مقالاتالسودان

الرسالة الأولى: حين تصبح “الوساطة” إحداثياتٍ على الشاشة!(1 من 4)

من مقالات الكشف والتفكيك... (نرثي اليوم... ونكشف غداً... حتى تتكلم الحقيقة كاملة في 17 أكتوبر)

د. عادل سهل

أستاذ في جامعة قطر  –

 في 17 أكتوبر 2025…

لم تكن الإدارة الأهلية لقبيلة المجانين ذاهبة إلى غابة أم حتّة بحثاً عن معركة.

لم تكن تحمل مشروع حرب.

ولم يكن الرجال الذين خرجوا من المزروب في ذلك الصباح يتحركون نحو جبهة قتال.

 كانوا ذاهبين إلى مهمة واحدة فقط:

حقن الدماء.

كانوا ذاهبين إلى الصلح…

إلى إيقاف التوتر…

إلى منع اشتعال ما قد يتحول إلى نار لا يملك أحد السيطرة عليها.

 تحرك الناظر سليمان جابر جمعة سهل، ومعه قيادات ووجهاء من الإدارة الأهلية، في وفدٍ أهلي واضح المهمة والوجهة.

أربع سيارات…

رجال يعرفون لماذا خرجوا.

ومكان معروف.

وموعد معروف.

ومهمة معروفة.

لكن السؤال الذي ظل يطرق أبواب ذاكرتنا طوال عام كامل هو:

كيف تحولت مهمة للوساطة وحقن الدماء إلى هدفٍ محدد على شاشة؟

 هنا تبدأ القصة التي لا نريد أن نحرق تفاصيلها كلها اليوم…

لكننا نستطيع أن نفتح نافذة صغيرة على ما ظللنا نجمعه.

ونرتبه.

ونتحقق منه.

ونضعه داخل وثيقة كاملة.

فالمعلومات التي وردت في إفادات وشهادات متعددة تشير إلى أن تحرك الوفد لم يكن مجهولاً لمن كان يراقب المشهد.

كانت هناك مراقبة…

وكانت هناك متابعة…

وكانت هناك نقاط ودوائر ضوء خفية على شاشة.

تتحرك مع حركة السيارات.

وتتبع مسارها حتى وصلت إلى المكان الذي توقفت فيه.

 ثم جاءت اللحظة الأكثر إثارة للقلق.

لم يعد الأمر مجرد رصدٍ عام لمنطقة.

ولم تعد المسألة تحليقاً عابراً فوق مكان بعيد.

بل أصبح هناك سؤال محدد على الشاشة:

هل هذا هو الناظر؟

ثم:

وهل الذي بجواره العمدة؟

ثم جاء الرد…

وكان الرد إيجابياً.

وبعدها…

صدرت الكلمة التي تختصر كل شيء:

إضرب.

 وهنا…

تتغير طبيعة السؤال كله.

لأننا لم نعد أمام ضربة جاءت مصادفةً إلى مكان تجمع فيه الناس.

بل أمام تسلسل يحتاج إلى إجابة:

من الذي حدّد الهدف؟

ومن الذي أكد الهوية؟

ومن الذي نقل المعلومة؟

ومن الذي تابع السيارة؟

ومن الذي أعطى الإحداثية؟

ومن الذي اتخذ القرار النهائي؟

 المعلومة سبقت السلاح.

وهذه، ربما، واحدة من أخطر الجمل التي يمكن أن تقال عن ذلك الصباح.

لأن الصاروخ لا يعرف الناظر من العمدة…

والطائرة لا تعرف لماذا خرج الوفد من المزروب…

والآلة لا تعرف من ذهب للصلح ومن ذهب للقتال.

الذي يعرف ذلك هو الإنسان.

والذي يحدد من هو الهدف هو المعلومة.

والذي يضع الهدف داخل دائرة الاستهداف هو الإحداثي.

 ولذلك…

فإن الصاروخ يستطيع قتل الجسد.

لكن الإحداثية هي التي تقوده.

وهنا يكمن السؤال الأكبر:

من أين جاءت الإحداثية؟

ومن الذي جعل رجلاً ذاهباً لحقن الدماء يظهر على الشاشة كهدفٍ يستحق الضربة؟

بحسب ما ورد في مواد التقرير وشهادات ميدانية جرى جمعها وتدقيقها، فإن الزمن بين وصول الوفد إلى المكان ووقوع الضربة كان قصيراً بصورة شديدة الدلالة.

وصل الرجال…

جلسوا تحت ظل الأشجار…

ثم لم تمر سوى ثلاث دقائق تقريباً قبل الاستهداف.

ثلاث دقائق فقط.

ثلاث دقائق بين الوصول…

وبين الموت.

وثلاث دقائق بين مهمة للوساطة…

وبين تحويل الرجال إلى أهداف.

 ثم جاءت الضربة الأولى…

ولم تكن النهاية.

فبحسب إحدى الإفادات.

جاءت ضربة ثانية بعد فترة قصيرة جداً، لم تتجاوز إحدى عشرة ثانية تقريباً.

وهذا التسلسل الزمني وحده يفتح أسئلة أكبر من قدرة الصمت على إغلاقها.

لأن الأمر، إذا أثبتته الأدلة التي جُمعت، يصبح أقرب إلى صناعة جريمة لا إلى حادث عابر.

 ونحن هنا لا نصدر حكماً على أحد.

ولا نعلن إدانة أحد.

ولا نضع أسماءً على منصة الاتهام لمجرد أن اسمه ورد في شهادة أو إفادة.

فالاسم ليس دليلاً بذاته.

لكننا نقول شيئاً واحداً:

هناك شهادات…

وهناك تسجيلات…

وهناك إفادات…

وهناك تسلسل زمني…

وهناك معلومات جرى جمعها وحفظها داخل ملف كامل.

وكل ذلك سيأتي وقته.

 لن نكشف اليوم كل ما نعرف.

ولن ننشر اليوم كل الأسماء.

ولن نضع بين أيدي الناس كل ما احتفظنا به من تفاصيل.

 ليس خوفاً من الحقيقة…

بل احتراماً لها.

فالحقيقة حين تكون بهذا الحجم…

لا تُرمى دفعةً واحدة في الشارع.

الحقيقة تُبنى.

وثيقة بعد وثيقة.

إفادة بعد إفادة.

تسجيل بعد تسجيل.

حتى يصبح الصعب على الإنكار…

أصعب من أن يُنسى.

 لقد تعلمنا خلال عام كامل أن الجريمة لا تبدأ لحظة سقوط الصاروخ فقط.

 أحياناً…

تبدأ قبل ذلك بكثير.

تبدأ حين تتحول التحريضات إلى قناعة.

وحين تتحول الوشاية إلى معلومة.

وحين تتحول المعلومة إلى إحداثية.

وحين تتحول الإحداثية إلى هدف.

ثم يأتي السلاح…

فينفذ ما رسمه الآخرون.

 ولهذا فإن سؤالنا اليوم ليس فقط:

من أطلق الصاروخ؟

 السؤال الأعمق هو:

من جعل الصاروخ يعرف أين يذهب؟

 ومن قال إن الرجال الذين خرجوا للصلح…

يجب أن يكونوا داخل دائرة الاستهداف؟

 لقد حفظنا الملف.

وحفظنا الأسماء.

وحفظنا الشهادات.

وحفظنا ما أمكن حفظه من التفاصيل.

 ولم نكتب طوال هذا العام بحثاً عن ثأر.

بل كتبنا بحثاً عن حقيقة.

فالدم لا يطالب بالثأر…

الدم يطالب بالحقيقة.

 وفي الرسائل القادمة…

لن نتحدث فقط عن المسيرة.

سنتحدث عن البيئة التي سبقت المسيرة.

عن التحريض.

عن التهديد.

عن الذين كانوا يريدون إسكات الإدارة الأهلية.

وعن الذين حلموا بأن يسقط هذا الكيان بمجرد غياب رجاله.

 وسنسأل:

هل كانت الجريمة لحظةً واحدة؟

أم أنها كانت نتيجة سلسلة كاملة من الخطوات؟

 اليوم…

فتحنا نافذة صغيرة فقط.

نافذة تكفي لندرك أن ما حدث لم يكن مجرد سماء وطائرة وصاروخ.

كان هناك شيء آخر…

شيء يسبق السلاح.

كانت هناك معلومة.

وكانت هناك إحداثية.

وكان هناك شخص ما يعرف.

وكان هناك…

شخص ما قال: إضرب.

 أما الباقي…

فسيأتي وقته.

وما زال القوس مفتوحاً…

والعين ترصد…

والأسئلة تكبر…

والوثيقة تتقدم خطوة بعد خطوة.

حتى نصل إلى اليوم الذي لا يعود فيه السؤال:

ماذا حدث؟

 بل يصبح السؤال:

من فعل ذلك… ولماذا؟

وستأتي الاجابة، حتماً…

عندما تتكلم الحقيقة كاملة في 17 أكتوبر 2026 .

 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: النص محمي