مقالاتالسودان

لماذا يستمر انهيار الجنيه السوداني رغم تراجع الإنفاق الحكومي؟ (2 من 2)

ما هي المعادلة التي ينبغي أن تحكم المرحلة المقبلة وهل المعركة بين الجنيه والدولار وماذا لو استمرت الحرب حتى نهاية 2026 ؟

مهدي داود الخليفة –

 إذا كانت الدولة السودانية، بسبب الحرب، لم تعد تنفق على المحروقات والتعليم والصحة والتنمية بالقدر الذي كانت تنفقه قبل الحرب، فلماذا يستمر الجنيه في التدهور؟

قد يبدو للوهلة الأولى أن انخفاض الإنفاق الحكومي على بعض الخدمات والسلع الأساسية يفترض أن يؤدي إلى انخفاض العجز المالي وبالتالي تخفيف الضغط على العملة. لكن اقتصاد الحرب يعمل بصورة مختلفة تماماً عن الاقتصاد الطبيعي.

فالمشكلة ليست فقط في حجم الإنفاق الحكومي، وإنما في طبيعة الموارد التي تمول الدولة، وطبيعة الإنفاق المتبقي، وانهيار مصادر الإيرادات والإنتاج والنقد الأجنبي.

لقد فقدت الدولة خلال الحرب جزءاً كبيراً من قدرتها على تحصيل الضرائب والرسوم بصورة منتظمة، كما تراجعت القاعدة الإنتاجية والصادرات، وتعطلت قطاعات واسعة من الاقتصاد، وتضررت التجارة الداخلية والخارجية. وفي المقابل، ظهرت نفقات جديدة ومرهقة فرضتها الحرب، تتعلق بالأمن والدفاع وتمويل المجهود الحربي والقوى والميليشيات المتعاونة مع الجيش، بينما تراجعت إلى حد كبير بقية أوجه الإنفاق العام.

وبعبارة أخرى، انخفاض الإنفاق التنموي والاجتماعي لا يعني بالضرورة انخفاض الضغط على الجنيه؛ فقد يكون العكس صحيحاً عندما يكون هذا الانخفاض ناتجاً عن انهيار الدولة والاقتصاد وليس عن إصلاح مالي حقيقي.

والأخطر أن الدولة لا تحتاج إلى شراء كل السلع والخدمات التي كانت تشتريها قبل الحرب حتى يحدث التضخم وانخفاض قيمة العملة. يكفي أن ينخفض إنتاج البلاد من السلع، خصوصاً الغذاء والوقود والسلع الوسيطة، بينما يستمر الطلب عليها، لكي ترتفع الأسعار.

وهنا يجب التمييز بين أمرين:

خفض الإنفاق نتيجة الإصلاح المالي، وهو أمر إيجابي عندما يتم بصورة مدروسة؛ وانخفاض الإنفاق نتيجة انهيار قدرة الدولة على تقديم الخدمات، وهو أمر مختلف تماماً ولا يمثل تحسناً في الوضع المالي.

فالدولة التي تتوقف عن بناء الطرق والمستشفيات والمدارس لا تصبح بالضرورة دولة أكثر كفاءة مالياً؛ فقد تكون ببساطة دولة فقدت قدرتها على الإنفاق والاستثمار.

كما أن الجنيه لا يتحدد فقط بما تنفقه الحكومة، وإنما يتحدد بدرجة كبيرة بقدرة الاقتصاد على توليد النقد الأجنبي.

قبل الحرب كان السودان يعتمد على مجموعة من مصادر العملات الأجنبية، من بينها الصادرات، وتحويلات السودانيين بالخارج، وعائدات الذهب، والنشاط التجاري، والاستثمار. أما الحرب فقد أضعفت معظم هذه القنوات، أو دفعت جزءاً منها إلى الاقتصاد الموازي.

وهنا تظهر المعادلة الأخطر:

إيرادات الدولة تنخفض

 →الإنتاج يتراجع

 → الصادرات تنخفض

 → النقد الأجنبي يقل

 → الطلب على الدولار يستمر

 → سعر الدولار يرتفع

 → الجنيه ينخفض

 → تكلفة الواردات ترتفع 

التضخم يرتفع

 → القوة الشرائية للجنيه تتآكل

 → الثقة في الجنيه تتراجع

 → يزداد الطلب على الدولار والذهب.

إذن، الجنيه لا ينهار لأن الحكومة تنفق كثيراً فقط؛ بل يمكن أن ينهار أيضاً لأن الاقتصاد ينتج قليلاً، ويصدر قليلاً، ويولد نقداً أجنبياً أقل، بينما تستمر الحاجة إلى الاستيراد والتمويل.

وهناك عامل آخر لا يقل أهمية، وهو التمويل النقدي للاختلالات المالية. فعندما تنخفض الإيرادات العامة وتتعاظم الاحتياجات، يصبح اللجوء إلى الجهاز المصرفي أو إلى خلق نقود جديدة وسيلة لتمويل العجز. وفي اقتصاد فقد جزءاً كبيراً من إنتاجه، فإن زيادة الكتلة النقدية دون زيادة مقابلة في الإنتاج تؤدي في النهاية إلى مزيد من التضخم والضغط على سعر الصرف.

ولهذا فإن السؤال ليس فقط: كم تنفق الحكومة؟

بل أيضاً:

من أين تأتي أموال الحكومة؟ وعلى ماذا تنفق؟ وكيف يتم تمويل العجز؟ وكم ينتج الاقتصاد؟ وكم يصدر؟ وكم من النقد الأجنبي يدخل النظام المصرفي الرسمي؟

وهذه هي النقطة التي تجعل أزمة الجنيه مختلفة عن مجرد أزمة موازنة عامة.

ماذا لو استمرت الحرب حتى نهاية عام 2026؟

في ضوء استمرار الحرب، وتراجع الإنتاج، وتعدد مراكز النشاط الاقتصادي، وضعف تدفقات النقد الأجنبي، يتوقع بعض المتابعين والخبراء الاقتصاديين أن يظل الجنيه تحت ضغط شديد.

وبحسب تقديرات متداولة في السوق، إذا استمرت الحرب حتى نهاية العام، فقد يتراوح سعر الدولار في السوق الموازي في نطاق 8,000 إلى 11,000 جنيه للدولار، بحسب تطورات الحرب، وحجم السيولة المحلية، وتدفقات الذهب والتحويلات، وقدرة السلطات على ضبط سوق الصرف.

وهذه الأرقام  سيناريو تحذيري ينبغي التعامل معه بجدية، لأن بلوغ هذه المستويات يعني انتقال الأزمة من مجرد انخفاض في قيمة العملة إلى مرحلة أعمق من الدولرة وفقدان الثقة وتسارع التضخم وتآكل المدخرات.

والأهم من الرقم نفسه هو ما يعنيه الرقم.

فإذا وصل الدولار إلى 8,000 أو 10,000 أو 11,000 جنيه، فإن المشكلة لن تكون أن الدولار أصبح «غاليًا» فحسب، وإنما أن القيمة الحقيقية للجنيه والمدخرات والأجور والمعاشات قد تكون قد تعرضت لمزيد من التآكل، وأن تكلفة إعادة بناء الاقتصاد بعد الحرب ستصبح أعلى.

ولهذا فإن التعامل مع سعر الصرف باعتباره مجرد رقم يومي قد يخفي الخطر الحقيقي.

الخطر الحقيقي هو أن يفقد المواطن السوداني الوظيفة الأساسية للعملة الوطنية باعتبارها مخزناً للقيمة ووسيلة مستقرة للتبادل ووحدة للحساب.

وعندما يبدأ المواطن والتاجر والشركات في تسعير العقارات والسيارات والسلع والخدمات بالدولار أو الذهب بدلاً من الجنيه، فإن الاقتصاد يكون قد دخل مرحلة خطيرة من الدولرة الفعلية حتى وإن ظل الجنيه هو العملة الرسمية.

الجنيه السوداني ليس مجرد ورقة نقدية فقدت جزءًا من قيمتها؛ إنه مرآة لحالة الدولة والاقتصاد معًا.

ولهذا فإن استمرار تراجع الجنيه، رغم انخفاض بعض أوجه الإنفاق الحكومي التقليدي، يؤكد أن المشكلة أعمق بكثير من حجم الموازنة.

فالدولة التي فقدت جزءًا كبيرًا من إنتاجها وصادراتها وإيراداتها وقدرتها المؤسسية، وتعمل في ظل اقتصاد حرب منقسم، لا تستطيع أن تحافظ على عملة مستقرة بمجرد تقليص الإنفاق أو إصدار قرارات نقدية.

الجنيه يحتاج إلى إنتاج، والإنتاج يحتاج إلى أمن، والأمن يحتاج إلى سلام، والسلام يحتاج إلى دولة موحدة، والدولة الموحدة تحتاج إلى مؤسسات شرعية وقادرة.

ومن هنا تصبح العلاقة بين السلام والجنيه أكثر وضوحًا:

الحرب تستهلك قيمة الجنيه، والسلام يفتح الطريق لاستعادتها.

لكن السلام وحده لا يصنع عملة قوية؛ فهو يخلق البيئة التي تسمح للإنتاج بالعودة، وللصادرات بالنمو، وللنقد الأجنبي بالتدفق، وللمصارف بالعمل، وللمستثمرين بالعودة، وللمواطن بالثقة في عملته.

ولهذا فإن تعافي الجنيه السوداني ليس مشروعًا نقديًا منفصلًا عن السلام، وإنما هو أحد نتائج السلام الحقيقي وإعادة بناء الدولة.

فإذا انتهت الحرب دون تفكيك اقتصادها، فقد يتوقف إطلاق النار بينما يستمر نزيف الجنيه.

أما إذا تحقق سلام حقيقي، واستعادت الدولة وحدتها وسيادتها على مواردها وحدودها ومؤسساتها، وأُعيد بناء القطاع المصرفي، ونُظمت تجارة الذهب، وعادت الزراعة والثروة الحيوانية والتعدين إلى الإنتاج والتصدير، وأُعيدت تحويلات السودانيين بالخارج إلى القنوات الرسمية، فإن الجنيه سيمتلك للمرة الأولى منذ سنوات الأساس الاقتصادي الذي يسمح له بالتعافي.

ولهذا يجب أن نعيد ترتيب السؤال.

ليس السؤال:

كم سيكون سعر الدولار في نهاية 2026؟

بل:

هل نستطيع أن ننهي الحرب ونبني اقتصادًا قادرًا على إنتاج الدولار بدلًا من مطاردته؟

فالمعركة ليست بين الجنيه والدولار.

المعركة الحقيقية بين اقتصاد الحرب واقتصاد الدولة.

وإذا انتصر اقتصاد الحرب، فسوف يستمر الجنيه في التراجع حتى لو صدرت مئات القرارات الاقتصادية.

أما إذا انتصر السلام، واستُعيد الإنتاج، ووُحّدت مؤسسات الدولة، واستُعيدت السيادة على الموارد، وأُصلح النظام المصرفي، واستعادت الدولة ثقة المواطن والمستثمر والمغترب، فإن رحلة الجنيه نحو التعافي تصبح ممكنة.

فالسلام يوقف النزيف، والإنتاج يعيد الحياة إلى الاقتصاد، والصادرات توفر النقد الأجنبي، والمؤسسات تعيد الثقة، والسيادة النقدية تعيد للجنيه قيمته.

ولهذا فإن المعادلة التي ينبغي أن تحكم المرحلة المقبلة هي:

لا تعافي للجنيه من دون سلام، ولا سلام مستدام من دون تعافٍ اقتصادي.

وفي نهاية المطاف، لن يستعيد السودان قيمة عملته بمجرد الدفاع عن الجنيه، وإنما ببناء الدولة والاقتصاد اللذين يجعلان الدفاع عن الجنيه ممكنًا.

إن إنقاذ الجنيه يبدأ من إنقاذ السودان نفسه.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: النص محمي