مقالاتالسودان

من العلمين إلى واشنطن: هل تقترب لحظة التسوية في السودان؟

كيف يمكن فهم تحرك " صمود" في واشنطن ونيويورك وكندا وهل الفرصة أمام القوى المدنية مضمونة؟

بشير محمد إبراهيم

ناشط مجتمعي –

يصعب النظر إلى ما يجري في السودان والقرن الأفريقي باعتباره سلسلة من الأحداث المنفصلة. فتصاعد التوتر في القرن الأفريقي، وقمة العلمين، والتحركات الأمريكية والدولية لإنهاء الحرب السودانية، وتحرك تحالف «صمود» في الولايات المتحدة، إلى جانب إعلان الدعم السريع قبوله هدنة لمدة تسعين يوماً، كلها مؤشرات على أن الملف السوداني يدخل مرحلة جديدة تتداخل فيها الحسابات الداخلية مع المصالح الإقليمية والدولية.

قمة العلمين، بمشاركة مصر والسودان وإريتريا والصومال، عكست بوضوح تنامي الاهتمام بأمن البحر الأحمر والقرن الأفريقي ووحدة الدول وسيادتها، كما حملت رسائل تتصل بأمن النيل والممرات البحرية والتحولات الإقليمية. وفي المقابل، فإن تجدد التوتر في إثيوبيا يزيد من حساسية موقع السودان، الذي لم تعد أزمته حرباً داخلية فقط، بل أصبحت جزءاً من بيئة إقليمية مضطربة.

في هذا السياق تكتسب الدعوة إلى هدنة التسعين يوماً أهمية خاصة. فإعلان الدعم السريع قبوله الهدنة يمكن أن يمثل، إذا توافرت الضمانات والآليات المناسبة، مدخلاً إلى اختبار إمكانية الانتقال من الميدان إلى التفاوض. لكن العقبة الأساسية ستظل في شروط الهدنة، خصوصاً ما يتعلق بمواقع انتشار القوات وترتيبات ما بعد وقف إطلاق النار.

وهنا تكمن أهمية التحرك الأمريكي. فواشنطن تبدو أكثر اهتماماً بالوصول إلى وقف فعلي للحرب يفتح الطريق أمام عملية سياسية، وليس بمجرد إنتاج هدنة مؤقتة. وهذا يعني أن السؤال لن يكون فقط: كيف تتوقف الحرب؟ بل أيضاً: من يشارك في صياغة السودان الذي سيأتي بعدها؟

وهذه النقطة تحديداً تجعل جولة تحالف «صمود» في الولايات المتحدة وكندا مهمة، فـ«صمود» لا يتحرك باعتباره قوة مدنية تنتظر أن يقرر الآخرون شكل المرحلة المقبلة، وإنما يدخل هذه اللقاءات والنقاشات، مستنداً إلى رؤية سياسية واضحة لما بعد الحرب سبق أن طرحها وقدّمها، وإلى محاولات لتوسيع التوافق بين القوى المدنية والسياسية والمجتمعية السودانية.

وتكمن أهمية ذلك في أن أي تسوية تنهي الحرب دون تصور سياسي لما بعدها قد تتحول إلى مجرد هدنة بين طرفين عسكريين، يعاد بعدها إنتاج الأزمة بصورة مختلفة. أما وجود رؤية مدنية معلنة، فتتمثل قيمته في طرح أسئلة الدولة والانتقال السياسي والسلام والعدالة والعلاقة بين المدنيين والعسكريين، بدلاً من ترك مستقبل السودان رهينة للتوازنات العسكرية وحدها.

من هنا يمكن فهم تحرك «صمود» في نيويورك وواشنطن وحالياً في كندا، باعتباره محاولة للانتقال من موقع المطالبة بوقف الحرب إلى موقع المساهمة في تشكيل أجندة ما بعد الحرب.

وهذه فرصة سياسية حقيقية، لكنها في الوقت نفسه اختبار صعب؛ إذ تحتاج القوى المدنية إلى توسيع قاعدة التوافق، وتقديم خطاب عملي قادر على مخاطبة الداخل السوداني والمجتمع الدولي معاً.

المؤشرات الحالية ترجح أن الأشهر المقبلة قد تشهد ضغطاً متزايداً من أجل وقف القتال، وربما التوصل إلى هدنة، لكن الوصول إلى اتفاق دائم سيظل أصعب بكثير. فالمسألة لا تتعلق فقط بوقف إطلاق النار، وإنما بمستقبل السلطة والدولة والجيش والقوى المدنية وشكل الانتقال السياسي.

والاحتمال الأخطر هو أن تتحول الهدنة إلى مجرد استراحة عسكرية، بينما يبقى الصراع السياسي بلا حل. أما السيناريو الأكثر إيجابية، فهو أن تصبح التسعين يوماً بداية لمسار متدرج: وقف إطلاق النار، ترتيبات إنسانية وأمنية، ثم عملية سياسية سودانية واسعة تضع أسس مرحلة انتقالية جديدة.

وفي هذه اللحظة تحديداً تتقدم أهمية الرؤية المدنية الجاهزة. فإذا نجحت «صمود» في تحويل رؤيتها المعلنة إلى مشروع سياسي واسع يحظى بتأييد سوداني معتبر، واستطاعت بناء جسور مع بقية القوى المدنية، فقد تجد نفسها في موقع أكثر تأثيراً في أي تسوية مقبلة.

فالتحولات الجارية في القرن الأفريقي، وقمة العلمين، والضغط الأمريكي، وقبول الهدنة، والتحرك المدني في واشنطن، قد لا تكون سوى أجزاء من لوحة أكبر: إعادة فتح السؤال حول مستقبل السودان بعد الحرب، ومن يمتلك القدرة على الإجابة عنه.

والفرصة أمام القوى المدنية، وفي مقدمتها «صمود»، ليست مضمونة. لكنها تبدو اليوم أوضح من أي وقت مضى: أن تنتقل من موقع انتظار نهاية الحرب إلى موقع المشاركة في صناعة السلام وشكل الدولة التي ستأتي بعدها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: النص محمي