مقالاتالسودان

هل بدأت الحرب العالمية الثالثة مع “كوفيد” 19؟

أين توجد ساحات "الحرب العالمية غير المعلنة" ولماذا حرب السودان ليست مجرد حرب داخلية بين الجيش والدعم السريع؟

بشير محمد إبراهيم

ناشط مجتمعي –

يمكن النظر إلى جائحة كوفيد-19 باعتبارها نقطة التحول الكبرى التي كشفت هشاشة النظام العالمي وعمّقت الصراع بين القوى الكبرى.

فربما لم تبدأ الحرب العالمية الثالثة بالطريقة التي عرفنا بها الحربين العالميتين الأولى والثانية، لكنها في اعتقادي، قد تكون بدأت بصورة مختلفة، حرباً بلا جبهة واحدة، وبلا جيش واحد، وبلا إعلان رسمي. حرباً تتوزع ساحاتها من أوكرانيا إلى السودان، ومن غزة والشرق الأوسط إلى البحر الأحمر، ومن تايوان إلى صراعات الطاقة والغذاء والاقتصاد والتكنولوجيا.

عندما ظهر فيروس كوفيد-19 في نهاية 2019 وانتشر عالمياً في 2020، لم يكن العالم أمام أزمة صحية فقط. فقد تعطلت سلاسل الإنتاج والنقل، وتراجعت التجارة، وارتفعت الديون، وتعمقت الفجوات الاجتماعية، وبدأت الدول تعيد التفكير في أمنها الاقتصادي والغذائي والطبي.

كما كشفت الجائحة اعتماد العالم المفرط على سلاسل إمداد دولية مترابطة، وأظهرت أن الاقتصاد العالمي يمكن أن يتحول في لحظات إلى ساحة صراع استراتيجي.

وبعد الجائحة لم يعد العالم إلى ما كان عليه قبل 2020. بل دخل مرحلة جديدة من التنافس على النفوذ والموارد وممرات التجارة والتكنولوجيا والطاقة.

ثم جاءت الحرب الروسية على أوكرانيا في فبراير 2022 لتفتح مرحلة جديدة، لم تعد المسألة مجرد نزاع روسي-أوكراني؛ فقد أصبحت أوكرانيا ساحة مواجهة استراتيجية بين روسيا والغرب. وأصبح الصراع مرتبطاً بأمن أوروبا، وحلف الناتو، والطاقة، والغذاء، والأسلحة، والعقوبات الاقتصادية.

كما امتدت الحرب إلى ما هو أبعد من الجبهة العسكرية، من خلال العقوبات والهجمات السيبرانية والحرب المعلوماتية والتخريب والهجمات على البنية التحتية.

وهكذا أصبحت أوكرانيا إحدى ساحات الصراع على شكل النظام الدولي القادم. فمن الحرب الإقليمية إلى الأزمة الدولية في الشرق الأوسط أصبح المشهد أكثر تعقيداً.

الحرب الإسرائيلية الفلسطينية، ثم اتساع المواجهة مع إيران وتداخلها مع الولايات المتحدة وإسرائيل والقوى الإقليمية، جعل المنطقة واحدة من أخطر ساحات التوتر العالمي حالياً. تزداد أهمية المنطقة بسبب النفط والغاز والممرات البحرية، خصوصاً مضيق هرمز والبحر الأحمر وباب المندب.

وهنا تتضح العلاقة بين الحروب المختلفة، فما يحدث في الشرق الأوسط لا يبقى في الشرق الأوسط؛ فقد وضح تأثيره المباشر علي أسعار الطاقة والتجارة العالمية، والتضخم وسلاسل الإمداد. وذلك لأن نسبة كبيرة من إنتاج النفط العالمي أصبحت مرتبطة بدول تعيش صراعات، الشئ الذي سبب أزمة اقتصادية عالمية.

يقودنا هذا الربط إلي الحرب المنسية داخل الحرب العالمية الجديدة، وهي حرب السودان، فالنظر إلي حرب السودان بعيداً عن الصراع الدولي الأكبر، سيكون به تبسيطاً شديداً.

الحرب السودانية ليست مجرد حرب داخلية بين الجيش والدعم السريع؛ فهي أيضاً ساحة تتقاطع فيها مصالح إقليمية ودولية تتعلق بالذهب، والبحر الأحمر، والموانئ، والأمن الإقليمي، والنفوذ السياسي.

السودان يقع في موقع استراتيجي بين أفريقيا والعالم العربي، ويطل على البحر الأحمر، ويملك موارد طبيعية ضخمة، ولذلك فإن استمرار الحرب لا ينفصل عن التنافس الإقليمي والدولي على النفوذ.

ومن هنا يمكن النظر إلى السودان باعتباره واحدة من حلقات الصراع العالمي على الدول الهشة والموارد والممرات الاستراتيجية.

تعددت أساليب الحرب وجرى تحول في مفهوم الحرب التقليدية، فقد دخلت وسائل حديثة كما هو معلوم بالضرورة. وسائل تغلب عليها التكنولوجيا والعقوبات الاقتصادية، والطائرات المسيرة، البروبوقاندا.

السيطرة على الموانئ والممرات البحرية، واستخدام الجماعات المسلحة والوكلاء المحليين. ولذلك يمكن أن تكون دولة ما في حالة حرب مع دولة أخرى دون أن تطلق عليها رصاصة واحدة.

بإمكاننا ملاحظة أن التغيير الأكبر هو تراجع النظام العالمي الذي ساد بعد انهيار الاتحاد السوفيتي. فالولايات المتحدة لم تعد القوة الوحيدة القادرة على تحديد اتجاه العالم. روسيا تحاول استعادة نفوذها، والصين تصعد اقتصادياً وعسكرياً، وإيران توسع نفوذها الإقليمي، بينما تتحرك دول أخرى مثل تركيا والهند ودول الخليج وأفريقيا بصورة أكثر استقلالاً في تحالفاتها. وهكذا يتشكل عالم جديد متعدد الاقطاب، لكنه في الوقت نفسه أكثر اضطراباً وأقل قابلية للتنبؤ.

وبالتأمل لتداخل الحرب في أوكرانيا مع صراعات الشرق الأوسط والتنافس في شرق آسيا تزداد احتمالية تحول النزاعات الإقليمية إلى مواجهة أوسع بين القوى الكبرى.

ربما لا نستطيع اليوم أن نجزم بأن الحرب العالمية الثالثة قد بدأت رسمياً، لكن دون شك إن العالم يعيش منذ كوفيد-19 مرحلة تشبه المقدمات الطويلة للحروب العالمية،

والفرق أن الحرب العالمية الجديدة ــ إذا صح التعبير ــ لن تكون بالضرورة حرباً بين معسكرين واضحين كما حدث في الحرب العالمية الثانية، ولكنها حرب موزعة على ساحات متعددة؛ أوكرانيا، الشرق الأوسط، السودان، البحر الأحمر، الساحل الأفريقي، شرق آسيا، والفضاء السيبراني والاقتصادي. لذلك في اعتقادي، يمكننا إستعمال تعبير أكثر دقة بدلاً عن (الحرب العالمية الثالثة)، وإستبداله (بالحرب العالمية غير المعلنة).

أخطر مافي الأمر أن هذه الحرب “العالمية”، إن كانت قد بدأت بالفعل، فهي لا تزال في بدايتها للأسف.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: النص محمي