مقالاتالسودان

المثقف أمام السلطة: سجال النخبة السودانية… من أزمة الاختلاف إلى أمل الحوار

مساجلات بين أربعة أسماء لها مكانتها واحترامها ..مهدي كتب وكمير ردّ و استمر النقاش ودخل النور حمد من زاوية مختلفة وطرح الدقير رؤيته

بشير محمد إبراهيم

 ناشط مجتمعي –

في سياق الحرب وأزمة النخبة، تأتي هذه المساجلات في لحظة سودانية استثنائية. فقد دخلت الحرب عامها الرابع، بينما لا تزال البلاد تبحث عن مخرج سياسي يوقف القتال ويفتح الطريق أمام تسوية تعيد بناء الدولة على أسس جديدة. وفي ظل هذا المشهد المعقد، لم تعد الأسئلة المتعلقة بالحوار السياسي ترفاً فكرياً، كما لم يعد دور المثقف ممارسة ثقافية منفصلة عن الصراع على مستقبل السودان.

فالحرب لم تكشف فقط هشاشة مؤسسات الدولة، وإنما كشفت أيضاً عمق أزمة النخب السياسية والفكرية والمدنية في إدارة الاختلاف. ظل الخلاف السوداني، في كثير من مراحله، ينتقل من الحوار إلى الاستقطاب، ومن الاستقطاب إلى التخوين، ومن التخوين إلى القطيعة، حتى أصبح الاتفاق، في أحيان كثيرة، أصعب من الاختلاف نفسه.

وفي المقابل، تضعنا الحاجة إلى تسوية سياسية أمام اختبار مختلف؛ هل تستطيع النخب السودانية أن تتحاور حول مستقبل البلاد مع بقاء اختلافاتها؟، أم سيظل كل طرف مشغولاً بإثبات خطأ الطرف الآخر؟.

من هنا تأتي أهمية السجال الذي دار بين الدكتور الواثق كمير والأستاذ مهدي داود الخليفة، ثم بين الدكتور الواثق كمير والدكتور النور حمد، قبل أن ينتقل إلى السجال بين الباشمهندس عمر الدقير والدكتور الواثق كمير.

انا لا أتعامل مع هذه المساجلات باعتبارها مجرد خلاف بين أربعة أسماء لها مكانتها واحترامها في الفضاء الثقافي والسياسي السوداني، ولا أبحث فيها عن «منتصر» و«مهزوم». ما يهمني هو ما كشفته من أسئلة حول طريقة تفكير النخبة السودانية، وما يمكن أن نتعلمه منها في هذه اللحظة الحرجة.

والأهم أن نقرأ هذا السجال بروح مختلفة، فربما يكون الاختلاف الذي نحسن إدارته اليوم أحد الشروط الأولى للتوافق الذي نحتاج إليه غداً. برغم بعض الحدة والملاحظات التي يمكن تسجيلها على بعض المواقف، أرى أن هذا السجال صحي ومطلوب؛ فالسودان لن يخرج من أزمته بنخبة متفقة على كل شيء، وإنما بنخبة تتعلم كيف تختلف دون أن تهدم جسور الحوار.

بدأ السجال بمقال الدكتور الواثق كمير، الذي حمل عنواناً لافتاً: «أي حوار سوداني نريد؟ بين المخاوف المشروعة وشروط المصداقية». لم يكن السؤال: هل نريد الحوار أم لا؟ وإنما: أي حوار نريد؟. وضع د.كمير أمام القارئ مجموعة من الأسئلة حول ملكية الحوار، والمشاركين فيه، وأجندته، وضماناته، وعلاقته بوقف الحرب، ودور الدولة فيه. وبذلك نقل النقاش من مجرد الترحيب بفكرة الحوار إلى مساءلة شروط نجاحه ومصداقيته.

أرى أن هذه الأسئلة لا يجوز القفز فوقها. فالحوار ليس قيمة مجردة،  فبالامكان أن يكون وسيلة للخروج من الأزمة، كما يمكن، إذا اختلت شروطه، أن يصبح وسيلة لإعادة إنتاجها. فقوة هذه الأسئلة لا تعفي، في تقديري، من الانتقال من التساؤل إلى التصور العملي؛ كيف نحقق هذه الشروط؟ ومن يبدأ؟ وما الحد الأدنى الذي يمكن الاتفاق عليه؟.

وهنا جاءت مداخلة الأستاذ مهدي داود الخليفة، حين كتب مقالاً بعنوان: «حوار الواثق كمير: أسئلة كثيرة بلا إجابات أم محاولة لتسويق حوار السلطة؟!». ففي جوهر طرحه، لم يكن مهدي رافضاً لفكرة الحوار السوداني، وإنما ركز على أسئلة تتعلق بملكية الحوار، وأطرافه، وأجندته، وضماناته، والجهة التي تختار المشاركين، ومدى استقلال العملية عن سلطة الأمر الواقع.

وهي أسئلة مشروعة. فالتاريخ السياسي السوداني مليء بالإحباطات، وبمبادرات وحوارات رفعت شعارات السلام والوحدة والمصالحة، لكنها انتهت، في كثير من الأحيان، إلى إعادة إنتاج الأزمات نفسها. والمشهد السوداني الحالي ربما يمثل أقسى تجليات فشل النخب في إدارة أزمات البلاد.

ومن هذه الزاوية، أعاد مهدي النقاش إلى سؤال بالغ الأهمية: من يملك الحوار، قبل أن نسأل ماذا سينتج الحوار؟.

لكن عنوان مقاله، ولا سيما عبارة «تسويق حوار السلطة»، فتح باباً آخر للنقاش، وهو الانتقال من تحليل مضمون المبادرة إلى تفسير مقصد صاحبها، فكان هذا مدعاة لرد د. كمير، الذي جاء رده مؤكداً، أن مهدي «قرأ مقالاً لم يكتبه»، وأن الأسئلة التي أثارها مهدي هي، في الأصل، جوهر ما طرحه هو نفسه، حين تساءل في مقاله، من يملك الحوار؟ من يشارك فيه؟ ما ضماناته؟ وما علاقته بوقف الحرب؟ وكيف يمكن أن يكون مستقلاً وآمناً وواسع المشاركة؟.

وكان اعتراض كمير الأساسي أن مقاله جرى تفسيره باعتباره ترويجاً لحوار السلطة، بينما كان هدفه، وفق عرضه، مساءلة أي حوار عن شروط مصداقيته، وليس منح الشرعية لمبادرة بعينها. وهنا يبرز درس مهم في الكتابة السياسية؛  فهناك فرق بين نقد النص وقراءة دلالاته، وبين نسبة نية سياسية إلى صاحبه.

من حق الناقد أن يقرأ الأثر السياسي المحتمل لأي فكرة، لكن من حق الكاتب أيضاً أن يرفض أن تُنسب إليه نوايا لم يعلنها.

وفي المقابل، لا تكفي النوايا المعلنة وحدها في السياسة. فالمثقف والسياسي يُحاسبان أيضاً على الإطار الذي تتحرك فيه أفكارهما، وعلى النتائج المحتملة لمواقفهما.

وهنا تصبح المسألة أكثر ثراءً، الأستاذ مهدي يذكّرنا بأهمية الآليات والجهات والضمانات، ود.كمير يذكّرنا بأن مناقشة الأفكار يجب ألا تتحول إلى محاكمة للنوايا. وفي تقديري، كلاهما أضاف إلى السجال ما يستحق النقاش.

ثم عاد الأستاذ مهدي في مقال آخر: «رداً على الدكتور الواثق كمير: هل أسأتُ قراءة مقاله، أم أن الأسئلة التي طرحتها ما زالت بلا إجابات؟». وهنا استمر النقاش بودية، بدلاً من أن يتحول إلى قطيعة، وهي نقطة أراها إيجابية في حد ذاتها.

 اتسع النقاش مع الدكتور النور حمد، الذي نقل القضية إلى مستوى أعمق وهو، علاقة المثقف بالسلطة. وهذا السؤال ليس جديداً في السودان؛ فقد عرفت البلاد، منذ الاستقلال، مثقفين وأكاديميين اقتربوا من السلطة، بعضهم بدافع فكري، وبعضهم بقناعة الإصلاح من الداخل، وربما بحثاً عن موقع أو تأثير. لكن يظل السؤال الحقيقي ليس فقط هل اقترب المثقف من السلطة؟ وإنما، هل احتفظ بقدرته على نقدها وهو قريب منها؟.

فالمثقف الذي ينتقد السلطة عندما تكون في الضفة المقابلة، ثم يصبح أكثر تسامحاً عندما تكون القوة السياسية أقرب إلى قناعاته، يقع في المشكلة نفسها التي ينتقدها. والنقد هنا لا ينبغي أن يوجه إلى شخص بعينه، وإنما إلى ظاهرة أوسع في الحياة السياسية السودانية تتمثل في ازدواجية المعايير.

فالسلطة ليست فقط مؤسسة عسكرية أو حكومية؛ يمكن أن تكون أيضاً قوة سياسية، أو تنظيماً، أو تحالفاً، أو جماعة فكرية تمتلك تأثيراً على الرأي العام. لذلك فإن استقلال المثقف لا يعني أن يكون بلا موقف، وإنما يعني أن يكون قادراً على مراجعة موقفه، ونقد حلفائه كما ينتقد خصومه. ومن هنا جاءت أهمية رد د. كمير الذي دفع النقاش نحو مسألة «المعيار الانتقائي»؛ وهي، في تقديري، واحدة من أخطر قضايا السجال كله.

 انتقل بعد ذلك السجال بين الباشمهندس عمر الدقير والدكتور الواثق كمير حول سؤال: أي حوار؟ وبأي إطار؟

وأجد أن موقف الدقير يستحق قدراً كبيراً من الاحترام؛ لأنه يلفت الانتباه إلى قضية قد يغفلها الحماس للحوار؛ وهي من يمنح الإطار شرعيته؟ ومن يختار القائمين عليه؟ وهل يمكن أن تتحول عملية التهيئة نفسها إلى أمر واقع؟. فهذا موقف يستحق التقدير من حيث المبدأ؛ لأن الحوار الذي لا يملك شرعية المشاركين فيه قد يتحول إلى عملية شكلية، أو إلى منصة تمنح شرعية لمن يملك القوة أصلاً.

لكن موقف الدقير يستحق أيضاً نقداً من داخل منطقه نفسه. فإذا كان التوافق المسبق شرطاً لشرعية إنشاء أي إطار للحوار، فكيف يمكن صناعة هذا التوافق في بلد تمزقه الحرب والانقسامات، وتتعدد فيه القوى السياسية والمدنية والمسلحة، ولا توجد فيه جهة واحدة تستطيع منح تفويض شامل؟.

وهنا يبرز سؤال مهم؛ هل يأتي التوافق قبل الحوار، أم يمكن أن يكون الحوار نفسه إحدى أدوات صناعة التوافق؟. فإذا اشترطنا اتفاق الجميع قبل إنشاء أي إطار تمهيدي، فقد ندخل في دائرة مغلقة، ألا وهي؛ حوار قبل التوافق، ولا توافق من دون حوار؟،  ومن ثم، فإن قوة موقف الدقير تكمن في حرصه على الشرعية والاستقلال وعدم فرض الأطر السياسية من أعلى، لكن حدوده المحتملة تظهر إذا تحول التوافق المسبق إلى شرط يستحيل تحقيقه في واقع الحرب.

لذلك أرى أن الأفضل هو البحث عن توافق تدريجي يبدأ بالتشاور حول قواعد الحوار، ثم تشكيل إطار تمهيدي يحظى بأوسع قبول ممكن، ثم توسيع المشاركة تدريجياً.

وهذا النقد لا يعتمد على ردود كمير على الدقير، وإنما ينطلق من منطق الدقير نفسه، فإذا كان الهدف حواراً سودانياً واسعاً ومستقلاً، فإن السؤال يصبح: كيف نصل عملياً إلى هذا الاتساع والاستقلال في ظل واقع منقسم ومتحارب؟

بعد متابعة هذه الجولات، لا أرى أن القضية تنتهي إلى اختيار طرف ضد آخر.

فأنا أتفق مع د. كمير في أن الحوار يحتاج إلى شروط وضمانات، ومع أستاذ مهدي في أن هذه الشروط تحتاج إلى إجابات عملية، ومع د. النور حمد في ضرورة مساءلة علاقة المثقف بالسلطة، وأتفق ايضا مع م.الدقير في أن شرعية إطار الحوار ليست مسألة إجرائية يمكن تجاوزها.

لكنني أختلف مع أي طرف عندما يتحول النقد إلى اختزال للآخر أو محاكمة لنواياه، وهنا بالذات أرى أن السجال يقدم درساً مهماً للنخبة السودانية نفسها. فقد اعتدنا أن يكون الخلاف مقدمة للقطيعة. أما هنا فقد حدث شيء مختلف؛مقال، ثم رد، ثم رد على الرد، ثم دخول أصوات أخرى، ثم انتقال النقاش إلى قضية أوسع.

فهذه ليست تفاصيل صغيرة؛ ولكنها، في تقديري، ممارسة سياسية صحية. قد لا يكون أحد أقنع الآخر، ولا أرى أن هذا شرط لنجاح السجال. فالحوار الناجح ليس الذي يلغي الاختلاف، وإنما الذي يجعل الاختلاف منتجاً. قد يبدو السجال بين هؤلاء الأساتذة خلافاً جديداً داخل النخبة السودانية، لكنني أراه من زاوية أكثر تفاؤلاً. فالسودان عانى طويلاً من مشكلة أخطر من الاختلاف نفسه، وهي العجز عن إدارة الاختلاف. فما زلنا نختلف فنخوّن، وننتقد فنشكك في النوايا، ونختلف داخل التنظيم الواحد فننقسم، ثم تتحول الخلافات الفكرية إلى خصومات شخصية، والخصومات إلى قطيعة.

لكن ما جرى هذه المرة يحمل شيئاً مختلفاً. مهدي كتب، وكمير رد، ثم استمر النقاش. ودخل النور حمد من زاوية مختلفة، وطرح الدقير رؤيته، واستمرت الأسئلة والردود.

قد لا يكون هذا تحولاً كبيراً في الحياة السياسية السودانية، لكنه بالتأكيد ممارسة صحية للحوار العام.

فالديمقراطية ليست فقط انتخابات وصناديق اقتراع؛ إنها أيضاً قدرة الناس على الاختلاف دون أن يفقدوا احترامهم لبعضهم، وقدرة الكاتب على الرد على الفكرة دون مهاجمة صاحبها، وقدرة السياسي على الاستماع إلى النقد دون اعتباره مؤامرة.

لقد فشلت النخب السودانية، على مدى عقود، في تحويل الاختلاف إلى مصدر لتطوير الأفكار، وغالباً ما كانت النتيجة إعادة إنتاج الانقسامات نفسها.

لكن في هذا السجال ما يدعو إلى التفاؤل؛ فقد أعاد مهدي داود الخليفة، والواثق كمير، والنور حمد، وعمر الدقير إلى المجال العام مجموعة من الأسئلة الأساسية، من يملك الحوار؟ من يحدد شروطه؟ كيف نضمن استقلاله؟ ما حدود علاقة المثقف بالسلطة؟ هل تنطبق المعايير على الحليف كما تنطبق على الخصم؟ وكيف ننتقد الفكرة دون أن نحاكم النوايا؟ وكيف نختلف دون أن نغلق الباب أمام الاتفاق؟.

هذه الأسئلة، في حد ذاتها، مكسب كبير في ظني. فالسودان لا يحتاج فقط إلى اتفاق سياسي ينهي الحرب، بل يحتاج إلى ثقافة سياسية جديدة تسمح بإدارة الاختلاف دون أن يتحول إلى صراع صفري.

والمثقف السوداني الذي نحتاجه ليس المثقف الذي يقف محايداً أمام الظلم، ولا الذي يصبح ناطقاً باسم السلطة أو المعارضة؛ نحتاج إلى مثقف يستطيع أن يقول للسلطة أخطأت، ولحليفه، أخطأت أيضاً، ولخصمه أصبت في هذه النقطة، ولجماعته لا أوافقكم في كل شيء.

فالاستقلال الحقيقي لا يعني غياب الانحياز، وإنما القدرة على مراجعة الانحياز. والمثقف لا يفقد حقه في أن يكون سياسياً، لكنه يفقد استقلاله عندما يصبح انتماؤه السياسي حصانة ضد النقد.

ومن هنا جاءت قراءتي لهذا السجال بصورة أكثر تفاؤلاً. ربما لم تحسم المساجلات قضية الحوار، وربما بقيت خلافات جوهرية حول شروطه ومرجعيته، وربما لم يتفق أصحابها على تفسير واحد لدور المثقف أو السلطة. لكنهم فعلوا شيئاً بالغ الأهمية؛ أعادوا الاختلاف الفكري إلى المجال العام، وهذا، في حد ذاته، بداية مهمة. فقد يكون الخروج من أزمة النخبة السودانية قد بدأ من المكان الذي ظل يمثل أحد مصادر أزمتها، وهو الاختلاف.

والذي اختلف هذه المرة أن الاختلاف لم يتحول، حتى الآن، إلى قطيعة. وهذه، في ظروف بلد أنهكته الحروب والانقسامات وفشل النخب، ليست نهاية الطريق، لكنها خطوة صحيحة نحو استعادة الحوار، وربما نحو تعلم فن التوافق بعد عقود من إدارة الخلاف بمنطق الصراع.

ولعل الدرس الأهم من هذا السجال، في رأيي، أننا لسنا بحاجة إلى نخبة لا تختلف؛ بل إلى نخبة تعرف كيف تختلف، وكيف تستمع، وكيف تراجع مواقفها، ثم تجلس مرة أخرى حول الطاولة لتقويم الاعوجاج وبناء ما يمكن الاتفاق عليه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: النص محمي