سيف الدولة حمدناالله
قاضي سابق
لم أفهم لماذا أهدر وزير العدل وقته وأجهد ذهنه ومعاونيه في الإستجابة لتنفيذ التهديد الذي أطلقه البرهان وذلك بمسايرته في صياغة تعديل للمادة 51/أ من قانون العقوبات بإضافة النشر على الوسائط الإلكترونية والإعلامية للمادة إذا حمل النشر أي معنى فيه (تأييد بأي وجه) للحرب ضد الجيش، وجعل عقوبة ذلك الإعدام شنقاً حتى الموت.
الوزير ما كان يحتاج لهذا الإجراء، فالقضاة استبقوا هذا التعديل وجهزوا أنفسهم لإصدار أحكام الإعدام حتى من قبل إدخال هذا التعديل، فقد حكموا بالإعدام على عشرات المواطنين بتهمة (تأييد) العدو بما هو دون النشر على الوسائط، حيث أصدروا الأحكام بالإعدام إستنادا على (وشايات) شفهية من خصوم في التوجه والإختلاف في الرأي مع رافضي الحرب والمنادين بتوقفها.
ثم، ما الجديد الذي إستحدثه التعديل، وأجهزة العدالة الرسمية تبارك وتشجع أحكام الإعدام التي تمت وتتم خارج نطاق القانون وتعديلاته، والتي أصدرها ونفذّها مواطنون عاديون على ضحايا قاموا بذبجهم كالشياه على الطرقات العامة بلا حاجة للتحقق من بينات أو سماع شهود أمام محاكم أو نيابات، لمجرد الاعتقاد بأنهم أعداء لا يستحقون الحياة.
ومسألة تأييد ومباركة أجهزة الدولة لتلك الفظائع لا يحتاج لدليل، فقد أمسكت السلطات عمداً عن ملاحقة ومساءلة مرتكبي تلك الجرائم على الرغم من ظهورهم على مقاطع مصورة وهم يقومون بتنفيذ عمليات الذبح أمام الجمهور، ويجاهرون حتى اليوم عبر الوسائط ويتباهون بإرتكاب تلك الجرائم.
النحو الذي جرى به التعديل بإضافة عقوبة الإعدام ومصادرة الأموال تغلب على من قاموا به ملامح أفعال الناشِطين و(اللايفاتية) وليس فيهم شيئ من سِمات رجال الحكم أو من لديهم معرفة بصياغة القوانين، ذلك أن الصفة الأساسية التي تتميز بها القوانين العقابية، أنها تُصاغ بعبارات ومفردات (مُحْكَمة ومُنضبطة) بحيث لا تحتمل التوسّع في تفسيرها بحسب عقلية وهوى القاضي.
وقد حادت الصياغة عن ذلك بما ورد في عبارة (تأييد الحرب على الدولة بأي وجه) وهي عبارة تحتوي على درجة من عدم الإنضباط والإحكام، بما يجعل من اليسير تفسير أي محتوي يتم نشره ويتضمن معنى لرفض الحرب أو رفض تكوين مليشيات تابعة للجيش، وإعتبار ذلك (تأييداً) لموقف العدو، ينتهي بالحكم على صاحبه بالإعدام ومصادرة منزله وأمواله.
ثم، كيف تستقيم معاقبة صاحب رأي حول الحرب لمجرد التعبير عنه بالحكم عليه بإزالته من الوجود، في الوقت الذي تحتضن فيه الحكومة أمراء الحرب الذين حملوا السلاح وقتلوا وسفكوا الدماء، وهي تحتفي بهم على المنابر وجعلت منهم أصحاب مراكز ومقامات بالدولة.
كل ذلك يكشف عن حقيقة أن القصد من هذا التعديل هو إستغلال نصوص القانون في تصفية الخصوم السياسيين وإسكات الرأي، وتعتبر هذه أول خطوة في التبشير بشكل الدولة البوليسية التي يسعى لإقامتها نظام البرهان فوق رقاب الشعب والتي سوف يتفوق فيها على أستاذه عمر البشير.

