
لندن – ” إطلالة”
أثار قرار الولايات المتحدة فرض عقوبات على المحكمة الجنائية الدولية ردود فعل غاضبة في الأمم المتحدة والمحكمة الدولية، وقالت واشنطن أنها سنحظر التعاملات المالية (مع المحكمة)ونقطع عنها الموارد، ونشلّ قدرتها على العمل”.
وجاء في بيان أميركي، تلقت ” إطلالة ” نسخة منه ، أنه “على مدى عقود، رفض الجمهوريون والديمقراطيون على حدّ سواء فكرة امتلاك المحكمة الجنائية الدولية سلطة مقاضاة المواطنين الأميركيين أو أفراد القوات المسلحة أو القادة السياسيين. فالولايات المتحدة لم تنضم يومًا إلى المحكمة، نحن لا نحتاجها. ولا نريدها”.
وأشار البيان إلى أن “الخبراء العالميين البعيدين عنا ( عن أميركا) لا يكترثون برأي المواطنين الأميركيين. فهم يريدون من المحكمة الجنائية الدولية أن توسّع نطاق عملها، بما في ذلك مقاضاة مواطنين أميركيين: أفراد القوات المسلحة الذين يدافعون عن وطنهم، وعناصر حرس الحدود الذين يحمون بلادنا، والقادة المنتخبون الذين يضمنون أمننا القومي. إنهم يسعون إلى مزيد من السلطة، ويريدون تحقيق ذلك على حسابنا”.
وقالت واشنطن إن “الرئيس ترمب لن يسمح للمحكمة الجنائية الدولية بمقاضاة الأميركيين. ولهذا السبب، تعلن الولايات المتحدة اليوم فرض عقوبات على المحكمة الجنائية الدولية. سنحظر التعاملات المالية معها، ونقطع عنها الموارد، ونشلّ قدرتها على العمل”.
وأضاف البيان :”لقد كنا واضحين طوال أكثر من عام بشأن الحد الأدنى من بوادر حسن النية التي توقعناها من المحكمة، وقد مارسنا قدرًا من المرونة وأرجأنا هذا التصنيف احترامًا لعلاقاتنا، وأملًا في أن تغيّر المحكمة مسارها أو أن تتدخل الدول الأطراف لكبحها، إلا أن المحكمة والدول الأطراف لم تتخذ بعد خطوات ملموسة لمعالجة شواغلنا.”
وتابعت واشنطن في بيانها أنه “رغم هذا التقاعس، ما زلنا نأمل في حل دبلوماسي. لقد صغنا هذا الإجراء بطريقة تتيح للدول الأطراف فرصة التفاوض وتقديم حل يعالج مخاوفنا، وإذا لم تُسفر هذه الجهود عن نتائج، فسنتخذ الخطوات المناسبة تباعًا”.
وقالت أميركا :”رسالتنا واضحة: الولايات المتحدة وشعبها غير خاضعين لاختصاص المحكمة الجنائية الدولية. والحزبان يتفقان على هذا المبدأ، لكن الرئيس ترمب وحده يمتلك العزم لاتخاذ الخطوات اللازمة لإنهاء هذا التهديد نهائيً،. إما أن توقف المحكمة تهديداتها، أو سنعمل نحن على إنهاء المحكمة. ونتوقع من حلفائنا، وكثير منهم أعضاء في المحكمة ويعتمدون على أفراد القوات الأميركية في دفاعهم، أن يكبحوا جماحها، وإن لم يفعلوا، ستواصل الولايات المتحدة حملتها لتفكيك المحكمة الجنائية الدولية، حجرًا بعد حجر، إلى أن تزول التهديدات التي تطال الأميركيين”.
المحكمة الجنائية: نرفض بشدة العقوبات الأميركية
ووفقا لتقرير أصدرته الأمم المتحدة، ردت رئيسة المحكمة الجنائية الدولية توموكو أكاني في بيان مصور على القرار الأميركي، وقالت إن المحكمة “ترفض بشدة” هذه العقوبات، مؤكدة أن “عمل المحكمة لا تحركه دوافع سياسية. فنحن مؤسسة قضائية مستقلة ومحايدة، ولا نسترشد في أعمالنا إلا بالقانون والأدلة”.
وقالت إن “السعي لعرقلة محكمة قانونية عن أداء ولايتها القضائية أمر غير مقبول”. ووصفت العقوبات الأميركية بأنها “هجوم على الدول ذات السيادة التي أنشأت المحكمة، وهجوم على النظام القانوني الدولي بمفهومه الأوسع، كما أنه هجوم على ضحايا الفظائع الجماعية الذين انتظروا سنوات – وأحيانا عقودا – لمحاسبة المسؤولين عنها”.
وأكدت أن أثر أي إجراء يُتخذ ضد المحكمة يقع، في نهاية المطاف، على عاتق الضحايا.
وقالت: “دعوني أكون واضحة: لن تخضع المحكمة الجنائية الدولية لتهديدات خارجية لا تخدم إلا مصالح مرتكبي أخطر الجرائم التي تثير قلق المجتمع الدولي. واليوم، أجدد التأكيد على التزام المحكمة الراسخ بأداء ولايتها كاملةً، باستقلالية وحياد، من أجل الضحايا”.
وقالت توموكو أكاني إن هذا الإجراء يهدف إلى “تعطيل عمليات المحكمة وترهيب العاملين فيها أو المتعاونين معها”.
وأضافت: “لن تتراجع المحكمة أو تتوقف عن عملها؛ ومع ذلك، لا يمكن للمحكمة أن تقف وحدها، إذ يعتمد مصيرها الآن أيضا على الدول التي أنشأتها. إن نظام روما الأساسي يمثل تعهدا جماعيا بألا تمر أخطر الجرائم التي تثير قلق المجتمع الدولي بأسره دون عقاب”.
غوتيريش يشدد على مساءلة مرتكبي الجرائم
وسارع الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش إلى إعلان رفض فرض الولايات المتحدة عقوبات ضد المحكمة الجنائية الدولية كمؤسسة، وجدد تأكيد دعمه الراسخ لاستقلالية المحكمة ومسؤوليها.
وعبّر في بيان منسوب إلى المتحدث باسمه عن :” قلق عميق إزاء الأثر المتوقع للعقوبات التي أُعلن عنها اليوم ( 9 أكتوبر 2026) على المحكمة الجنائية الدولية ككل، ولا سيما على قدرتها المستمرة على أداء مهامها، بما في ذلك ما يتعلق بالحالات التي أحالها إليها مجلس الأمن والدول الأطراف في نظام روما الأساسي”.
ورأى غوتيريش إن القرار الأميركي يشكل “ضربة خطيرة لسعينا الجماعي نحو تحقيق العدالة الجنائية الدولية، التي تُعد المحكمة الجنائية الدولية ركيزة أساسية لها”.
وشدد على أن “مساءلة مرتكبي الجرائم الدولية وتحقيق العدالة للضحايا يمثلان جوهر التزامنا العالمي بالسلام والأمن وحقوق الإنسان والحريات الأساسية”.
ودعا جميع الدول إلى الوفاء بالتزاماتها بموجب القانون الدولي ودعم الجهود الرامية إلى ضمان المساءلة عن أخطر الجرائم التي تثير قلق المجتمع الدولي.
ووفقا لأخبار الأمم المتحدة، أكد أن المنظمة الدولية تظل ملتزمة بالتعاون مع المحكمة الجنائية الدولية وفقا لاتفاقية العلاقة بين الأمم المتحدة والمحكمة، التي وافقت عليها الجمعية العامة في 13 أيلول/سبتمبر 2004.
تورك : القرار غير مقبول وأدعو إلى حماية المحكمة
و وصف مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك فرض حكومة الولايات المتحدة الأميركية عقوبات مؤسسية على المحكمة الجنائية الدولية بأنه “غير مقبول”. ودعا إلى اتخاذ تدابير فورية لحماية المحكمة، وكذلك المجموعات والأفراد الذين يتعاونون معها.
وقال تورك في بيان ، إن “هذه العقوبات هي الأحدث في سلسلة من الخطوات الانتقامية ضد المحكمة الجنائية الدولية وموظفيها بسبب عملهم اليومي لتعزيز المساءلة عن أسوأ انتهاكات حقوق الإنسان. هذه العقوبات غير مقبولة”.
وشدد على ضرورة “ألا يُسمح لهذه العقوبات بأن يكون لها تأثير مروِّع على العاملين في المحكمة أو معها سعيا لتحقيق العدالة”.
وحث، على وجه الخصوص، الدول الـ 125 الأطراف في نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية – والتي قال إنها تمثل ثلثي المجتمع الدولي – على اتخاذ خطوات عاجلة للدفاع عن عمل المحكمة الحيوي وضمان قدرتها على أداء مهامها.
وأكد أن مسؤولية خاصة تقع على عاتق هذه الدول لحماية المؤسسة التي أنشأتها. كما دعا الدول التي لم تنضم بعد إلى المحكمة إلى احترام استقلاليتها وعملها.
وذكر بيان المفوض السامي أن الإعلان الأمريكي الأخير يأتي عقب سلسلة من العقوبات فُرضت منذ شباط/فبراير 2025 ضد نصف قضاة المحكمة البالغ عددهم 18 قاضيا، والمدعي العام السابق للمحكمة، ونائبي المدعي العام، وموظف رفيع المستوى في المحكمة.
وكان تورك قد أكد سابقا أن “فرض عقوبات على القضاة والمدعين العامين – سواء على المستويات الوطنية أو الإقليمية أو الدولية – بسبب أدائهم لمهامهم وفقا لمعايير القانون الدولي، يُعد اعتداء على سيادة القانون ويقوّض العدالة
“.كما أعرب المفوض السامي عن استنكاره للأحكام السابقة التي صدرت غيابيا في الاتحاد الروسي ضد المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية آنذاك وثمانية قضاة، حيث فُرضت عليهم عقوبات بالسجن تصل إلى 15 عاما.ودعا تورك إلى إلغاء كافة العقوبات المفروضة على المحكمة الجنائية الدولية وموظفيها.
وختم بيانه بالقول: “من الواضح تماما – في ظل كافة النزاعات والأزمات التي تعصف بعالمنا – أن الإفلات من العقاب يغذي العنف والمعاناة. لذا، نحن بحاجة إلى الاستثمار أكثر في ضمان العدالة والمساءلة، بدلا من معاقبة أولئك الذين يوثقون الانتهاكات الجسيمة ويحققون فيها ويلاحقون مرتكبيها”.

