة العلم، وأن تلك اللحظة الصغيرة ستظل حية في ذاكرته بعد أكثر من نصف قرن.
هذه هي عظمة المعلم.
قد يقول كلمة وينساها، بينما يحملها التلميذ معه طوال حياته.
وقد يشجع طفلاً للحظات، فتغير تلك اللحظات نظرته إلى نفسه وإلى مستقبله.
رحم الله الأستاذ الأديب الوقور مجاور عبدالله الأمين، ابن شندي، وجزاه عن تلاميذه خير الجزاء.

واليوم… من يكرم معلم السودان؟

أستعيد هذه الذكريات في عيد المعلم، لكن القلب لا يستطيع أن يحتفل دون أن يتذكر حال المعلمين والمعلمات في السودان اليوم.
فمن كان ينبغي أن يكون في مقدمة المجتمع من حيث التقدير والأمان المعيشي، أصبح في كثير من الأحيان يكابد شظف العيش والمسغبة وتأخر الأجور وضعفها، ويعمل في بيئة تعليمية شديدة القسوة.
ثم جاءت حرب 15 أبريل 2023 فضاعفت المأساة.

تشرد المعلم كما تشرد تلميذه. أغلقت المدارس أو تعطلت، وتحولت مدارس كثيرة إلى ملاجئ للنازحين، وفقد معلمون مصادر دخلهم، وتفرقت الأسر، وغادر بعضهم البلاد، بينما واصل آخرون تعليم الأطفال بما توفر لهم من إمكانات شحيحة.
ومع ذلك، بقي المعلم السوداني واقفاً:
في القرية، وفي المدينة، وفي معسكر النزوح، وفي بلاد اللجوء، نجد معلماً أو معلمة يحاولان أن يقولا للطفل السوداني إن الحرب لا ينبغي أن تنتصر على مستقبله.

وهنا تكمن المأساة والمفارقة معاً: نطلب من المعلم أن يبني مستقبل الوطن، بينما لا نوفر له في كثير من الأحيان شروط العيش الكريم في الحاضر.
ولا يمكن أن نبني سوداناً جديداً بالتقليل من شأن التعليم أو بوضعه في ذيل أولويات الدولة. فالتعليم ليس بنداً اجتماعياً ثانوياً، ولا خدمة يمكن تأجيلها إلى أن تتحسن الظروف الاقتصادية والأمنية.
التعليم قضية أمن قومي وبناء دولة.

والبلد الذي لا يستثمر في معلمه اليوم سيدفع غداً أضعاف ما بخل به عليه: فقراً، وأمية، وبطالة، وعنفاً، وتطرفاً، وحروباً جديدة.
ولهذا، فإن إعادة بناء السودان بعد هذه الحرب يجب أن تبدأ من المدرسة، وإعادة بناء المدرسة يجب أن تبدأ من المعلم: كرامته، وتأهيله، وأجره العادل، وبيئة عمله، ومكانته الاجتماعية.

إلى معلمي السودان ومعلماته
في عيدكم، لا أريد أن أقول لكم «كل عام وأنتم بخير» فقط.
أريد أن أقول:

شكراً لمن علّم طفلاً حرفاً في قرية نائية لم تصلها الكهرباء ولا الطرق.
شكراً للمعلمة التي واصلت التدريس وهي تحمل همَّ بيتها وأسرتها وضيق معيشتها.

شكراً للمعلم الذي بقي متمسكاً برسالته بينما كانت الحرب تهدم من حوله المدرسة والبيت والوطن.

شكراً لأولئك الذين علمونا القراءة والكتابة، ثم علمونا، دون أن نشعر، الانضباط والفضول والشجاعة واحترام الآخر وحب المعرفة.
وتحية خاصة إلى أولئك الأربعة الذين ما زالت وجوههم تسكن ذاكرتي بعد كل هذه السنين:
الشيخ النمير القناوي حسين،
والصادق البشير،
وإبراهيم كالو رمضان،
ومجاور عبدالله الأمين.

بعضهم رحل عن هذه الدنيا، ولكن المعلم الحقيقي لا يرحل تماماً.
يبقى في كلمة يقولها تلميذه، وفي كتاب يقرأه، وفي موقف يتخذه، وفي معرفة ينقلها إلى جيل آخر.
وهكذا تنتقل شعلة المعرفة من يد إلى يد، ومن جيل إلى جيل.

إلى معلمي ومعلمات السودان، في المدن والقرى ومعسكرات النزوح وبلاد اللجوء:
لكم التحية والإجلال والتقدير.
أنتم قناديل المعرفة وحراس الوعي.
وإذا كان للسودان أن ينهض مرة أخرى من تحت ركام هذه الحرب، فإن طريق نهضته سيمر، حتماً، من باب المدرسة.
وسيكون المعلم في مقدمة الذين يعيدون بناء الوطن.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: النص محمي