مقالاتالسودان

الحراك المدني.. (التراكم والتنوع والقابلية للتطور)

أين حدثت تحركات واحتجاجات مطلبية يمكن توثيقها وما هي الدروس المستفادة ومن هم الواهمون؟

د.أحمد عثمان عمر

محام ومستشار قانوني 

يستهين الكثيرون بالحراك المدني، ولا يرون أهميته إلا في لحظات الصعود الثوري وتكوين الكتلة الحرجة اللازمة للتغيير في اللحظة الثورية، ويتجاهلون حقيقة أن الوصول إلى هذه النقطة يسبقه تراكم تتعدد مصادره وتتنوع سماته وطرقه، لتقود إلى لحظة التوحيد والتنظيم الشامل وتوفر القيادة، لتكتمل الأداة الذاتية لإنجاز التغيير.

ولكن من يعلم أن طريق الجماهير هو الطريق الوحيد لإنجاز تغيير لمصلحة الشعب، يعلم حتما أن تراكم الحراك الكمي، يقود إلى تقرير نوعي، يسمح بصعود نحو تغيير ثوري حاسم، لذلك لا تفوته ضرورة رصد ومتابعة تراكم الحراك، وفهم طبيعته، وتقدير مدى أهميته، بعد وضعه في سياقه التاريخي وفهم علاقته بالمعادلات السياسية وشروط الواقع، ليعمل على الاستفادة منه بعد تقييمه، ووضع التصور اللازم لجعله رافدا لتكوين الجبهة القاعدية المطلوبة لإنجاز تغيير سلمي مدني، يلقي بطرفي الحرب اللعينة الراهنة في مزبلة التاريخ.

والمراقب للحراك الجماهيري، لا يفوته حدوث العديد من التحركات والاحتجاجات المطلبية، التي يمكن أن نوثق منها ما يلي:-

إضراب أساتذة الجامعات الذي، شمل أكثر من 30 جامعة حكومية، احتجاجاًعلى تدهور الأوضاع الوظيفية وضعف الرواتب والمطالبة بإقرار لائحة شروط الخدمة والهيكل الراتبي.

وإضرابات المعلمين، التي بدأت بكسلا وكان شاملا ومفتوحا، وامتدت إلى الجزيرة والخرطوم، حيث تعددت أشكال التصعيد فيه وتمت الإضرابات في أوقات متقاربة. أيضا شمل الحراك الجماهيري
احتجاجات الكهرباء في عبري والولاية الشمالية. حيث أعلن المحتجون التصعيد وإغلاق طريق حلفا دنقلا في 26 مايو في مناطق طرمبة عبري وصواردة وعطب.

ولأول مرة، اشتمل الحراك الجماهيري على إضرابات للتجار وإغلاق الأسواق بدأ في الدويم بولاية النيل الأبيض ضمن سلسلة الاحتجاجات التجارية التي انتقلت لاحقاً إلى نهر النيل وكسلا وشندي. حيث شهدت عطبرة ثلاث جولات من الإغلاق.

وجميع هذه الاحتجاجات متعلقة بالجبايات من رسوم وتقديرات ضريبية جزافية.

أما إضراب سوق الذهب في كسلا، فقد تميز بأنه جاء احتجاجاً على غياب التنظيم وسوء أوضاع السوق والنشاط الموازي. أيضا شهدنا
احتجاج العاملات في سوق النسوان بكسلا، وكذلك إضراب الأطباء والكوادر الصحية في الخرطوم.

واحتجاجات العبيدية بولاية نهر النيل احتجاجاً على وجود المظاهر العسكرية والمليشيات داخل المنطقة، في أعقاب شكاوى من القتل والنهب والاعتداءات.

واشتملت الاحتجاجات أيضا احتجاجات القضارف ضد الغلاء، التي تلتها احتجاجات العباسية وودنوباوي في الأسباب والمطالب.

والدروس المستفادة من هذا الحراك يمكن تلخيصها في ما يلي:-
١- ان الحراك الجماهيري حي وفاعل ومتمكن من كسر حاجز الخوف وقادر على بناء حركة منظمة في حدود قدرات الفاعلين في المجال المعين وشروط حراكهم.

٢- أن الحراك ينطلق من قضايا الجماهير المطلبية الملحة، ويتنوع بتنوعها، ويحمل سمات أمنية وخدمية و رفض للخضوع للدولة الجابية الطفيلية.

٣- أن الحراك شامل لشرق ووسط وشمال المناطق التي يسيطر عليها الجيش المختطف، وليس محدودا بمنطقة جغرافية محددة.

٤- أن الحراك شامل لقطاعات متنوعة منها أساتذة الجامعات والكوادر الطبية والمعلمين والتجار والمواطنين في أماكن سكنهم، أي أنه يشمل مناطق السكن والعمل، ويشمل جماهير النقابة ولجنة الحي، وهي جماهير
الثورة.

٥- أن أدوات الحراك تعددت من الإضرابات المتدرجة إلى الإغلاقات إلى المظاهرات، مما يؤكد تمكن الجماهير من أدواتها وقدرتها على توظيفها عند الحاجة.

٦- أن الحراك الجماهيري فرض وجوده على السلطة، وأكد عجزها المزمن عن حل المشكلات الخدمية والقضايا المطلبية، وأجبرها على أن تسفر عن وجهها القبيح، وتلجأ إلى العنف والحلول الأمنية.

٧- أن الحراك الجماهيري ممكن وقابل للتنظيم وقادر على المواجهة، برغم عدم وجود وحدة تنظيمية على امتداد البلاد، وعدم اكتمال تأسيس الجبهة القاعدية، القادرة على قيادة الحراك المطلبي والسياسي معاً، انطلاقا من التداخل الذي فرضته الظروف الموضوعية، مما يحتم اعتباره دلالة على إمكانية بناء الجبهة القاعدية، وقدرة حركة الجماهير على فرض إرادتها حين تنجز واجب التنظيم.

والجدير بالملاحظة هو أن جميع الحراك المرصود تم في الأراضي المسيطر عليها من قبل الجيش المختطف، وهذا بالطبع لا يعطي أي أفضلية لمليشيا الجنجويد الإرهابية، لأن غياب الحراك الجماهيري في مناطقها، سببه عنفها المطلق وشراستها في قمع معارضيها، وضعف التنظيم في مناطق سيطرتها، وخطاب التضليل الواسع بعد تبنيها برنامج الحركة الشعبية، وتوسع العمليات العسكرية في مناطق سيطرتها، وهي أمور لن تحجب الحراك الجماهيري طويلا، في ظل تردي الخدمات وفشلها المريع كسلطة مدنية وضعف حكومتها الموازية غير الشرعية.

والخلاصة هي أن من يظنون أن الحراك الجماهيري قد مات واهمون، وأن من يرتبون على موته حلول تسوية وشراكات دم جديدة سوف يندمون، وأن من يراهن على إرادة شعبنا الصابر الغلابة هو من سينتصر.

وقوموا إلى ثورتكم يرحمكم الله!!

تعليق واحد

  1. This was a genuinely helpful read on “الحراك المدني.. (التراكم والتنوع والقابلية للتطور)” — it reminded me of something I found recently: SCADA PLC. Thanks for sharing your perspective.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: النص محمي