د.أحمد عثمان عمر
محام ومستشار قانوني
ترشح أنباء عن أن الانقلابي المزمن قد قبل بالهدنة أخيراً ، ووقف الحرب لفترة مؤقتة، تمهد لمفاوضات وقف إطلاق نار مستدام، وحماية المدنيين ووصول الإغاثة إليهم.
وفي الوقت نفسه ، تتأكد أنباء قصف سوق النعام بمسمى الشماليين وسوق أميت بمسمى أبناء جنوب السودان، واستشهاد أكثر من مائة وخمسين مواطن وجرح المئات،.
السوق يقع في منطقة أبيي المتنازع عليها بين السودان وجنوب السودان، وتخضع لحراسة قوات أممية ولا يوجد بها الجنجويد. وهو يشكل بوتقة للوحدة الوطنية لأبناء السودان الكبير في شماله وجنوبه، قبل أن تمزقه الحركة الإسلامية المجرمة، ويظاهرها في ذلك الانفصاليين من أبناء الجنوب في الحركة الشعبية.
وأصابع الاتهام تشير إلى سلطة الأمر الواقع غير الشرعية في استهداف السوق، وإنكارها لا يلقى أي آذان صاغية لدى المجتمع الدولي.
فحكومة جنوب السودان اتهمتها علنا باستهداف السوق، والصحافة العالمية ووسائل التواصل الاجتماعي يسود فيها هذا الاتهام، وزعيم حركة تحرير السودان الدارفورية المسيطرة على جبل مرة اتهمها بوضوح باستهداف السوق أيضاً، وأحد العسكريين المدافعين عنها في القنوات الفضائية سمى استشهاد مئات المواطنين وجرح مئات اخرين وتدمير السوق بالأضرار الجانبية!!
والواضح هو أن استهداف الأسواق هو نهج لسلطة الأمر الواقع غير الشرعية. فقبل هذا الاستهداف بأيام استهدفت أحد الأسواق بنيالا وقتلت العشرات كذلك ودمرت السوق.
وهذا الاستهداف الممنهج، يعكس تصوراً يهدف إلى نشر حالة من الذعر وسط المواطنين، مع إخراج الأسواق من الخدمة وقطع سلاسل الإمداد للمواطنين، وخلق حالة من المعاناة والندرة، لإفشال حكومة الجنجويد في مركز قيادتها وعاصمتها الإدارية، وكذلك كسر إرادة الوحدة بين مواطني دارفور ومواطني دولة جنوب السودان وبعض أبناء كردفان، الذين يرتادون السوق المستهدف مؤخراً.
وهذا الهدف سعت سلطة الأمر الواقع غير الشرعية لتحقيقه، حتى ولو كان ذلك على حساب تدويل الحرب عسكريا ، وجر دولة جنوب السودان للمعارك الساخنة الدائرة في البلاد. فمثل هذا الانتهاك، ينذر بتوسيع دائرة الحرب، ودخول دولة أخرى فيها، من مواقع الدفاع عن مواطنيها.
والجنجويد وحكومتهم ليسوا بأفضل حالا. ففي إطار ردهم على استهداف سوق نيالا، قاموا باستهداف حي امتداد ناصر المدني بالخرطوم، وقتلوا ثلاثة أطفال أبرياء لا علاقة لهم بالحرب سوى أنهم ضحاياها وهم أحياء وهم أموات كذلك.
والعقلية في معاداة المواطنين الأبرياء والحرب المعلنة على المدنيين واحدة. فبدلا من استهداف المقرات العسكرية للسلطة غير الشرعية المشاركة في الحرب، تستهدف مليشيا الجنجويد المواطنين العزل في منازلهم عبر المسيرات.
وهذا أمر مقصود، لأنهم وعبر متحدثيهم في وسائل التواصل الاجتماعي، أكدوا قبلها أنهم استهدفوا معسكر الكدرو، وكان بإمكانهم الوقوف عند ذلك الحد أو استهداف معسكرات أخرى يعرفونها جيدا، بحكم وجودهم السابق في الخرطوم، ونشاطهم الاستخباري.
لكنهم زعموا بأنهم يعتدون على من اعتدى عليهم بالمثل!! أي أنهم يقتلون المواطنين في مناطق سيطرة الجيش المختطف، مقابل قتل المواطنين في مناطقهم، لتصبح المعادلة قتل المواطنين الأبرياء من قبل طرفي الحرب وبقاء سلطتيهما وقواتهما في مأمن من الانتقام والانتقام المضاد. فأي منطق هذا الذي يقود لترك المعتدي وضرب البرئ الرافض للحرب؟
والصورة الآن واضحة لكل من يريد أن يحكم عقله ويرى، لا أحد من الطرفين المتحاربين يهتم لمعاناة المواطن من الحرب. فسلطة الأمر الواقع غير الشرعية تعتبر المواطنين العزل في مناطق سيطرة الجنجويد أعداءً وأهدافًا مشروعة، وسلطة مليشيا الجنجويد الإرهابية تعتبر المواطنين العزل في مناطق سيطرة سلطة الأمر الواقع غير الشرعية أعداءً وأهدافًا مشروعة كذلك.
والطرفان لا يهمهما أن ما يتم استنادا لهذا التصور من جرائم الحرب، يؤسس لمسؤولية لا تسقط بالتقادم، وقد تصبح مبررًا لتدخل دولي يعقد من طبيعة الحرب ويقود البلاد لواقع كارثي. فغياب العدالة وعجز الأجهزة العدلية عن محاسبة مرتكبي هذه الجرائم؛ قد يفتح الباب لتحويلها إلى محكمة الجنايات الدولية، أسوة بالجرائم التي جعلت من الرئيس المخلوع هاربًا مستدامًا من العدالة، وشخصًا منبوذًا لا يستطيع ممارسة مهامه الدولية، ومطاردًا بصورة تلجئه للهروب من التجمعات الدولية، خوفًا من القبض عليه وإرساله مخفورًا إلى لاهاي.
وما يقوله الطرفان وما يقدمانه من دفوع؛ لن يسعفهما أمام عدالة مستقيمة ونابهة، تدرك أن مزاعم عدم القيام بهذه الأفعال ستهدمه التحقيقات المهنية المستقلة، وأن مزاعم بُعد المكان عن مناطق السيطرة تهزمها إمكانيات المسيرات القادرة على الوصول لأماكن بعيدة،
وإن مزاعم اعتبار البشر الآمنين في الأسواق أو في بيوتهم أضرارًا جانبية، لن تُقبل كدفوع تعفي من المسؤولية الجنائية كما يتوهم بعض العسكريين الذين ينصبون أنفسهم خبراء استراتيجيين. فحين المثول أمام القضاء العادل قريبًا، سيجد أصحاب القرار من الطرفين أنفسهما في وضع لا يحسدون عليه؛ لأن المسيرات ومن يتحكم فيها تحت إمرتهم،.
وهم من يملكون القرار والسيطرة ومن يفترض أنهم قد أصدروا التعليمات، وهم من كان بإمكانهم إيقاف هذه الجرائم ومحاسبة مرتكبيها في حال وقوعها رغمًا عنهم وضد إرادتهم. ولكنهم لم يمتنعوا عن إصدار الأوامر والتعليمات، كما لم يقوموا بمنع وقوع هذه الجرائم إن لم يكونوا قد أصدروا تلك الأوامر والتعليمات.
وفوق ذلك لم يقوموا بمحاسبة مرتكبي الجرائم. فالمسؤولية في أحد مستوياتها الثلاثة حتمًا قائمة في حقهم، والسلوك يثبت معاداتهم للجماهير وحربهم عليها.
والمطلوب في غياب أجهزة عدلية مستقلة وفاعلة، وانهيار شبه كامل لأجهزة الدولة، أن يقوم المواطنون ومنظماتهم الحقوقية، بالتعاون مع المنظمات الدولية الحقوقية، بتوثيق هذه الجرائم والحفاظ على البينات، حتى يأتي وقت المحاسبة، وهو قريب لأن إرادة الشعب غلّابة.
وقوموا إلى ثورتكم يرحمكم الله .

