السودانمقالات

ماذا حدث من هدم لمنازل مواطنين في طيبة الشيخ عبد الباقي بالجزيرة؟

 د. حامد البشير

أستاذ جامعي وخبير دولي –

 لقد تابعت، كغيري، بقلق شديد وأسف عميق، ما تردد في منصات التواصل الاجتماعي عن عمليات هدم منازل مواطنين من أصول دارفورية في منطقة طيبة الشيخ عبد الباقي بولاية الجزيرة.

وتشير بعض الروايات إلى أن عدد المنازل التي طالها الهدم يقارب المائة منزل، وأن المتضررين من أصول دارفورية. وهي روايات تستوجب التحقق المستقل، ولا سيما ما يتعلق بأسباب الإزالة ومدى ارتباطها بالانتماء الإثني أو الجغرافي للسكان.

 وبصرف النظر عن الملابسات القانونية والإدارية لهذه الإجراءات، فإن ما صاحبها من اتهامات بالتمييز، وما ترتب عليها من معاناة إنسانية، يستحق وقفة هادئة ومسؤولة، تستحضر قيم العدالة والرحمة والحكمة التي عُرف بها مجتمعنا السوداني.

إن للمنزل رمزية إنسانية عميقة؛ فهو ليس مجرد جدران وسقف، وإنما هو مأوى الأسرة، ومستودع ذكرياتها وتاريخها، وموضع أمنها وكرامتها، وحاضنة أحلام أبنائها وأجيالها القادمة. وحين يُهدم هذا المنزل، فإن الألم لا يصيب ساكنيه وحدهم، بل يمتد إلى الضمير الإنساني للمجتمع المتساكن كله.

 لقد ظلت الجزيرة، عبر تاريخها الاجتماعي والاقتصادي، فضاءً رحباً للتعايش بين السودانيين من مختلف الأقاليم والإثنيات. ولبعض قراها، مثل طيبة الشيخ عبد الباقي، رمزية روحية وصوفية عميقة لدى أعداد كبيرة من المريدين من شتى بقاع السودان، بما تحمله من معاني المحبة والتسامح والتآخي بين الناس.

وقد أسهم القادمون إلى الجزيرة من دارفور وكردفان وسائر أنحاء السودان في عمرانها وزراعتها وإنتاجها، واختلطت حياتهم بحياة أهلها، حتى أصبحوا جزءاً أصيلاً من نسيجها الاجتماعي والإنساني.

ولذلك، فإن أي ممارسة تنطوي على تمييز بين المواطنين بسبب أصولهم الجغرافية أو انتماءاتهم القبلية تتعارض مع أبسط معاني المواطنة المتساوية، ومع القيم السودانية والدينية الأصيلة التي قامت على التراحم والتكافل وحسن الجوار.

 وبالضرورة، لا خلاف على حق الدولة في تنظيم الأراضي وإنفاذ القانون، ولكن العدالة تقتضي أن يُطبّق القانون على الجميع دون تمييز أو انتقائية، وأن تُراعى كرامة الإنسان وحقوقه وظروف الحرب القاسية، وأن تُتاح للمتضررين فرص التظلم والإنصاف، وألا تُترك الأسر، ولا سيما الأطفال والنساء وكبار السن، في العراء، في مواجهة التشرد والمعاناة وقسوة الحياة.

 إن السودان، وهو يمر بواحدة من أقسى محن تاريخه الحديث، أحوج ما يكون إلى ما يجمع أبناءه لا ما يفرقهم، وإلى ترميم الثقة بين مكوناته الاجتماعية، لا تعميق الجراح التي خلفتها الحروب.

ولعل الحكمة تقتضي أن تراجع الجهات المختصة ما جرى في طيبة مراجعة عادلة وشفافة، وأن تنصف المتضررين، وتتحقق من الاتهامات بالتمييز، بعيداً عن التعميم وإثارة النعرات أو تحميل أي مجتمع محلي مسؤولية جماعية.

فالسوداني القادم من دارفور أو كردفان إلى الجزيرة ليس غريباً، مثلما أن القادم من الجزيرة إلى دارفور أو كردفان ليس وافداً. كلاهما يتحرك في رحاب وطنه الواسع، ويتمتع بالحقوق والواجبات نفسها.

 إن المواطنة الحقة لا تُقاس بمكان الميلاد، ولا بأصول القبيلة، وإنما بالانتماء إلى وطن واحد يتسع للجميع.

وأخشى ما نخشاه أن تتحول جراح الحرب إلى شروخ عميقة في وجداننا الاجتماعي، فنفقد ما ظل يجمعنا رغم اختلاف ألسنتنا وثقافاتنا وأصولنا.

فلنحذر أن نهدم، مع جدران المنازل، جدران الثقة بين أبناء الوطن الواحد. إن إعادة بناء المنزل ممكنة، أما إعادة بناء الثقة بين المجتمعات بعد انهيارها فقد تحتاج إلى أجيال، وربما يصعب تدارك آثارها عندئذٍ.

 ولعل من أعمق الحكم المستوحاة من روح الحكمة الأفريقية تلك التي تقول:

«الشجرة لا تصنع غابة، والإنسان لا يصنع مجتمعاً وحده؛ وإنما تتشابك الجذور لتمنح الغابة حياتها، وتتآلف القلوب ليبقى الوطن».

 وما أحوجنا، ونحن نواجه محنة السودان، إلى استحضار قول الشاعر صفي الدين الحلي:

تأبى الرماحُ إذا اجتمعنَ تكسُّراً

وإذا افترقنَ تكسَّرتْ آحادا

 فليكن اختلاف أصولنا مصدر ثراء لا سبباً للفرقة، وليكن تنوعنا جسراً للمحبة لا جداراً للإقصاء.

فالأوطان لا تُبنى بالحجارة وحدها، وإنما تُبنى بالعدل، وتحيا بالتسامح، وتبقى حين يشعر كل إنسان فيها أنه ليس غريباً، وأن كرامته من كرامة الوطن كله.

 حفظ الله السودان وأهله، وألّف بين قلوبهم، وجعل العدل والرحمة والتعايش الكريم أساساً لمستقبلهم المشترك.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: النص محمي