د.أحمد عثمان عمر
محام ومستشار قانوني
تتكرر هذه الأيام مسرحية حوار الوثبة سيئ الذكر، بمستوى أقل جودة وأضعف من سابقه، الذي بدأ بمبادرة أمريكية لتوسيع قاعدة النظام وتعويمه وتهبيطه هبوطا ناعما، وانتهى بمصادرة رأس النظام المخلوع لمخرجاته وإلحاق من شارك فيه بسلطته الشمولية وفقا لشروطه، وتأكيد حالة الانسداد السياسي التي توجت بخلعه وإدانته بالفساد.
وضعف هذه النسخة من حوار الشموليات قصيرة النظر التي تصر على محاورة نفسها، هو افتقاره للدعم الدولي في إطار عزلة النظام المزمنة وهشاشة سلطته، وغياب الآليات السياسية التي تفصح عن جديته، وتردي مستوى القائمين على أمره وضمور خيالهم السياسي، بالإضافة إلى مواكبته لحرب ضروس وحالة استقطاب سياسي حاد، تظاهره تدخلات دولية تتقاطع فيها المصالح وتتعارض.
وهو حوار فشل قبل أن يبدأ، لأنه قام على دعوة من جنرال أدمن الانقلابات العسكرية ونقض العهود والمواثيق، قطع الطريق أمام ثورة ديسمبر وإرادة الجماهير بانقلاب القصر، وأعقب ذلك مع قوات نظامية بما فيها الجنجويد على فض اعتصام القيادة، وفرض الوثيقة الدستورية المعيبة على التيار التسووي في قوى الحرية والتغيير لشرعنة انقلاب القصر واحتواء الثورة، وتمادى في طريق تصفية الثورة عبر خرق الوثيقة الدستورية المعيبة أولا ومن ثم الإجهاز عليها بانقلاب أكتوبر 2025م، خلوصا إلى إشعال الحرب اللعينة الماثلة لمصلحة الحركة الإسلامية المجرمة، التي تقف خلف كل هذه النشاطات المعادية لشعب السودان والمكرسة للتمكين.
ولذر الرماد في العيون، تزعم سلطة الأمر الواقع غير الشرعية، أن الحوار السوداني/السوداني المزعوم، تضطلع بمهامه لجنة مستقلة، يفضح عدم استقلالها أنها جاءت في سياق تنفيذ دعوة الجنرال الانقلابي المزمن، وأن هذا الحاكم المستبد دعمها بشطب البلاغات السياسية الملفقة في مواجهة المشاركين في هذا الحوار كما صرح وزير عدله، وإعطاء هؤلاء المشاركين حصانة إجرائية مؤقتة، تمنع من فتح بلاغات في مواجهتهم أثناء الحوار عن أي موضوع يثار في الحوار أو يتعلق به من قريب أو بعيد. والواضح أن هذه الحصانة لا معنى لها البتة، فهي من ناحية صادرة عن سلطة غير شرعية تستطيع إلغائها في أي لحظة، وهي بلا سند تشريعي من أي نوع،
وهي مقصورة على ما يدور في الحوار أو ما يتعلق به، ولا تمنع من فتح بلاغات بأسباب سابقة لا علاقة لها بالحوار المزعوم، ولا يغير من ذلك الادعاء بأن السلطة غير الشرعية سوف تقوم بتهيئة مناخ حريات، لأن هذا القول في حد ذاته يؤكد غياب الحريات كقاعدة عامة، وحدوث التهيئة كاستثناء يتيح الحوار.
والدعوة للحوار من الانقلابي المزمن الحالم بتنصيب نفسه رئيسا للجمهورية والباحث عن شرعية وحاضنة اجتماعية أوسع لسلطته المنتقصة، تثير الكثير من التساؤلات مثل: ماهي أجندة هذا الحوار ومن سيحدّدها؟ هل من الممكن مناقشة انقلاب القصر والانقلاب الثاني ضمن هذه الأجندة؟ هل من الممكن مناقشة مسؤولية طرفي الحرب عن الجرائم التي حدثت فيها؟ هل من الممكن مناقشة تفكيك وإزالة التمكين بما في ذلك إخراج المؤسسة العسكرية من النشاطين السياسي والاقتصادي؟ هل من الممكن مناقشة إعادة هيكلة الجيش وإقصاء الإسلاميين المسيطرين عليه وإعادة شركاته لولاية وزارة المالية؟
هل من الممكن مناقشة تسليم المجرمين لمحكمة الجنايات الدولية وتقنين مبدأ عدم الإفلات من المحاسبة والعقاب؟ هل من الممكن مناقشة تقديم اللجنة الأمنية للإنقاذ للمحاكمة لاختطاف الجيش لمصلحة الحركة الإسلامية المجرمة وارتكاب جرائم باسمه إبتداءا من انقلاب القصر للانقلاب الثاني لفض الاعتصام ولإشعال الحرب الماثلة وارتكاب جرائم حرب؟ هل يمكن مناقشة حل المليشيات وإيقاف الحرب؟
والأسئلة أعلاه توضح أن مثل هذا الحوار أجندته محددة من قبل الانقلابي المزمن وسلطته غير الشرعية، وأن مخرجاته بالتبعية متحكم فيها، فوق أنه لا ضمانات لتنفيذ هذه المخرجات، التي تخضع لمشيئة وإرادة الحركة الإسلامية المجرمة، التي لفظها شعبنا في ثورة ديسمبر لفظ النواة، حتى باتت كلمة “كوز” إساءة بالغة تستلزم اتخاذ إجراءات متعلقة بالسب العلني وإشانة السمعة.
فمثل هذا الحوار، لن يقود إلى أي نتيجة، حتى لمنظميه الذين يتوهمون أن مثل هذه المسرحيات المؤسفة ستجلب شرعية ما لهم. وذلك لأن الشرعية تستمد من إرادة الشعوب لا من مسرحيات العبث والكوميديا السوداء. فاستقطاب بعض السياسيين المرضى بحب السلطة، لن يغير في المعادلة السياسية شيئا، ولن يصبح مصدرا لشرعية ستبقى منعدمة مهما كثفت مساحيق التجميل لتخفي وجه الشمولية القبيح.
فالحوار مع سلطة تحمل السلاح وتصر على استمرار حرب أشعلت لحماية التمكين، يؤسس لإعادة إدماج المجرمين في الحياة السياسية بدلا من إقصائهم ومحاسبتهم، وربما يفتح الطريق لمشاركة معهم تعيد إنتاج الأزمة وتحمي التمكين، كما قد يفتح الطريق أمام مكافأتهم على جرائمهم السياسية والسماح لهم برسملة نتائج الحرب، وتحقيق الغاية من الحرب التي أشعلت للحفاظ على التمكين.
فهذا الحوار سيمنع من تحميل الجيش المختطف المسؤولية عن الوقوف في وجه طموحات الشعب ومحاولة كسر إرادته وسلب ثورته وهزيمة سلميته وتثبيت سلطة الإسلاميين وتمكينهم من نهب موارد البلاد واستعباد مواطنيها. وهو حوار لن يسمح بإعادة هيكلة الجيش المختطف، ولا بحل جهاز أمن الحركة الإسلامية المجرمة، ولا باستعادة سيطرة الشعب على اقتصاده وتدمير الاقتصاد الموازي، ولا ببناء أجهزة عدلية لا تسيطر عليها الحركة الإسلامية المصنفة إرهابية من قبل الإدارة الأمريكية. لذلك تأييد الاتحاد الأفريقي له لا يساوي شيئا،
وهو تأييد يشرعن سيطرة أحد طرفي الحرب على السردية السياسية ويملكه زمام المبادرة ويعفيه من المسؤولية عن كل الجرائم التي ارتكبها، وهو في نفس الوقت يخالف جهود الخماسية قيد التنفيذ ولا يتسق مع جهود المجتمع الدولي، كذلك قوبل بالرفض والإدانة من قبل الطرف الآخر في الحرب، ولن يجد أي احترام من القوى السياسية الجادة التي تبحث عن مخرج حقيقي وحل.
فالمنطق يقول أن من تسبب في المشكلة لن يكون جزءا من الحل، ومن استخدم القوة والعنف لمنع الانتقال لا يمكن أن يدير حوار يؤسس لانتقال، ومن أسس لديكتاتورية عبر انقلاب لا يمكن أن يصبح دولة حريات ولو على سبيل الاستثناء ولفترة مؤقتة.
وهذا يعني أن المشاركة في مثل هذا الحوار، لا تعدو أن تكون حالة انتحار سياسي، لن تقود حتى إلى تحويل الانقلاب لسلطة مشروعة، ولن تمنع النظام التي تتآكل سلطته من أطرافها من السقوط المدوي.
والمطلوب هو مقاطعة هذا الحوار الخداج والمصاب بشلل أطفال سياسي وعقم في الخيال ومحدودية في الأفق، وموالاة بناء الجبهة القاعدية لإسقاط النظام الشمولي ومحاسبة جنرالاته.
وقوموا إلى ثورتكم يرحمكم الله!!!

