مقالاتالسودان

حين يختل ميزان النقد ( 1 من 2)

لماذا تصلح أول نظرة في الغناء والحب ولا تصلح في طريقة "أنا أشك اذن أنا موجود"؟

د . الطيب حاج مكي

باحث في دراسات التنمية والقيادة

النقد ليس خصومة مع الأفكار، ولا محكمةً تنعقد لإعدام الخصوم فكريًا، ولا سكينًا تُشهر في وجه المختلفين. النقد، في جوهره العلمي فعل معرفي؛ وظيفته الأساسية أن يزعزع المسلمات، ويفتح الثقوب في الجدران المغلقة، ويكشف ما عجزت العين الأولى عن رؤيته.

فأول نظرة تصلح في الغناء وفي الحب. ولا تصلح في طريقة “أنا أشك اذن أنا موجود”. ولذلك من رحم النقد الجاد يتولد ذلك الرأي الثالث؛ الرأي الذي لا يكرر قول الأول، ولا يكتفي بنقض قول الثاني، وإنما يتجاوزهما معًا إلى أفق جديد ذلك الذي لم يحيط به أي من الأول أو الثاني علماً.

ولهذا فإن كل تقدم فكري حقيقي هو، بصورة أو بأخرى، ابنٌ شرعي للجدل النقدي؛ فلا تنضج الأفكار في البيئات التي تخشى السؤال، ولا تتطور المجتمعات التي تعتبر الاختلاف خيانة. لكن مشكلتنا في كسودانيين ليست في غياب النقد، وإنما في نوعية النقد. نحن نملك وفرة من الأصوات التي تجيد الهدم، وقلةً من العقول التي تجيد البناء بعد الهدم.

وقد بينت الوسائل الحديثة نمطاً من النقاد يعاني ما يمكن تسميته، دون كثير من المجاملة، الحَوَل الفكري. انظر إلى تطفلهم على التاريخ. ثمة من يرى العيب في عين خصمه الفكري ولا يراه في عينه، يرفع معيارًا أخلاقيًا صارمًا حين يحاكم الآخرين، ثم يخفضه إلى أدنى درجاته حين يصل الأمر إلى جماعته أو مرجعياته أو تاريخه الشخصي.

يقول لك نعم جدي كان مفتي غردون او باشبوزق في جيش حارسه محمد الكردي ثم يضرب مثلاً وينسى نفسه.

بهذه الصورة لا يصبح النقد بحثًا عن الحقيقة، بل يتحول إلى انتقاءً للحقيقة؛ نأخذ منها ما يخدم موقفنا، ونترك ما يحرجنا. وهذه واحدة من أخطر أمراض السودانيين : أن تتحول القدرة على الكلام إلى حصانة من المساءلة.

وعلى سبيل المثال بعض نشطائنا في الوسائط الاجتماعية وكثير من نقادنا يملكون شجاعةً هائلة في جلد الثقافة العربية والإسلامية، وفي تفكيك المكونات الاجتماعية، وفي توزيع الاتهامات على التاريخ الوطني والتراث والناس، لكنك حين تدير المرآة باتجاههم تجدها مكسورة أو مغطاة. كأن الناشط او الناقد جاء من خارج المجتمع الذي ينتقده، وكأن تاريخه الشخصي لا علاقة له بالأسئلة التي يطرحها على الآخرين.

وهذا ليس نقدًا. هذه ازدواجية معايير. لأن النقد الذي لا يخضع صاحبه للمعيار نفسه الذي يفرضه على خصمه يتحول، مهما كانت بلاغته، إلى شكل من أشكال الاستعلاء.

ومن هنا يمكن فهم جانب من الإشكال في تجربة رجل مثل منصور خالد. فقد امتلك الرجل أدوات لغوية ومعرفية جعلته من أكثر الأسماء حضورًا في الكتابة السياسية السودانية، وكان يستطيع أن يقدم للنقاش العام مادة أكثر تركيبًا لو أنه منح تجربته وسجله السياسي القدر نفسه من التشريح الذي منحه لخصومه.

وبالطبع ليس المطلوب في هذا السياق من الناقد أن يكون معصومًا؛ بل العكس تمامًا. قيمة الناقد تبدأ حين يستدرك اخطاؤه ويدرك أنه موضوعٌ للنقد مثلما هو صاحب نقد.

كان يمكن أن يكون الأمر أكثر إثارة في كتبه لو بدأ من ماذا فعل منصور خالد نفسه؟ أين أخطأ؟ أين تناقض؟ أين تغيرت مواقفه؟لماذا تحالف مع ديكتاتور غزا الحي الذي ولد فيه؟ ما الذي أصاب فيه وما الذي أخفق؟ وما الذي تقوله تجربته الشخصية عن الأزمة التي كان يحاكم الآخرين بسببها؟

لكن حين يتحول الكتاب إلى منصة لإصدار الأحكام، وحين يشعر القارئ منذ مقدمته أن الكاتب دخل المعركة وهو يحمل أحكام الإدانة قبل أن يبدأ التحقيق، فإن الكتاب يفقد جزءًا من قيمته النقدية، حتى لو كان صاحبه واسع الاطلاع وحاد الذكاء.

ولقد تدربنا في مراحل البحث بأن هناك فرقا مدهشا بين أن تدخل إلى البحث بسؤال ماذا حدث؟ وأن تدخله بسؤال كيف أثبت أن هناك مخطئ؟ الأول بحث علمي ولا شك . والثاني مرافعة تنكر الضوء والشمس في كبد السماء. ولهذا فإن الفرق بين الباحث والمحامي أن الأول مستعد لتغيير حكمه وافتراضه إذا تغيرت الأدلة، بينما الثاني قد يظل يبحث عن الأدلة التي تخدم الحكم الذي أصدره مسبقًا.

 وهنا تحديدًا يقع بعض النقد السوداني في مأزقه المزمن. فعند الكثيرون النتيجة تسبق السؤال، والحكم يسبق البحث، والخصومة تسبق المعرفة. ولهذا تُكتب المطولات وبعض الكتب وكأنها معارك مؤجلة، لا أبحاثًا مفتوحة. ويقرأ القارئ فيها غضب الكاتب أكثر مما يقرأ موضوع الكتاب، ويسمع صوت الخصومة أعلى من صوت الفكرة، ويخرج منها وهو يعرف من يكره الكاتب أكثر مما يعرف ما الذي اكتشفه.

والمشكلة ليست في أن يكون الكاتب غاضبًا؛ فالغضب أحيانًا وقود وطاقة ضرورية للكتابة. ولكن المشكلة أن يتحول الغضب إلى منهج. فالغضب قد يوقظ السؤال، لكنه لا يستطيع وحده أن يصنع إجابة. والهجاء قد يهدم هيبة شخص أو فكرة، لكنه لا يبني معرفة. والسخرية قد تمنح النص بريقًا لحظيًا، لكنها لا تمنحه بالضرورة عمقًا.

ولهذا فإن بعض الكتب التي تبدو في ظاهرها شديدة القوة سرعان ما تفقد قوتها حين نطرح عليها سؤالًا دغريا محدداً، ماذا أضافت؟ وماذا اكتشفنا بعد كل هذا الهجاء؟ وما الفكرة الجديدة التي ولدت؟ وما الذي أصبحنا نراه الآن ولم نكن نراه قبل الكتاب؟ فإذا لم نجد جوابًا، فإننا أمام خطاب احتجاجي بارع، لا أمام نقد فكري مكتمل. ولعل أخطر ما يمكن أن يحدث للمثقف هو أن يتحول إلى سلطة صغيرة؛ يطالب الآخرين بالمراجعة ولا يراجع نفسه، يدعو إلى تفكيك المقدسات “الطائفية ” ثم يبني حول تجربته الشخصية سياجًا من القداسة، هذا نهج يحارب الشمولية في السياسة ويمارسها في الفكر. ولهذا كلما قرأت لبعض الناس أطرح السؤال المشروع

من ينقد الناقد؟ ومن يضع تجربته على الطاولة؟ ومن يقول له: لقد أخطأت هنا؟ ومن يسأله عن تناقضاته، وعن خياراته، وعن مسؤولياته، وعن الثمن الذي دفعه الآخرون بسبب أفكاره ومواقفه؟ لانه ببساطة إن لم يكن الناقد مستعدًا لهذه الأسئلة، فعليه أن يدرك أنه لم يدخل ميدان الفكر، وإنما دخل ميدان السلطة الرمزية. والسلطة الرمزية، مثل السلطة السياسية تمامًا، تحتاج إلى رقابة. ولذلك تظل أزمة النقد عندنا ليست نقصًا في الأقلام، وإنما نقصٌ في الميزان. فحين يختل الميزان، يتحول النقد من أداة لاكتشاف الحقيقة إلى أداة لإثبات أن الناقد وحده يمتلك الحقيقة. وهنا تبدا المصيبة ويبدأ الخطر.

 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: النص محمي