السودانمقالات

حكاية وطنٍ يبحث عن الكرامة في حقول الموت

من الذي ينتصر حين يخسر الوطن كل شيء؟

بشير محمد إبراهيم

ناشط مجتمعي

منذ أبريل 2023، والسودان يعيش حرباً لا تكفّ عن تغيير وجوهها، ولا يبدو أنها تقترب من نهايتها بالقدر الذي تقترب فيه من ابتلاع ما تبقى من البلاد.

بدأت المواجهة بين الجيش والدعم السريع باعتبارها صراعاً على السلطة ومركز القرار العسكري، ثم ارتدت ثوب الدفاع عن الدولة، ورفعت شعارات الكرامة والسيادة واستعادة الوطن.

لكن، بعد أكثر من ثلاثة أعوام، لم يعد السؤال متعلقاً بمن يتقدم في الميدان، أو بمن يسيطر على مدينة دون أخرى؛ بل أصبح سؤالاً أكثر قسوة، ماذا تبقى من الوطن الذي يُقال إن الجميع يقاتل من أجله؟.

تاتي الإجابة بمفارقة تستحق التأمل. فكلما اتسعت رقعة العمليات، ضاقت مساحة الحياة. وكلما ارتفعت نبرة الحديث عن النصر، ازدادت البلاد عجزاً عن توفير أبسط شروط البقاء.

ملايين السودانيين خارج بيوتهم، مدن فقدت ملامحها، مؤسسات تعطلت، اقتصاد يتآكل، وأجيال تتعلم معنى الخوف قبل أن تتعلم معنى المستقبل.

لست هنا بصدد محاكمة مشاعر السودانيين الذين ساندوا القوات المسلحة، أو التقليل من مخاوفهم إزاء انتهاكات الدعم السريع وممارساته. فالدفاع عن وحدة البلاد ورفض المليشيات المسلحة بكل أشكالها موقف مشروع، ونادت به ثورة ديسمبر المجيدة. لكن مشروعية الهدف لا تمنح الحرب حصانة من السؤال، ولا تجعل استمرارها دليلاً تلقائياً على الوطنية. فالكرامة ليست اسماً آخر للحرب.

لقد ظللنا نحذر من أن الحرب لن تبقى مجرد خطوط تماس تتبدل على خرائط العمليات، بل ستتحول تدريجياً إلى حرب على شروط وجود المجتمع نفسه وبقاء السودان كدولة موحدة. فاستهداف محطات الكهرباء ومرافق المياه والطاقة والطرق، وتوسيع دائرة الضربات بالطائرات المسيّرة، يعني أن المعركة أخذت تنتقل من مواجهة القوات إلى إنهاك المجال الذي يحيا فيه المواطن.

وما شهدته بورتسودان، بما في ذلك استهداف قاعدة فلامنجو البحرية والمنشآت العسكرية والحيوية في محيطها، ليس تفصيلاً عسكرياً يمكن عزله عن بقية المشهد.

فبورتسودان لم تعد مجرد مدينة ساحلية؛ فقد اتخذتها سلطة الأمر الواقع مركزاً إدارياً ودبلوماسياً وإنسانياً بالغ الأهمية، وممراً رئيسياً لما تبقى من صلة السودان بالعالم. وعندما تصل المسيّرات إلى هذا العمق، فإن الرسالة تتجاوز حدود الموقع المستهدف.

إنها تكشف أن الجغرافيا التي اعتقد البعض أنها بمنأى عن الحرب لم تعد كذلك، وأن انتقال مركز الثقل الحكومي إلى الشرق لم يكن انتقالاً إلى منطقة آمنة بالضرورة. والأخطر أن الضربات التي تطال المنشآت المدنية وشبكات الطاقة والنقل لا تتوقف آثارها عند لحظة الانفجار.

فمحطة كهرباء معطلة تعني شللاً يصيب كثيراً من مناحي الحياة، تعني مستشفى خارج الخدمة، ومضخة مياه متوقفة، ومصنعاً مغلقاً، وأسرة تقضي ليلة أخرى في الظلام. وهكذا تتحول الحرب إلى سلسلة من الخسائر المتوالدة التي لا يمكن قياسها بعدد المواقع التي أُصيبت وحدها.

وهنا يأتي سؤال بالغ الأهمية؛ إلى أين ستتسع رقعة الحريق؟. تاتي الإجابة المنطقية في ظني، بأن ينبغي أن نغادر حدود المشهد السوداني قليلاً، لا لكي نبتعد عن الكارثة الماثلة، وإنما لكي نفهم حجم الخطر الذي يحيط بها. فالقرن الأفريقي والبحر الأحمر يمران بمرحلة شديدة الاضطراب.

إثيوبيا تواجه توترات داخلية متجددة، وعلاقاتها مع إريتريا تتجه نحو مزيد من التوتر، فيما تتداخل الخلافات الحدودية والمائية مع حسابات النفوذ والوصول إلى البحر الأحمر. وفي الصومال ومحيط باب المندب، تتقاطع مصالح قوى إقليمية ودولية تتجاوز حدود المنطقة.

وهنا أجد نفسي أعود إلى سؤال طرحته في قراءة سابقة بعنوان؛ (هل بدأت الحرب العالمية الثالثة من كوفيد-19؟)، لم يكن السؤال آنذاك محاولة للربط المباشر بين جائحة صحية وحرب عسكرية، بقدر ما كان محاولة لقراءة التحولات العميقة التي أعادت تشكيل العالم، وتناولت تصاعد التنافس بين القوى الكبرى، وهشاشة النظام الدولي، وتداخل الأزمات الاقتصادية والسياسية والأمنية.

فالعالم الذي خرج من جائحة كوفيد-19 لم يعد كما كان قبلها. وتوالت الأزمات والصراعات، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، وصولاً إلى التوترات المتصاعدة في مناطق استراتيجية أخرى. وربما لا نكون أمام حرب عالمية بالمعنى التقليدي، لكننا بالتأكيد أمام عالم تتشابك فيه الصراعات، وتتجاوز فيه الحروب حدود الدول، وتصبح فيه ساحات النزاع المحلية جزءاً من حسابات إقليمية ودولية أوسع.

وفي قلب هذا المشهد يقف السودان، بحدوده الممتدة وموقعه المطل على البحر الأحمر، وبموارده وموانئه وأراضيه الزراعية، لكنه يقف هذه المرة مثقلاً بحرب داخلية لم تُحسم، ولن تُحسم بالسلاح وحده. دولة بعيدة عن استعادة عافيتها مع استمرار الحرب، ومؤسسات تتنازعها مراكز القوة، ومجتمع يدفع ثمن صراع لا يملك قرار إنهائه.

تصاعد الخلاف والاحتقان وتبادل الاتهامات بين السودان واثيوبيا، الجاري الآن، يفرض سؤالاً جوهرياً؛ هل يملك السودان، وهو يخوض حرباً لم يستطع إنهاءها، القدرة على تحمل مواجهة مفتوحة مع دولة مجاورة؟.

في رأيي المتواضع، إن فتح جبهة جديدة لن يكون مجرد إضافة عسكرية إلى جبهات قائمة، بل قد يعني إعادة تعريف الحرب السودانية بأكملها، وتحويلها إلى جزء من صراع إقليمي تتعدد فيه الأطراف والأهداف، ويصبح فيه القرار الوطني أكثر عرضة لضغوط الحسابات الخارجية.

وفي مواجهة هذا المشهد، تزداد أهمية أن يكون للسودانيين صوت آخر، لا تحكمه حسابات السلاح ولا رهانات الحسم العسكري. فالسودان لا يحتاج إلى مزيد من الجبهات، وإنما إلى مشروع وطني يعيد الاعتبار للإنسان، ويحمي وحدة البلاد، ويفتح الطريق أمام تسوية سياسية تنهي الحرب وتؤسس لسلام عادل ومستدام.

ومن هذا المنطلق تأتي أهمية نداء أكسفورد للسلام في السودان، بوصفه مبادرة مدنية سودانية تسعى إلى جمع الأصوات والمكونات الوطنية المختلفة حول هدف واضح هو وقف الحرب، وحماية المدنيين، وصون النسيج الاجتماعي، وفتح آفاق الحوار والمصالحة الوطنية.

إن نداء أكسفورد ليس مشروعاً سياسياً بديلاً، ولا اصطفافاً مع أي طرف من أطراف الحرب، وإنما دعوة للعمل المشترك، وتأكيد أن مستقبل السودان لا ينبغي أن يُترك رهينة للبنادق وموازين القوة. فالسلام ليس تنازلاً عن الوطن، ولا مكافأة لمن أشعلوا الحرب، بل هو الطريق الضروري لاستعادة الدولة وحق السودانيين في الحياة والكرامة والمستقبل.

قد تختلف تقديراتنا لأسباب الحرب، وقد تتباين مواقفنا من أطرافها، لكن لا ينبغي أن نختلف حول حقيقة واحدة، لا توجد قضية سياسية أو عسكرية تستحق أن يُدفع الوطن ثمناً لها بهذا الحجم.

ففي نهاية المطاف، ما قيمة الانتصار إذا لم يجد المنتصر وطناً يحكمه، ولا شعباً آمناً يعيش فيه؟. السودان لا يحتاج إلى منتصر جديد بقدر ما يحتاج إلى أن ينجو من الهزيمة الكبرى؛ هزيمة الوطن نفسه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: النص محمي